فوريّة وجوب الحجّ - التخيير في اختيار الرّفقة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1645


ــ[9]ــ

   [ 2980 ] مسألة 1 : لا خلاف في أن وجوب الحجّ بعد تحقق الشرائط فوري (1) بمعنى أنه يجب المبادرة إليه في العام الأوّل من الاستطاعة ، فلا يجوز تأخيره عنه ، وإن تركه فيه ففي العام الثاني ، وهكذا . ويدل عليه جملة من الأخبار .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والأولى في توجيه هذه الروايات أن يقال : إنها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الإتيان بالحج في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي، فإن العرب كانت لا تحج في بعض الاعوام ، وكانوا يعدون الأشهر بالحساب الشمسي، ومنه قوله تعالى : (إنّما النسيء زيادة في الكفر)(1) ، وربّما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم بأن الحجّ يجب في كل عام وأنه لا تخلو كل سنة عن الحجّ .

   وبالجملة : كانوا يؤخِّرون الأشهر عمّا رتبها الله تعالى ، فربّما لا يحجون في سنة وقد أوجب الله تعالى الحجّ لكل أحد من أهل الجدة والثروة في كل عام قمري ، ولا يجوز تغييره وتأخيره عن شهر ذي الحجة . فالمنظور في الروايات أن كل سنة قمرية لها حجّ ولا يجوز خلوها عن الحجّ ، لا أنه يجب الحجّ على كل أحد في كل سنة ، ولعل هذا الوجه الذي ذكرناه أحسن من المحامل المتقدمة ، ولم أر من تعرّض إليه .

   (1) لأنّ المكلف إذا  كان واجداً للشرائط وتنجز التكليف عليه فلا بدّ له من تفريغ ذمّته فوراً ولا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت ، فلا بدّ له من تفريغ الذمّة . وأما جواز التأخير في بعض المؤقتات كتأخير الصلاة عن أوّل وقتها أو تأخير القضاء وعدم وجوب المبادرة إليها ، فانما هو لأجل حصول الإطمئنان والوثوق غالباً ببقائه والتمكّن من إتيان الواجب في آخر الوقت ، حيث إن الوقت قصير يحصل الوثوق والاطمئنان غالباً للمكلّفين ببقائهم ، بخلاف زمان الحجّ ، فإن الفصل طويل جداً ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 37 .

ــ[10]ــ

ولو خالف وأخّر ـ مع وجود الشرائط ـ بلا عذر يكون عاصياً (1) بل لا يبعد كونه كبيرة كما صرح به جماعة ، ويمكن استفادته من جملة من الأخبار (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكيف يحصل الوثوق بالبقاء مع هذه الحوادث والعوارض والطوارئ ، ولذا نلتزم بالفورية في الصلاة أيضاً فيما لو لم يطمئن بالتمكن من الإتيان بها في آخر الوقت أو في أثنائه ، ويجب عليه المبادرة إليها في أوّل الوقت .

   وبالجملة : يكفينا حكم العقل بوجوب المبادرة ، وبعدم جواز تأخيره عن عام الاستطاعة .

   هذا، مضافاً إلى دلالة النصوص على الفورية ولزوم المبادرة. منها: معتبرة أبي بصير قال: «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : من مات وهو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممن قال الله عزّ وجلّ : ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال قلت : سبحان الله أعمى ؟ قال : نعم ، إن الله عزّ وجلّ أعماه عن طريق الحق» (1) ، وهي واضحة الدلالة على وجوب المبادرة وعدم جواز التأخير ، ولو كان التأخير جائزاً لم يكن وجه لعذابه وعقابه .

   ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قال الله تعالى : (ولله على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: هذه لمن كان عنده مال وصحّة، وإن كان سوّفه فلا يسعه، وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحج به»(2)، وغيرهما من سائر الروايات الدالّة على الفورية .

   (1) لأ نّه ترك ما وجب عليه من وجوب المبادرة .

   (2) ولكن المستفاد من النصوص أن ترك الحجّ برأسه من الكبائر ومن الموبقات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 27 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7 .

(2) الوسائل 11 : 25 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 1 .

ــ[11]ــ

   [ 2981 ] مسألة 2 : لو توقف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر وتهيئة أسبابه ، وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحجّ في تلك السنة(1) . ولو تعدّدت الرفقة وتمكن من المسير مع كل منهم ، اختار((1)) أوثقهم سلامة وإدراكاً (2) ، ولو وجدت واحدة ولم يعلم حصول اُخرى ، أو لم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحج بالتأخير ، فهل يجب الخروج مع الاُولى أو يجوز التأخير إلى الاُخرى بمجرّد احتمال الادراك ، أو لا يجوز إلاّ مع الوثوق ؟

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكبيرة ، وأمّا التسويف وترك المبادرة فقط من دون الترك برأسه فهو معصية ، لأنه ترك ما وجب عليه من الفورية ، وأما كونه كبيرة فلم يثبت . نعم عُدَّ في خبر الفضل ابن شاذان(2) من جملة الكبائر الإستخفاف بالحج ، فإن أريد به الاستخفاف بأصل الحكم الإلهي في الشريعة المقدسة فهو وإن كان مذموماً ومبغوضاً في الشرع لكنّه أجنبي عن الإستدلال به في المقام ، إذ لا دلالة فيه على أن التأخير من الكبائر ، ولو اُريد به الاستخفاف العملي لأن تركه وعدم الاتيان به في العام الأوّل وتأخيره عنه نوع من الاستخفاف بالحج ، فالدلالة تامة ، ولكن الرواية ضعيفة السند لا يمكن الإعتماد عليها .

   (1) وجوباً عقلياً كسائر الواجبات المتوقفة على أسباب ومقدمات ، فإن العقل يحكم بإتيانها للحصول على الواجب ، والخروج عن عهدته .

   (2) إذا تعدّدت الرفقة وكانوا موافقين في الخروج زماناً ، وتمكن من المسير مع كل منهم اختار بحكم العقل من يثق بوصوله وإدراكه للحج معه ، وليس له اختيار من لا يثق بوصوله وإدراكه للحج . وإذا اختلفت الرفقة في الوثوق لا يجب عليه اختيار الأوثق سلامة وادراكاً ، لأنّ الميزان هو الوثوق والاطمئنان بالوصول والإدراك ، ولا يحكم العقل بأزيد من ذلك . نعم ، الإنسان بحسب جبلّته وطبعه يختار الأوثق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يجب ذلك .

(2) الوسائل 15 : 329 / أبواب جهاد النفس ب 46 ح 33 .

ــ[12]ــ

أقوال . أقواها الأخير (1) .

وعلى أي تقدير إذا لم يخرج مع الاُولى ، واتفق عدم التمكّن من المسير ، أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير ، استقر عليه الحجّ ((1)) وإن لم يكن آثماً بالتأخير ، لأ نّه كان متمكناً من الخروج مع الاُولى ، إلاّ إذا تبين عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والأكثر اطمئناناً ، خصوصاً في الاُمور الخطيرة .

   وبالجملة : لا دليل شرعاً على لزوم الأخذ بالأوثق سلامة ، بل له أن يختار من يثق به ولو كان دون الأوّل في الوثوق .

   (1) لو تعددت الرفقة واختلف زمان الخروج بالتقدم والتأخر ، أو وجدت واحدة ولم يعلم حصول اُخرى ، أو لم يعلم التمكن من المسير والادراك للحج مع الثانية ، فهل يجب الخروج مع الاُولى مطلقاً ، أو يجوز التأخير إلى الاُخرى بمجرد احتمال الادراك أو لا يجوز إلاّ مع الوثوق ؟ أقوال :

   فعن الشهيد الثاني في الروضة وجوب الخروج مع الرفقة الاُولى مطلقاً ولو كانت الرفقة الثانية أوثق ادراكاً ، لأن التأخير تفريط في أداء الواجب فيجب الخروج مع الرفقة الاُولى (2) .

   وعن السيّد في المدارك جواز التأخير إلى الاُخرى بمجرد احتمال الإدراك ولو لم يثق به ، لعدم ما يدلّ على فورية المسير مع الاُولى (3) .

   وعن الشهيد في الدروس أنه لا يجوز التأخير إلاّ مع الوثوق ، فإذا وثق بالإدراك بالمسير مع اللاّحق يجوز له التأخير وإلاّ فلا (4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا موجب للاستقرار مع جواز التأخير .

(2) الروضة البهية 2 : 161 .

(3) المدارك 7 : 18 .

(4) الدروس 1 : 314 .

ــ[13]ــ

   وهذا هو الصحيح ، لأن احتمال وجوب المبادرة مع الرفقة الاُولى حتى مع حصول الوثوق بالمسير مع القافلة الثانية وإدراك الحجّ معهم يحتاج إلى دليل ، ولا يعد التأخير إلى الثانية مع حصول الوثوق بها تفريطاً في أداء الواجب ، كما أن جواز التأخير إلى القافلة الثانية مع احتمال التفويت وعدم حصول الوثوق لا دليل عليه ، فإنه بعد ما كان التكليف منجزاً عليه وعنده زاد وراحلة ورفقة ، واحتمل التفويت في التأخير لا يجوز له التأخير ، فالميزان هو الوثوق بالوصول والادراك ، فإن حصل الوثوق باللاّحق يجوز له التأخير ، وإلاّ وجب عليه الخروج مع السابق .

   وهل يكفي الظن بالوصول في جواز التأخير إلى القافلة اللاحقة ؟ الظاهر لا ، لأن الظن لعدم حجيته ليس بمعذر ، وإذا تنجّز عليه الواجب يجب عليه الخروج عن عهدته ، فلا بدّ أن يسلك طريقاً يطمئن ويثق معه بإدراكه الواجب ، ومجرد الظن بالادراك لا يجوّز له التأخير إلى القافلة اللاّحقة ، هذا كله في الحكم التكليفي من حيث الجواز والوجوب بالنسبة إلى الخروج مع الرفقة .

   وأمّا بالنسبة إلى الحكم الوضعي واستقرار الحجّ فقد ذكر المصنف (قدس سره) أنه لو لم يخرج مع الاُولى سواء كان الخروج معها واجباً أو جائزاً ثمّ اتفق عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير ، استقر عليه الحجّ ، لأنه كان متمكناً من المسير والخروج مع الاُولى ولم يخرج ، وموضوع استقرار الحجّ هو التمكّن من السير مع القافلة ، فإذا فاته وجب عليه الحجّ في العام القابل .

   أقول : إذا كان موضوع الاستقرار هو التمكن من الحجّ ، فلازم ذلك أنه لو سافر مع القافلة الاُولى وجوباً أو جوازاً ، واتفق عدم الادراك لأسباب طارئة في الطريق استقر الحجّ عليه ، ولا يلتزم بذلك أحد حتى المصنف (قدس سره) ، لأنه قد عمل بوظيفته الشرعية ولم يهمل ، وإنما فاته الحجّ لسبب آخر حادث فلا يستقر عليه الحجّ .

   نعم ، لو وجب عليه الحجّ وتنجز التكليف ، وأهمل حتى فاته الحجّ ، وجب عليه

ــ[14]ــ

الحجّ في القابل ، لأنّ الاهمال والتفويت العمدي يوجبان الاستقرار . وقد أخذ المحقق (قدس سره) عنوان الاهمال موضوعاً للاستقرار(1) . فمطلق الترك وعدم الادراك لا عن اختيار لا يوجبان الاستقرار ، والمفروض أنه لا إهمال في المقام ، لأنّ المفروض أنه عمل بوظيفته ، وخرج مع الاُولى وجوباً أو جوازاً . وكذا لو قلنا بجواز التأخير وخرج مع الثانية ولم يدرك اتفاقاً ، فإنه لا يصدق الاهمال والتفويت على من عمل بوظيفته .

   ويترتب على ذلك أنه لو بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحجّ ، ولو زالت في أثناء السنة فلا اسـتقرار عليه ، والسر في ذلك : أن استقرار الحجّ لم يثبت بدليل خاص ، وإنما استفيد من جملة من النصوص المتفرقة .

   وقد استدل صاحب الجواهر (قدس سره) بالروايات الدالة على أن الحجّ يخرج من أصل المال(2)، إلاّ أن هذه الروايات لا تدل على الاستقرار في المقام ، لأن موردها من كان الحجّ واجباً عليه ولم يحج ، ولا يعم من أتى بوظيفته ولم يهمل ولم يدرك الحجّ بغير اختياره ولأمر خارجي وزالت استطاعته بالنسبة إلى السنين اللاّحقة .

   وقد يستدل على استقرار الحجّ بروايات التسويف ، وهي بإطلاقها تدلّ على استقرار الحجّ حتى لو زالت الاستطاعة . وهذه الروايات أيضاً قاصرة الشمول عن المقام ، لأنّ موردها التأخير العمدي والاهمال والتسويف لا عن عذر ، فلا تشمل من سلك طريق العقلاء ولكن من باب الصدفة لم يدرك الحجّ .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرائع  1 : 203 .

(2) الوسائل 11 : 66 / أبواب الحجّ ب 25 ، الجواهر 17 : 298 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net