الصورة الثانية : ما لو دار الأمر بين التحفّظ على الستر أو [عدم] ارتكاب المانع ، من دون أن تكون هناك حرمة تكليفية أصلاً عكس الصورة الاُولى ، كما لو انحصر الثوب فيما لا يؤكل ، فانّ لبسه جائز في نفسه حتى حال الصلاة مع قطع النظر عن الحرمة التشريعية حينئذ . فلا حرمة فيه إلاّ وضعاً .
ويلحق به ما لو كان الثوب من الميتة ، بناءً على جواز الانتفاع بها فيما عدا البيع كما هو الصحيح .
الصورة الثالثة : ما لو دار الأمر بينه وبين [عدم] ارتكاب ما هو محرّم نفساً ووضعاً ، مع ثبوت كلّ منهما بدليل مستقل من دون استتباع بينهما ، كما لو انحصر الثوب في الحرير ، فانّه حرام نفساً ، ومانع عن الصلاة من دون أن تكون المانعية تابعة للحرمة كما تقدّم(2) .
أمّا الصورة الاُولى : فلا ريب في اندراجها في كبرى التزاحم ، إذ لا تنافي بين شرطية الستر وحرمة الغصب في مقام الجعل كي يلزم من وجود أحدهما عدم الآخر ، وإنّما التنافي ناشئ من عجز المكلّف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال
ـــــــــــ (2) في ص 342 .
ــ[379]ــ
الذي هو المناط في التزاحم ، وعليه فلابدّ من ملاحظة مرجّحات هذا الباب ومقتضاها تقديم حرمة الغصب والإتيان بالصلاة عارياً ، فانّ حرمته فعلية مطلقة غير مشروطة بشيء ، بخلاف الستر فانّه مشروط بالتمكّن من الساتر والقدرة عليه ، كما يكشف عنه ما دلّ على لزوم الصلاة عارياً لدى العجز عن الساتر ، فانّه كاشف عن اختصاص اشتراط الساتر بالقادر ، ولا ريب في تقدّم المطلق على المشروط ، لانعدام موضوع الثاني بالأوّل ، إذ هو مشروط بالقدرة كما عرفت . وإطلاق النهي عن الغصب سالب لها ومعجّز عنها بعد ملاحظة أن الممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً ، فلا فرق بين عدم وجود الساتر رأساً أو وجوده والمنع عن التصرف فيه شرعاً .
وبعبارة اُخرى : القدرة المعتبرة في حرمة الغصب عقلية ، وفي وجوب الستر شرعية ، ولا ريب في تقدّم الاُولى على الثانية كما حرّر في مرجّحات باب التزاحم(1) .
فالمقام بعينه نظير ما إذا انحصر الماء بالمغصوب ، فكما ينتقل هناك إلى التيمّم ، لأنّ الوضوء مشروط شرعاً بالتمكّن من الماء على ما يستفاد من نفس الآية المباركة(2) بقرينة ذكر المريض ، ببيان تقدّم في محلّه(3) والنهي عن التصرّف في الماء المغصوب سالب للتمكّن ورافع للقدرة على استعماله شرعاً فلا يكون واجداً للماء ، فكذا ينتقل في المقام إلى الصلاة عارياً بعين الملاك ، من دون فرق بينهما أصلاً .
وممّا ذكرنا يظهر فساد ما عن مفتاح الكرامة من ترجيح الصلاة في الساتر المغصوب ، بدعوى أنّ الترديد ليس بين ارتكاب الغصب وترك الستر فحسب بل تركه وترك الركوع والسجود ، إذ العاري وظيفته الإيماء إليهما ، ولا ريب أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 3 : 358 .
(2) المائدة 5 : 6 .
(3) شرح العروة 10 : 68 .
ــ[380]ــ
الركوع والسجود أهم ، فانّهما ثلثا الصلاة كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) : «الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود»(1) فيتقدّم . فاللازم الصلاة مع رعاية الستر والركوع والسجود وإن استلزم التصرّف في الغصب لأهمّيتها منه قطعاً ، ولا أقل احتمالاً(2) .
وجه الفساد : أنّ الأهمّية وإن كانت من مرجّحات باب التزاحم ، لكن موردها ما إذا كان المتزاحمان مما اعتبرت القدرة في كلّ منهما عقلاً ، وأمّا إذا اعتبرت في أحدهما عقلاً وفي الآخر شرعاً فلا ريب في تقدّم القدرة العقلية على الشرعية ، وإن كانت الثانية في أعلى مراتب الأهمّية ، لما عرفت من فناء الموضوع وسلب القدرة الشرعية مع وجود العقلية ، والمقام من هذا القبيل ، فانّ القدرة المعتبرة في الركوع والسجود شرعيّة كنفس الستر ، حيث إنّ وجوبهما مشروط بالتمكّن من الساتر كما يكشف عنه ما دلّ على أنّ من لم يتمّكن من الساتر وظيفته الإيماء إليهما ، وأنّ من لم يتمكّن من رعاية الستر وظيفته الصلاة عارياً ، فمن دليل جعل البدل لدى العجز يستكشف تقيّد المبدل عنه بالقدرة شرعاً .
وبالجملة : لا مجال للترجيح بالأهمّية في مثل المقام ، بل اللازم تقديم القدرة العقليّة على الشرعية ، ومقتضاه تعيّن الصلاة عارياً كما عرفت .
وأمّا الصورة الثانية : أعني الدوران بين فوات الشرط بأن يصلّي عارياً مومئاً ، وبين الاقتران بالمانع فقط من دون حرمة نفسيّة كانحصار الثوب فيما لا يؤكل أو في الميتة على القول بجواز الانتفاع بها . فالمشهور إدراج ذلك في باب التزاحم ، وتبعهم شيخنا الاُستاذ (قدس سره)(3) فراعوا مرجّحات هذا الباب من إعمال الأهمّية وغيرها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 6 : 310 / أبواب الركوع ب 9 ح 1 .
(2) [ولعله فهم ذلك مما ذكره في مفتاح الكرامة 2 : 175 السطر 27] .
(3) أجود التقريرات 1 : 282 .
ــ[381]ــ
لكنّا ذكرنا غير مرّة خروج هذه الموارد ونحوها من صور تعذّر المركّبات عن باب التزاحم واندراجها في باب التعارض ، لعدم تعقّل المزاحمة بين أجزاء المركّب وشرائطه وموانعه ، إذ التزاحم لا يكون إلا بين تكليفين نفسيين مستقلّين يشتمل كلّ منهما على ملاك في نفسه ، وأمّا في باب المركّبات فليس في موردها إلا تكليف وحداني متعلّق بالمركّب ، وأمّا الأوامر الغيريّة فكلّها إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية بمقتضى الارتباطية الملحوظة بينها ، فليس هناك إلاّ ملاك واحد قائم بالمجموع .
وعليه فمقتضى القاعدة الأوّلية عند تعذّر جزء أو شرط أو مانع سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب رأساً من جهة العجز ، فانّ المقيّد متعذّر بتعذّر قيده ، إلاّ أنّه في خصوص باب الصلاة علمنا من الخارج بدليل الإجماع والضرورة أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، فبعد سقوط الأمر الأوّل نستكشف من هذا الدليل تعلّق أمر جديد بالباقي من الأجزاء والشرائط والموانع الممكن إتيانها ، لكن متعلّق هذا الأمر مردّد بين ما تركّب من هذا القيد أو من ذاك .
ففي المقام يتردد الواجب بين أن يكون هي الصلاة عارياً مومئاً ، أو ساتراً مع الركوع والسجود وإن وقعت فيما لا يؤكل ، فالشك إنّما هو في المجعول الشرعي والوظيفة المقرّرة في هذا الظرف ، وأنّ الشارع هل ألغى شرطية الستر حينئذ أو ألغى المانعية لما لا يؤكل ، فالترديد في مقام الجعل وما اعتبره الشارع من رعاية الشرطية أو المانعية لا في مرحلة الامتثال من جهة العجز . وواضح أنّ مثله داخل في باب التعارض ، فتقع المعارضة حينئذ بين إطلاق دليل الشرطية وإطلاق دليل المانعية ، فلابدّ من إعمال قواعد باب التعارض ورعاية مرجّحاته ، دون الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم من ملاحظة الأهمّية ونحوها .
وقد ذكرنا في محلّه أنّ الإطلاقين المتعارضين إن كانا على نحو يقدّم أحدهما على الآخر عرفاً ، بحيث صلح أن يكون بياناً ، كما لو ثبت أحدهما بدليل لفظي
ــ[382]ــ
والآخر بدليل لبّي قدّم ما حقّه التقديم(1) ، ومن هنا ذكرنا أنّه لو دار الأمر بين ترك القيام أو ترك الطمأنينة تعيّن الصلاة قائماً، لأنّ الأوّل ثبت بدليل لفظي وهو قوله (عليه السلام): «إذا قوي فليقم»(2) والثاني بدليل الإجماع ، والمتيقّن منه غير صورة الدوران .
وإذا تكافأ الإطلاقان من غير ترجيح في البين سقطا بالمعارضة لا محالة . وحينئذ فان علمنا إجمالاً بلزوم رعاية إحدى الخصوصيتين المفروض تعذّر الجمع بينهما ـ كالستر وعدم الوقوع فيما لا يؤكل مثلاً ـ لزم التكرار ، عملاً بقاعدة الاشتغال ، فيصلّي عارياً مومئاً تارة ، وفيما لا يؤكل اُخرى . وأمّا إذا لم يعلم بذلك ـ كما هو الغالب ، فانّ فرض العلم الإجمالي نادر جدّاً كما لا يخفى ـ فتنتهي النوبة إلى الأصل العملي ، ومقتضاه الرجوع إلى البراءة عن كلّ من الخصوصيتين ، فانّ تعيّن اعتبار خصوص الستر كاعتبار خصوص المانعية في هذه الحالة مشكوك يدفع بأصالة البراءة ، ونتيجته التخيير بين الأمرين ، فلا يجب الجمع بينهما لفرض التعذّر ، ولا يجوز تركهما لعدم الاضطرار ، والضرورات تقدّر بقدرها ، فيتخيّر في الأخذ بأحدهما وترك الآخر ، هذا حكم كبرى المسألة .
وأمّا التطبيق على المقام ، أعني الدوران بين الصلاة عارياً مومئاً وبين إيقاعها فيما لا يؤكل ، فلا ريب في تعيّن الأوّل ، لتقدّم دليل المانعية على دليل شرطية الستر ودليل جزئية الركوع والسجود .
أمّا الأوّل : فلأنّ دليل المانعية ناظر إلى دليل الساتر ومقيّد لإطلاقه ومحدّد لموضوعه ، فهو شارح للمراد منه ، وأنّه يعتبر فيه أن لا يكون مما لا يؤكل فغير المأكول وجوده كعدمه في عدم تحقّق الستر الصلاتي به .
ومنه يظهر وجه تقدّمه على الثاني ، إذ الركوع والسجود وظيفة من يتمكّن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 3 : 364 .
(2) الوسائل 5 : 495 / أبواب القيام ب 6 ح 3 .
|