وأمّا بالنسبة إلى صلاة الصبح والمغرب : فقد استدل لوجوب الأذان أيضاً بعدة أخبار :
منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال : أدنى ما يجزئ من الأذان أن تفتتح الليل بأذان وإقامة ، وتفتتح النهار بأذان وإقامة ، ويجزئك في سائر الصلوات إقامة بغير أذان»(3) .
وفيه : أنّها قاصرة عن الدلالة على الوجوب ، لكونها مسوقة لبيان أقلّ مراتب الوظيفة ، وأدنى ما يجزئ عنها ، من دون تعرض لحكم تلك الوظيفة من كونها على سبيل الوجوب أو الاستحباب ، فانّ الإجزاء أعمّ من ذينك الأمرين كما لا يخفى .
فحاصل الصحيحة : أنّ من يريد التصدي لتلك الوظيفة المقرّرة في الشريعة ، فالمرتبة الراقية أن يؤذّن ويقيم لكل فريضة ، ودونها في المرتبة أن يأتي بهما في صلاة الغداة والمغرب ، وهذا كما ترى لا دلالة له على الوجوب بوجه .
ــــــــــــ (3) الوسائل 5 : 386/ أبواب الأذان والاقامة ب 6 ح 1 .
ــ[230]ــ
نعم ، لو كان مفادها الإجزاء عن الأمر الصلاتي اقتضى الوجوب ، وليس كذلك ، بل المجزأ عنه الأذان كما صرّح به فيها ، دون الصلاة .
ومنها : رواية الصباح بن سيابة قال : «قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : لا تدع الأذان في الصلوات كلها ، فان تركته فلا تتركه في المغرب والفجر فإنه ليس فيهما تقصير»(1) .
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بابن سيابة ، أنّها قاصرة الدلالة ، فانّ لسانها أشبه بالاستحباب كما لا يخفى .
ومنها : صحيحة ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : تجزئك في الصلاة إقامة واحدة إلا الغداة والمغرب»(2) . وهذه لابأس بدلالتها للتصريح فيها بالإجزاء عن الصلاة لا عن الأذان .
اللهم إلا أن تحمل على الثاني بقرينة صحيحة زرارة المتقدمة بعد العلم بوحدة المراد منهما .
وكيف كان ، فتدلنا على عدم الوجوب صحيحتان :
إحداهما : صحيحة عمر بن يزيد قال : «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاقامة بغير الأذان في المغرب ، فقال : ليس به بأس ، وما اُحبّ أن يعتاد»(3) فانّها صريحة في جواز الترك ، وموردها وإن كان هو المغرب لكن يتعدى إلى صلاة الفجر ، للقطع بعدم القول بالفصل وتساويهما في عدم التقصير المصرّح به في خبر ابن سيابة المتقدم ، وفي صحيحة صفوان الآتية ، وفي كونهما مفتتح صلوات الليل والنهار كما صرّح به في صحيحة زرارة المتقدمة .
الثانية : صحيحة صفوان بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : الأذان مثنى مثنى ، والاقامة مثنى مثنى ، ولابدّ في الفجر والمغرب من أذان وإقامة في الحضر والسفر ، لأنّه لا يقصر فيهما في حضر ولا سفر ، وتجزئك إقامة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 5 : 386/ أبواب الأذان والاقامة ب 6 ح 3 .
(2) ، (3) الوسائل 5 : 387/ أبواب الأذان والاقامة ب 6 ح 4 ، 6 .
ــ[231]ــ
بغير أذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، والأذان والإقامة في جميع الصلوات أفضل»(1) .
فانّ التصريح في ذيلها بأفضلية الأذان والإقامة في جميع الصلوات ، الشامل باطلاقه حتى لصلاتي الفجر والمغرب المذكورين في الصدر ، أقوى شاهد على الاستحباب ، ويكون ذلك قرينة على أنّ المراد بقوله «ولابد في الفجر والمغرب . . .» إلخ اللابدية في مقام امتثال الأمر الاستحبابي لا الوجوبي .
ويمكن أن يستأنس للحكم أيضاً : بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) «أنه كان إذا صلى وحده في البيت أقام إقامة ولم يؤذن»(2) فان التعبير بـ «كان» المشعر بالاستمرار ، يدل على عدم التزامه (عليه السلام) بالأذان غالباً ، وعدم مبالاته به في بيته حتى بالاضافة إلى المغرب والفجر بمقتضى الاطلاق .
وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ القول بوجوب الأذان لصلاتي الغداة والمغرب ، استناداً إلى الروايات المتقدمة ، بدعوى كونها مقيدة لما ظاهره إطلاق نفي الوجوب ، كروايات الصف والصفين من الملك المتقدمة(3) ، وكصحيح الحلبي «عن الرجل هل يجزئه في السفر والحضر إقامة ليس معها أذان ؟ قال : نعم ، لابأس به»(4) ونحوهما مما ظاهره عدم الوجوب مطلقاً ، ساقط لقصور تلك الروايات في حدّ نفسها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو كما مرّ . مضافاً إلى معارضتها في موردها بالصحاح النافية للوجوب كما عرفت ، كما أنّ القول بوجوبه في الجماعة أيضاً ضعيف كما تقدم(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 5 : 386/ أبواب الأذان والاقامة ب 6 ح 2 .
(2) الوسائل 5 : 385/ أبواب الأذان والاقامة ب 5 ح 6 .
(3) في ص 226 .
(4) الوسائل 5 : 384/ أبواب الأذان والاقامة ب 5 ح 3 .
(5) في ص 227 .
ــ[232]ــ
فالأقوى عدم وجوب الأذان مطلقاً كما عليه المشهور .
|