الفرع الخامس : اختصاص الكافر بالأصلي أو شموله للمرتد بقسميه 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأرث   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1853


الفرع الخامس : المراد بالكافر خصوص الأصلي ، أو يشمل المرتدّ أيضاً سواء كان عن فطرة أو ملّة ؟

ادّعي الإجماع على أنّ المرتدّ الفطري لا يرثه ورثته الكفّار ، والمشهور شهرة عظيمة أنّ المرتدّ الملّي كذلك ، فإرثهما حينئذ للإمام (عليه السلام) .

أقول : أمّا المرتدّ الملّي فالصحيح أنّه كالأصلي ، كما ذهب إليه الشيخ الصدوق(3)، والشيخ الطوسي في كتابي أخباره(4)، واختاره من المتأخّرين صاحب المستند(5)، إذ لا دليل على استثنائه من سائر الكفّار ، فيبقى ما دلّ على أنّ إرثه كغيره من الكفّار الأصليين لورثته الكفّار، على ما دلّ عليه إطلاق الآية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 75 .
(2) الوسائل 26 : 23 / أبواب موانع الإرث ب4 ، 317 / أبواب ميراث المجوس ب1 ح1 .
(3) المقنع : 508 ، الفقيه 4 : 245 / 789 .
(4) التهذيب 9 : 372 / 1328 ، الاستبصار 4 : 193 / 724 .
(5) مستند الشيعة 19 : 26 ـ 29 .

ــ[28]ــ

المباركة (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَْقْرَبُونَ ...)(1) فإنّها شاملة لكلّ ميّت مسلماً كان أو كافراً ، أصلياً كان كفره أو بالارتداد ، نعم خرج عنه ما إذا كان للكافر وارث مسلم ، للروايات المعتبرة الدالّة على ذلك(2).

وأمّا في المقام فاستدلّوا على الخروج بعدّة وجوه ، بلغ ضعف بعضها درجة لا تقبل الذكر ، بعد وضوح عدم تحقّق الإجماع .

وعمدة ما ذكر من الوجوه ما في الجواهر ، من أنّ المرتدّ متحرّم بالإسلام ولذا لا يجوز استرقاقه ، ولا يصحّ نكاحه لكافرة ولا لمسلمة(3).

وفيه : أنّ ذلك لا يخرج عن القياس ، إذ أنّه مع ثبوت ذلك لم يثبت أنّه للتحرّم بالإسلام ، وعلى تقديره فهو قياس مع الفارق ، لأنّ مسألة النكاح والاسترقاق يمكن أن تكون في مورد قابل للبقاء ، والمرتدّ محكوم بالقتل إن كان عن فطرة وبالاستتابة ثلاثة أيّام إن كان عن ملّة، فإن لم يتب قتل ، ففرض عدم جواز نكاحه ولا استرقاقه لا يوجب التعدّي إلى الإرث .

على أنّه لا وجه لعدم جواز تزويجه بالكتابية متعة أو دواماً ، لأنّ للمسلم أن يتزوّج بها متعة بلا خلاف ، ودائماً على خلاف ـ وإن كان الأظهر عندنا جوازه أيضاً ، خلافاً للمشهور ـ فكيف لا يجوز للمرتدّ ذلك . بل لا دليل على عدم جواز تزويجه بغير الكتابية من أقسام الكفّار ، كالمشركة والوثنية ، نعم ليس له أن يتزوّج بالمسلمة ، لأنّه كافر ، ولا ربط لذلك بالمقام .

وأمّا عدم استرقاقه فليس لأجل التحرّم بالإسلام ، بل لأجل أنّ الاسترقاق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 7 .
(2) تقدّم بعضها في هامش ص21 ـ 22 .
(3) الجواهر 39 : 17 .

ــ[29]ــ

على خلاف الأصل ، فيحتاج إلى دليل ، فإنّ ملكية إنسان لإنسان أو غيره يحتاج إلى دليل ، ولا دليل ، فإنّ أدلّة الاسترقاق كلّها في الكافر الأصلي ، دون غيره . فلا مقتضي للاسترقاق من الأول .

الوجه الثاني : التمسّك بالاستصحاب ، وأنّ الأصل أنّ الوارث الكافر لا يرث من المرتدّ .

وفيه : على فرض جواز الأصل في نفسه ، كيف يمكن التمسّك به مع وجود إطلاق الآية المباركة (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ...)(1) والروايات الشريفة .

الوجه الثالث : أنّ المرتدّ إذا تاب وجب عليه قضاء صلاته وصيامه الفائت حال الردّة ، فحاله حال المسلم ، فهو ملحق به لا بالكافر .

وهذا عجيب ، لأنّ القاعدة تقتضي قضاء ما فات من أي شخص ، خصّص بما إذا كان كافراً ، فإنّه لا يجب عليه قضاء ما فاته حال كفره، وهو مختصّ بالكافر الأصلي ، ولا يشمل المرتدّ ، فكيف يتعدّى منه إلى مسألة الإرث . على أنّ إطلاق الآية المباركة دالّ على الإرث .

الوجه الرابع : إطلاق قولهم (عليهم السلام) : « لا يرث الكافر المسلم »(2) الشامل للمرتدّ ، لأنّه كان مسلماً ، ولذا يصحّ إطلاق المسلم عليه ولو مجازاً ، باعتبار انقضاء المبدأ عنه .

وهذا الوجه وغيره غير قابل للذكر ، لأنّ المراد بالمسلم في قولهم (عليهم السلام) : « لا يرث الكافر المسلم » المسلم بالفعل ، والمرتدّ كافر بالفعل ، فلا يشمله ذلك .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 7 .
(2) الوسائل 26 : 12 / أبواب موانع الإرث ب1 ح3 وغيره . راجع ص22 الهامش (1) .

ــ[30]ــ

فالصحيح : أنّ المرتدّ الملّي إذا لم يكن له وارث مسلم ورثه ورثته الكفّار لإطلاق الآية المباركة . مضافاً إلى صحيحة إبراهيم بن عبدالحميد، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : نصراني أسلم ، ثمّ رجع إلى النصرانية ثمّ مات ، قال : ميراثه لولده النصارى . ومسلم تنصّر ثمّ مات ، قال : ميراثه لولده المسلمين »(1).

وإشكال صاحب الجواهر وغيره عليها بشمولها حتّى لمّا إذا كان له ورثة مسلمون ، وهو خلاف الإجماع والنصّ(2) لا وجه له ، للزوم رفع اليد عن الإطلاق على فرضه ، بل يمكن أن يقال : لا إطلاق لها ، لأنّه بطبيعة الحال حينما كان نصرانياً كان له أولاد كفّار ، ولم يذكر أنّه بعد إسلامه تولّد له ولد ، وربما كان إسلامه يوماً أو شهراً أو سنة . فقوله (عليه السلام) : « ميراثه لولده النصارى » باعتبار موردها . فلا إطلاق لها حتّى يقيّد بغيره .

هذا ، ولكن الصحيح أنّ رواية إبراهيم بن عبدالحميد لم يثبت أنّها عن الإمام (عليه السلام) لأنّه وإن رواها إبراهيم بن عبدالحميد ـ كما في الفقيه(3) ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، إلاّ أنّها في التهذيب في موردين(4) وفي الاستبصار في مورد(5) رواها إبراهيم عن رجل عن الإمام (عليه السلام) . فلم يثبت إسنادها إلى المعصوم (عليه السلام) . ولا حاجة لها بعد اقتضاء القاعدة أن يكون إرثه لورثته الكفّار ، لا للإمام (عليه السلام) .

وأمّا المرتدّ الفطري : فقد ادّعى غير واحد من الأعاظم ، منهم صاحب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 25 / أبواب موانع الإرث ب6 ح1 .
(2) الجواهر 39 : 18 .
(3) الفقيه 4 : 245 / 789 .
(4) التهذيب 9 : 372 / 1328 ، 1346 .
(5) الاستبصار 4 : 193 / 724 .

ــ[31]ــ

الجواهر(1) الإجماع القطعي على أنّه لو لم يكن له وارث مسلم فإرثه للإمام (عليه السلام) ولا يرثه ورثته الكفّار ، وادّعى أنّ الحكم مقطوع به بين الأصحاب .

والظاهر أنّ دعوى الإجماع وإن صدرت من مثل صاحب الجواهر وغيره إلاّ أنّها لا محصّل لها ، وذلك لأنّ لنا في المرتدّ الفطري بحثين :

الأوّل : في انتقال ماله إلى ورثته حين ارتداده ـ فإن لم يكن له وارث مسلم فإلى الإمام (عليه السلام) ولا يرثه الكافر ـ والحكم عليه بالموت التنزيلي ، وبينونة زوجته واعتدادها عدّة الوفاة ، ووجوب قتله ، وعدم قبول توبته ، وعدم ارتفاع هذه الأحكام بالتوبة . وهذا واضح ، وتدلّ عليه النصوص(2)، بلا حاجة إلى الإجماع . وهذا خارج عن محل الكلام .

الثاني : ما إذا مات المرتدّ الفطري موتاً حقيقياً ـ لا تنزيلياً ـ بأن فرض عدم قتله ، لفراره أو لعدم إمكانه ، كما في زماننا ، فاكتسب مالا جديداً ثمّ مات موتاً حقيقياً ، فلمن يكون ميراثه ؟ وهو محلّ الكلام .

المشهور عدم قبول توبته حتّى في غير ما ذكر من الأحكام المتقدّمة ، فلا يحكم بطهارته ، ولا يجوز تزويجه من زوجته أو غيرها ، وعدم إمكان تملّكه لشيء .

وخالف في ذلك جماعة منهم صاحب العروة(3) والشهيد في الروضة(4 ) والمحقّق القمّي في جامع الشتات(5) وقالوا بقبول توبته ـ في غير الأحكام المذكورة ـ باطناً بينه وبين الله ، بل ظاهراً أيضاً ، وهو الصحيح . ورتّب عليه ما يترتّب على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 39 : 17 .
(2) الوسائل 28 : 323 / أبواب حدّ المرتدّ ب1 ح2 ، 3 .
(3) العروة الوثقى 1 : 109 / المسألة [382] .
(4) الروضة البهيّة 8 : 30 ، 9 : 337 .
(5) جامع الشتات 2 : 712 ، 750 .

ــ[32]ــ

المسلم من الأحكام ، وإن كان يجب قتله وتبين زوجته ، إلاّ أنّه يحكم بطهارته وجواز تملّكه لأي شيء ، وصحّة معاملاته ، وتزويجه من مسلمة ، بل حتّى بامرأته السابقة .

وعلى أي حال ، لا معنى ـ على المشهور ـ لدعوى الإجماع على انتقال ماله إلى ورثته المسلمين دون الكفّار . والإجماع التقديري ـ أي لو فرض أنّه يملك فلا ينتقل إلى ورثته الكفّار ـ بعيد جدّاً .

والظاهر أنّ مدّعي الإجماع اشتبه عليه الأمر بين البحثين ، فادّعى الإجماع القائم في الموت التنزيلي ـ على عدم إرث الوارث الكافر من المرتدّ الفطري
واختصاص إرثه بالورثة المسلمين ، فإن لم يكونوا فإلى الإمام (عليه السلام) ـ ادّعاه في الموت الحقيقي الذي لا موضوع للإجماع فيه ، لالتزام المشهور بعدم قابلية ملكية المرتدّ فيه لأي شيء(1) وإن ناقشنا ذلك في كتاب الطهارة وقلنا : إنّه يملك حتّى حال الارتداد(2).




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net