ضروريّة وجوب الحجّ وكفر منكره - وجوب الحجّ في العمر مرّة واحدة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1907

  

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

    والحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة على نبيّه الكريم ، وآله المنتجبين .

   وبعد ، فإن من نعم الله سبحانه علي أن كان لي شرف الحضور في مجلس الدرس لسماحة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى الإمام السيِّد أبو القاسم الخوئي متّع الله المسلمين ببقائه الشريف في الفقه ، والأُصول ، والتفسير .

   وقد وفقت لتحرير ما أملاه علينا في جميع المراحل الّتي حضرت فيها في دورات التدريس ، والبحث ، فكانت لي هذه البحوث القيّمة خير ما يعتزّ به الفرد من ثروة علميّة ، أرجو أن تكون من جملة ما ينفعني ويقرّبني إلى الله سبحانه وتعالى .

   ورغبت أن اُقدّم بعض هذا النتاج إلى الطبع والنشر ، لئلا أكون ضنيناً على إخواني الّذين يهمهم التصدي إلى الوصول لحقائق الأُمور ومعرفة حقيقة البحث العلمي ، لذا وقع اختياري على بحث الحج من كتاب العروة الوثقى للسيّد الفقيه السيّد محمّد كاظم الطباطبائي (قدس سره) لأهميّته في الشريعة الإسلامية، ولأ نّه أحد الرّكائز الّتي بُنيَ عليها الإسلام كما جاء ذلك في الأخبار . ومنه سبحانه أسأل التوفيق لي ولإخواني المؤمنين .

      رضا الموسوي الخلخالي     

النجف الأشرف        

الأحد 30 / محرّم / 1404 هـ

ــ[1]ــ
 

كتاب الحجّ
 

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ
 

كتاب الحجّ

 فصل

[  في وجوب الحجّ  ]

    من أركان الدِّين : الحجّ وهو واجب على كل من استجمع الشرائط الآتية من الرِّجال والنِّساء والخناثى ، بالكتاب والسـنّة ، والإجماع من جميع المسـلمين بل بالضرورة (1) .

   ومنكره في سلك الكافرين(2) وتاركه عمداً مستخفّاً به بمنزلتهم

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لا ريب في أن الحجّ من أهم الواجبات الإلهية ، ومن أركان الدِّين ومما بني عليه الإسلام ، وفي روايات كثيرة ذكرها الخاصّة والعامّة : إنّ الإسلام بُني على خمس ومنها الحجّ(1) .

   وصرح الكتاب العزيز بتشريعه ووجوبه فقال تعالى : (وللهِِ على الناسِ حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين)(2) .

   والمستفاد من الأدلّة وجوبه على جميع الناس من الرجال والنساء والخناثى ، من دون اختصاص له بطائفة دون اُخرى .

   (2) قد يستدل على ذلك بأن إنكار الضروري بما هو من موجبات الكفر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 وصحيح البخاري 1 : 10 وصحيح مسلم 1 : 72 كتاب الإيمان ب 5 ح 19 .

(2) آل عمران 3 : 97 .

ــ[4]ــ

   ويردّه: أ نّا قد ذكرنا في بحث النجاسات(1) أنّ الميزان في الكفر والإسلام اُمور ثلاثة: الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة والإعتقاد بالمعاد، فمن اعترف بهذه الاُمور الثلاثة يحكم عليه بالإسلام، ويترتّب عليه آثاره من المواريث ، وحرمة دمه وماله، وحلِّيّة ذبائحه ولزوم تجهيزه من الغسل والكفن والدفن وغير ذلك من الأحكام ومن أنكر أحد هذه الاُمور فهو كافر، وليس إنكار الضروري من جملتها إلاّ إذا رجع إلى تكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فإنكار الضروري بنفسه ومستقلاًّ لا يوجب الكفر ما لم يستلزم تكذيب الرسالة ، كما إذا كان الشخص غير عارف بأحكام الإسلام ولم يكن ملتفتاً إلى أن إنكاره يستلزم إنكار النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأنكر ضرورياً من ضروريات الدِّين ، فإنّ مجرّد ذلك لا يوجب الكفر .

   وقد يستدل على كفر منكر الحجّ بما يستفاد من ذيل آية الحجّ من قوله تعالى: (ومَن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين)(2) بدعوى أنّ من أنكر وجوب الحجّ كان كمن كفر ، فإنّ التعبير عن الترك بالكفر يدلّ على أن منكره كافر(3) .

 وفيه : أن الظاهر من قوله تعالى : (ومن كفر) أنّ من كفر بأسبابه وكان كفره منشأ لترك الحجّ فإن الله غني عن العالمين ، لا أنّ إنكار الحجّ يوجب الكفر ، فإنّ الذي يكفر يترك الحجّ طبعاً لأ نّه لا يعتقد به ، ونظير ذلك قوله تعالى: (ما سَلَكَكُم في سَقر قالوا لَم نَكُ من المصلِّين ولَم نَكُ نطعم المسكين وكُنّا نَخوضُ معَ الخائضين وكُنّا نُكذِّبُ بيومِ الدِّين)(4) فإنّ عدم صلاتهم وعدم إيتائهم الزكاة لأجل كفرهم وتكذيبهم يوم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في شرح العروة 3 : 53 .

(2) آل عمران 3 : 97 .

(3) ولعلّ المراد بالكفر هنا معناه اللغوي وهو عدم التصديق وعدم الإعتراف بالشيء ، فالمعنى أن من لم يعترف بالحجّ ويتركه بالطبع فان الله غني عن العالمين ، لأنّ ترك الحجّ لا يضرّ الله شيئاً كما هو الحال في سائر الواجبات الإلهية والعبادات ، فليس المراد بالكفر المعنى المصطلح المقابل للإيمان بالله تعالى حتى يتوهّم دلالة الآية على كفر منكر الحجّ .

(4) المدثر 74 : 42 ـ 46 .

ــ[5]ــ

القيامة ، ولا تدل الآيات على أنّ ترك الصلاة موجب للكفر ، بل الكفر وتكذيب يوم القيامة منشأ لترك الصلاة وعدم أداء الزكاة ، فلا تدل الآية على أن منكر الحجّ كافر . مضافاً إلى أنه فسّر الكفر بالترك في صحيح معاوية بن عمار «وعن قول الله عزّ وجلّ (ومن كفر) ، يعني من ترك»(1) على أنه يمكن أن يقال : إنّ المراد بالكفر في المقام الكفران المقابل للشكر ، فإن الكفر له إطلاقان :

   أحدهما : الكفر المقابل للإيمان .

   ثانيهما : الكفران مقابل شكر النعمة ، ولا يبعد أن يكون المراد به هنا هو الكفران وترك الشكر بترك طاعته تعالى كما في قوله سبحانه (إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً)(2) يعني إمّا أن يشكر ويهتدي بالسبيل ، ويعمل على طبق وظائفه الشرعية ، وإمّا أن يكفر بالنعمة ولا يهتدي السبيل ولا يعمل على طبق وظائفه ولا يشكر ما أنعم الله عليه .

   وقد يستدلّ على كفر منكر الحجّ بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر في حديث قال «قلت : فمن لم يحج منّا فقد كفر ؟ قال : لا ، ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر»(3) ، بدعوى : أنّ قوله «ليس هذا هكذا» راجع إلى إنكار الحجّ ، يعني مَن أنكر الحجّ وقال بأنّ الحجّ ليس بواجب فقد كفر .

   وفيه : أن الظاهر من ذلك رجوعه إلى إنكار القرآن وأن هذه الآية ليست من القرآن وأن القرآن ليس هكذا ، فإنه (عليه السلام) استشهد أوّلاً بقول الله عزّ وجلّ (وللهِِ على النّاس حجّ البيت) ثمّ سأل السائل فمن لم يحج منّا فقد كفر ، قال (عليه السلام) : «لا ، ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر» فالإنكار راجع إلى إنكار القرآن وتكذيب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :

   وبالجملة : لم يظهر من شيء من الأدلة كفر منكر الحجّ بحيث يترتب عليه أحكام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 31 / أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 2 .

(2) الإنسان 76 : 3 .

(3) الوسائل 11 : 16 /  أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1 ، التهذيب 5 : 16 / 48 .

ــ[6]ــ

وتركه من غير استخفاف من الكبائر(1) ، ولا يجب في أصل الشرع إلاّ مرّة واحدة في تمام العمر(2) وهو المسمّى بحجّة الإسلام أي: الحجّ الذي بُنيَ عليه الاسلام مثل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكافر بمجرّد انكاره من دون أن يستلزم ذلك تكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما إذا لم يكن ملتفتاً إلى هذه الملازمة ، وكان جديد عهد بالإسـلام فأنكر وجوب الحجّ ونحوه .

   (1) لا ريب أنّ الإستخفاف بالأحكام الإلهية مذموم ومبغوض في الشريعة المقدّسة كما ورد الذم في الخبر الوارد في الفأرة التي وقعت في خابية فيها سمن أو زيت فقال (عليه السلام) : لا تأكله ، فقال السائل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها ، فقال له أبو جعفر (عليه السلام) إنك لم تستخف بالفأرة وإنما استخففت بدينك(1) .

   وبالجملة : الاستخفاف بأي حكم إلهي مذموم عند الشرع المقدّس ، ولكنّه لا دليل على أنه موجب للكفر ، وقد عرفت قريباً أن موجبات الكفر إنكار أحد اُمور ثلاثة : الوحدانية ، والرسالة ، والمعاد ، ومجرّد الاستخفاف ما لم يرجع إلى إنكار أحد هذه الاُمور لا يوجب الكفر . نعم ، لا إشكال في أن ترك الحجّ عمداً من الكبائر لعدّه منها في جملة من النصوص(2) . ولا يبعد أن يكون الاستخفاف به من الكبائر ، فإنه نظير الاستخفاف بالصّلاة كما في قوله تعالى (فويلٌ للمصلِّين الّذين هم عن صلاتهم ساهون)(3) بناء على أنّ المراد بالسهو عن الصلاة الاستخفاف بها ، والحجّ نظير الصلاة لأنه ممّا بني عليه الإسلام .

   (2) ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الإجماع والتسالم بين المسلمين ، السيرة القطعية المستمرّة، ولم ينقل الخلاف من أحد عدا الصدوق في العلل، فإنه بعدما نقل خبر محمّد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 206 / أبواب الماء المضاف ب 5 ح 2 .

(2) الوسائل 15 : 318 / أبواب جهاد النفس ب 46 .

(3) الماعون 107 : 4 ، 5 .

ــ[7]ــ

الصّلاة والصّوم والخُمس والزّكاة . وما نُقل عن الصدوق في العلل من وجوبه على أهل الجِدَة كل عام على فرض ثبوته شاذ مخالف للإجماع والأخبار ، ولا بدّ من حمله على بعض المحامل ، كالأخبار الواردة بهذا المضمون ، من إرادة الاستحباب المؤكد ، أو الوجوب على البدل بمعنى أنه يجب عليه في عامه وإذا تركه ففي العام الثاني وهكذا . ويمكن حملها على الوجوب الكفائي فإنه لا يبعد وجوب الحجّ كفاية على كل أحد في كل عام إذا كان متمكناً بحيث لا تبقى مكّة خالية من الحجاج لجملة من الأخبار الدالّة على أنه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحجّ ، والأخبار الدالّة على أنّ على الإمام ـ كما في بعضها ـ وعلى الوالي ـ  كما في آخر  ـ أن يجبر الناس على الحجّ والمقام في مكّة وزيارة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمقام عنده وأنه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن سنان الدال على وجوب الحجّ مرّة واحدة قال : جاء هذا الحديث هكذا ، والذي أعتمده وأفتي به أنّ الحجّ على أهل الجدة في كل عام فريضة (1) . وما ذكره (قدس سره) شاذ مخالف لما تقدّم من الإجماع والسيرة بل الضرورة . على أنه لو كان واجباً بأكثر من مرّة واحدة في العمر لظهر وبان ، وكيف يخفى وجوبه على المسلمين مع أنه من أركان الدّين ، وممّا بني عليه الإسلام .

   وتدل على عدم وجوبه بأكثر من مرّة واحدة عدة من الروايات فيها الصحيحة وغيرها ، منها : صحيحة البرقي في حديث «وكلفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك»(2) .

   ومنها : رواية الفضل بن شاذان «إنما اُمِروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك ، لأنّ الله وضع الفرائض ، الخ» (3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 20 / أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 3 ، علل الشرائع 2 : 405 ب 141 .

(2) الوسائل 11 : 19 / أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 1 .

(3) الوسائل 11 : 19 / أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 2 .

ــ[8]ــ

   وبازائهـا روايات اُخر تدل على وجوب الحجّ أكثر من مرّة بل كل عام على المستطيع ، منها : ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «انّ الله عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كل عام ، وذلك قول الله عزّ وجلّ ولله على الناس حجّ البيت» (1) .

   وقد حملها الشيخ على الاستحباب جمعاً بينها وبين ما تقدّم من الروايات الدالة على الوجوب مرّة واحدة في تمام العمر(2) .

   ولا يخفى بُعده ، لأنه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) «فرض الله الحجّ على أهل الجدة» أو صريحه ، خصوصاً بعد استشهاده (عليه السلام) بالآية الكريمة . وقد جوّز (قدس سره) حملها على إرادة الوجوب على البدل ، بمعنى أنه يجب عليه الحجّ في السنة الاُولى ، وإذا تركه يجب عليه في الثانية وهكذا . وهذا بعيد أيضاً ، فإن الوجوب البدلي بهذا المعنى من طبع كل واجب ، فإن الواجب يجب الاتيان به متى أمكن ، ويجب تفريغ الذمة عنه ، ولا يسقط الواجب بالعصيان .

   وقد حملها صاحب الوسائل على الوجوب الكفائي ، بمعنى أنه يجب الحجّ كفاية على كل أحد في كل عام ، ويشهد له ما دلّ من الاخبار على عدم جواز تعطيل الكعبة عن الحجّ (3) .

   وفيه : أن ظاهر الروايات وجوبه على كل أحد لا على طائفة دون طائفة اُخرى كما يقتضيه الواجب الكفائي ، على أنه يتوقف الالتزام بالوجوب الكفائي على تعطيل الكعبة ، وأمّا لو فرضنا عدم تعطيلها ولا أقل من أداء أهل مكّة الحجّ فلا موجب حينئذ للوجوب الكفائي .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 16 / أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1 .

(2) الاستبصار 2 : 149 .

(3) الوسائل 11 : 20 / أبواب وجوب الحجّ ب 4 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net