ــ[109]ــ
ويتحقّق المسمّى بمقدار الدرهم قطعاً ، والأحوط عدم الأنقص (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إدريس(1) وابن الجنيد(2) كلام يشعر بلزوم الاستيعاب ، حيث قالا فيما حكي عنهما إنّ من كان به علّة يجزيه الوضع بمقدار الدرهم ، وظاهره لزوم الاستيعاب مع عدم العلّة ، لكن النسبة لو صحّت فهو قول شاذ مخالف للاجماع كما عرفت ومحجوج عليه بالأخبار فانّها صريحة في كفاية المسمّى ، ففي صحيحة زرارة المتقدِّمة : «فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك» ، وصحيحته الاُخرى : «إذا مسّ شيء من جبهته الأرض ... » إلخ وفي موثقة عمار «أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» وغيرها ممّا تقدّمت الاشارة إليها .
وليس في النصوص ما يشهد للاستيعاب عدا صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن المرأة تطول قصتها فاذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض وبعض يغطيها الشعر هل يجوز ذلك ؟ قال : لا ، حتّى تضع جبهتها على الأرض» (3) .
لكن لا مناص من حملها على الفضل وكراهة البعض ، لما عرفت من الروايات الناصة بكفاية المسمّى (4) .
(1) قد عرفت عدم وجوب الاسـتيعاب وكفاية البعـض ، إنّما الكلام في مصداق ذاك البعض وأ نّه هل يعتبر فيه أن يكون بقدر الدرهم فلا يجزي الأقل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السرائر 1 : 225 .
(2) حكاه عنه في الذكرى 3 : 392 .
(3) الوسائل 5 : 363 / أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 5 .
(4) الصحيحة مشتملة على التعبير بـ «لا يجوز» الصريح في نفي الجواز ومثله لا يقبل الحمل على الكراهة كما لا يخفى . فالاُولى الخدش باعراض الأصحاب عنها وإن لم يتم على مسلك سيِّدنا الأستاد أو ردّ علمها إلى أهله .
ــ[110]ــ
أو يكفي المسمّى وإن كان دون ذلك مع العلم بعدم كفاية السجود على مقدار الحمصة ، إذ لا يصدق معه السجود على الأرض ، بل هو حاجب ومانع عنه كما لا يخفى ، فلا يتحقّق في مثله المسمّى ، ومحل الكلام بعد فرض حصول المسمّى .
وكيف كان ، فالمشهور هو الثاني ، وظاهر الصدوق هو الأوّل ، حيث قال : ويجزي مقدار الدرهم ، وقد ذكر هذه العبارة في موضعين من الفقيه أحدهما : في باب ما يصح السجود عليه ، نقلاً عن والده (قدس سره) وأمضاه . الثاني : في باب صفات الصلاة وهو من كلام نفسه (قدس سره) (1) وظاهره أ نّه حدّده بذلك ، فلا يجزي الأقل .
ولكن يمكن أن يقال : إنّ ذلك من باب المثال ولا يريد به التحديد ، لأ نّه (قدس سره) قال في صدر الكتاب إنِّي أعمل بكل رواية أرويها فيه وأ نّه حجّة بيني وبين الله (2) ، وقد نقل في المقام هذه الروايات الظاهرة في كفاية المسمّى فيظهر أ نّه يعمل بهذه الأخبار ، فلا بدّ من حمل الدرهم على المثال .
نعم ، صرّح الشهيد في الذكرى بما لفظه : والأقرب أن لا ينقص في الجبهة عن درهم لتصريح الخبر وكثير من الأصحاب به فيحمل المطلق من الأخبار وكلام الأصحاب على المقيّد(3) . ونحوه ما عن الدروس (4) ، وقد وقع الكلام في المراد من الخبر الّذي أشار إليه قال في الجواهر : وأشار بالخبر إلى صحيح زرارة السابق(5) أي المشتملة على لفظ الدرهم(6) السابقة في كلامه (قدس سره) ولكنّه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفقيه 1 : 175 ، 205 .
(2) الفقيه 1 : 3 .
(3) الذكرى 3 : 389 .
(4) الدروس 1 : 180 .
(5) الجواهر 10 : 143 .
(6) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5 .
ــ[111]ــ
ولايعتبر كون المقدار المذكور مجتمعاً، بل يكفي وإن كان متفرِّقاً مع الصدق(1) فيجوز السجود على السبحة غير المطبوخة ((1)) إذا كان مجموع ما وقعت عليه الجبهة بقدر الدرهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما ترى ، فانّه على خلاف المطلوب أدل ، لتضمنها عطف (2) طرف الأنملة على الدرهم الّذي هو أقل من الدرهم قطعاً ، وإلاّ لما صحّ التقابل ، فهو أعلم بما قال . على أ نّه (قدس سره) أسنده إلى الأصحاب ، مع أ نّه أسند كثير إليهم ـ وهو المعروف بينهم ـ عدم اعتباره وكفاية المسمّى ، وهذا أيضاً لم يعرف وجهه .
وكيف ما كان ، فالصحيح ما عليه المشهور من كفاية المسمّى ، لاطلاق النصوص المتقدِّمة وعدم ما يصلح للتقييد . نعم ، ورد التحديد بالدرهم في الفقه الرضوي (3) ودعائم الاسلام ، بل إنّ عبارة الثاني أصرح لقوله «أقل ما يجزي أن يصيب الأرض من جبهتك قدر درهم» (4) لكن سندهما ضعيف جدّاً كما مرّ مراراً ، فلا يصلحان لمعارضة ما سبق .
(1) لاطلاق النصوص الدالّة على كفاية المسمّى كما مرّ ، الصادق حتّى مع التفرّق إذا لم يكن بمثابة يمنع عن الصدق ويعد من الحائل، وعليه فيجوز السجود على السبحة مع تفرّقها بشرط الصدق المزبور ، سواء أكان مجموع ما تقع عليه الجبهة بالغاً حدّ الدرهم أم لا ، لما عرفت من عدم العبرة بهذا الحد ، لضعف مستنده وكفاية المسمّى حيثما تحقّق .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بل على المطبوخة أيضا .
(2) صاحب الجواهر ملتفت إلى هذا ويجيب عنه بما ينبغي الملاحظة فراجع الجواهر 10 : 143 .
(3) فقه الرِّضا : 114 .
(4) المستدرك 4 : 458 / أبواب السجود ب 8 ح 1 ، الدعائم 1 : 164 .
ــ[112]ــ
ومنه تعرف أنّ التقييد بذلك في المتن في غير محله . نعم ، بناءً على اعتبار الدرهم قد يستشكل في جواز السجود على مثل السبحة والحصى وإن بلغ المجموع مقدار الدرهم ، كما حكاه في الجواهر (1) عن شرح نجيب الدين وكأ نّه لانصراف التحديد إلى صورة الاتِّصال ، فلا يكفي مع الانفصال والتفرّق ، كما قيل بمثل ذلك في مانعية الدم البالغ حدّ الدرهم في الصلاة من انصراف المنع إلى الدم المتّصل ، فالمتفرِّق في البدن أو اللباس لا يمنع وإن كان المجموع بقدر الدرهم ، لكن الانصراف بدوي في كلا المقامين كما لا يخفى .
هذا ويظهر من الجواهر جواز السجود على السبحة والحصى المتفرِّقة وإن لم يبلغ الدرهم ، حتّى بناءً على اعتبار هذا الحد استناداً إلى النص قال (قدس سره) ما لفظه : بل بعض نصوص الحصى وعدم وجوب التسوية لما يسجد عليه ربما تشهد للاجتزاء على تقدير اعتبار الدرهم أيضاً فتأمّل ، انتهى (2) .
ولم يظهر مراده (قدس سره) من تلك النصوص ، إذ لم نظفر على رواية تدل على عدم وجوب التسوية ، بل إنّ النصوص الواردة في المقام حاكية عن أنّ الإمام (عليه السلام) كان يسوي بين الحصى ، وإن لم تدل هي لا على الوجوب ولا على عدم الوجـوب لاجمال الفعل ، ففي موثقة يونس بن يعقوب المرويّة بطريقي الشيخ والصدوق قال : «رأيت أبا عبدالله (عليه السلام) يسوي الحصى في موضع سجوده بين السجدتين» (3) ، وفي رواية عبدالملك بن عمرو قال : «رأيت أبا عبدالله (عليه السلام) سوّى الحصى حين أراد السجود» (4) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الجواهر 10 : 145 .
(3) الوسائل 6 : 373 / أبواب السجود ب 18 ح 2 ، التهذيب 2 : 301 / 1215 ، الفقيه 1 : 176 / 834 .
(4) الوسائل 6 : 373 / أبواب السجود ب 18 ح 4 .
|