إشتراط وجوب الحجّ بالحرّيّة - إجزاء حجّ العبد عن حجّة الإسلام إذا أدرك المشعر معتقاً 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1526


ــ[37]ــ

الثاني من الشروط : الحرية ، فلا يجب على المملوك وإن أذن له مولاه وكان مستطيعاً من حيث المال (1) بناء على ما هو الأقوى من القول بملكه أو بذل له مولاه الزاد والراحلة ، نعم لو حجّ بإذن مولاه صحّ بلا إشكال ولكن لا يجزئه عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المأمور به ، كالقصد إلى خصوص صلاة الظهر أو العصر أو القضاء أو الأداء أو النافلة أو الفريضة ، فإن كان المقصود أحدهما وكان الواقع شيئاً آخر ، لا يقع المأتي به عن شيء منهما ، لأن الواقع لم يقصد ، وما هو مقصود لا واقع له ، فإن المأتي به غير مميز ليقع مصداقاً لأحدهما ، فالبطلان لأجل عدم القصد وعدم التمييز ، لا لأجل اعتبار قصد الوجه من الوجوب والندب ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الأغسال(1) ، في مسألة من كان عليه غسل الجنابة فاغتسل غسل المس أو بالعكس .

   وملخّص الكلام : أن الواجب على المكلف قد يكون أمرين ، فلو أتى من دون قصد أحدهما لا يقع شيء منهما ، لعدم التمييز والتعيين ، فمن كان عليه الأداء والقضاء وأتى بأربع ركعات مع قصد القربة ، ولم يقصد الأداء ولا القضاء لا يقع ما أتى به أداءً ولا قضاء . وقد يكون الواجب الفعلي الواقعي عليه أمراً واحداً ، ولكنه في مقام الإمتثال تخيل أنه من هذا القسم ، ثمّ تبين أ نّه من القسم الآخر ، فإن كان من باب الإشتباه في التطبيق ، فهو في الحقيقة قصد الأمر الفعلي المتوجه إليه وقصد ماله واقع ولكن تخيل أن الواقع هو هذا ، ففي الحقيقة قصد عنوان المأمور به بوجه ما ، وقصد امتثال الأمر الفعلي ، ولكنه زعم أنه من القسم الآخر ، وهذا غير ضائر في الحكم بالصحة وحصول الإمتثال .

   (1) لا ريب في اعتبار الحرية في وجوب الحجّ ، ولا يجب على المملوك وإن أذن له مولاه وكان مستطيعاً ، وهذا مما لا خلاف فيه ، وتدلّ عليه طوائف من الروايات :

   الطائفة الاُولى : ما دل على أنه ليس على المملوك حجّ ولا عمرة حتى يعتق كصحيحة الفضل بن يونس (2) .ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المسألة [ 700 ] .

(2) الوسائل 11 : 47 / أبواب وجوب الحجّ ب 15 ح 1 .

ــ[38]ــ

حجّة الإسلام فلو اُعتق بعد ذلك أعاد للنصوص ، منها: خبر مسمع : «لو أن عبداً حجّ عشر حجج ثمّ اُعتق كانت عليه حجّة الإسلام إذا  استطاع إلى ذلك سبيلاً»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الثانية : ما دل على أن المملوك إذا حجّ ثمّ اُعتق عليه إعادة الحجّ ، كصحيحة علي ابن جعفر (1) .

   الثالثة : ما دل على أنه إن اُعتق قبل أحد الموقفين أجزأ عن حجّة الإسلام ، فإن مفهومه يدل على أنه لو لم يعتق لم يجز ، كصحيحة شهاب ، وصحيحة معاوية بن عمار (2) .

   نعم ، في رواية واحدة اُطلق حجّة الإسلام على حجّ العبد ، وأن حجّه يجزئ عن حجّة الإسلام ، وهي صحيحة أبان عن حكم بن حكيم الصيرفي قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : أيما عبد حجّ به مواليه فقد قضى حجّة الإسلام» (3) ، إلاّ أنه لا بدّ من طرحها لشذوذها ومخالفتها للروايات المشهورة الكثيرة ، أو حملها على حجّة الإسلام بالنسبة إلى العبد ، فإن كل طائفة لها حجّة الإسلام ، كما تقدم نظير ذلك في حجّ الصبي ، وذلك لا يدل على سقوط حجّة الإسلام عنه إذا اُعتق وصار حرّاً ويدلّ على ما ذكرنا روايته الثانية «والعبد إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يعتق» (4) ، فإنها تدل على وجوب حجّة الإسلام عليه إذا اُعتق ، مع إن حجّة الإسلام اُطلقت على حجّه حال عبوديته .

 ثمّ إنّ رواية أبان الاُولى رواها في التهذيب عن السندي بن محمّد عن أبان عن حكم بن حكيم الصيرفي(5) ، وتبعه في الوسائل والوافي(6) ، ولكن في الإستبصار(7)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 49 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 3 .

(2) الوسائل 11 : 52 / أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 1 ، 2 .

(3) الوسائل 11 : 50 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 7 .

(4) الوسائل 11 : 49 / أبواب وجوب الحجّ به 16 ح 2 .

(5) التهذيب 5 : 5 / 11 .

(6) الوافي 12 : 289 /  باب حج المملوك والصبي ومن لا يعقل ح 16 .

(7) الاستبصار 2 : 147 / 5 .

ــ[39]ــ

ومنها : «المملوك إذا حجّ ـ وهو مملوك ـ أجزأه إذا مات قبل أن يعتق ، فإن اُعتق أعاد الحجّ» . وما في خبر حكم بن حكيم «أيما عبد حجّ به مواليه فقد أدرك حجّة الإسلام» محمول على إدراك ثواب الحجّ أو على أنه يجزئه عنها ما دام مملوكاً لخبر أبان : «العبد إذا حجّ فقد قضى حجّة الإسلام حتى يعتق» فلا إشكال في المسألة نعم ، لو حجّ بإذن مولاه ثمّ انعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجّة الإسلام . بالإجماع ، والنصوص (1) .

   ويبقى الكلام في اُمور : أحدها : هل يشترط في الإجزاء تجديد النيّة للإحرام بحجّة الإسلام بعد الإنعتاق فهو من باب القلب ، أو لا بل هو انقلاب شرعي ؟ قولان ، مقتضى إطلاق النصوص الثاني وهو الأقوى ، فلو فرض أنه لم يعلم بانعتاقه حتى فرغ أو علم ولم يعلم الإجزاء حتى يجدد النيّة كفاه وأجزأه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رواها عن السندي عن أبان بن محمّد عن الحكم ، والظاهر أن أبان بن محمّد لا وجود له أصلاً بل الصحيح ما في التهذيب والوسائل والوافي ، فما في الاستبصار غلط جزماً .

   وأمّا الرواية الثانية فقد رواها في الوسائل عن أبان بن الحكم ، والصحيح عن أبان عن الحكم ، فإنّ أبان بن الحكم لا وجود له في الأخبار وكتب الرّجال ، وأبان هو ابن عثمان ، والحكم هو الصيرفي الثقة .

   (1) هذا ممّا لا ريب ولا خلاف فيه للنصوص(1) ، وإنما يقع البحث في جهات تعرّض إليها في المتن :

   الجهة الاُولى : بعد الفراغ عن إجزاء حجّه عن حجّة الاسلام إذا أدرك المشعر معتقاً هل يشترط في الإجزاء تجديد النيّة ، وقلبها إلى حجّة الإسـلام أو لا ، بل هو انقلاب شرعي قهري ؟ الظاهر هو الثاني ، لإطلاق النصوص الدالة على الإجزاء ، فإنّ هذه النصوص في الحقيقة تخصيص لما دل على اعتبار الحرية ، ومقتضاه اعتبار الحرية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 52 /  أبواب وجوب الحجّ ب 17 .

ــ[40]ــ

   الثاني : هل يشترط في الإجزاء كونه مستطيعاً حين الدخول في الإحرام أو يكفي استطاعته من حين الانعتاق أو لا يشترط ذلك أصلاً ؟ أقوال أقواها الأخير ((1)) لإطلاق النصوص وانصراف ما دل على اعتبار الاستطاعة عن المقام .

   الثالث : هل الشرط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر ـ  سواء أدرك الوقوف بعرفات أيضاً أو لا  ـ  أو يكفي إدراك أحد الموقفين فلو لم يدرك المشعر لكن أدرك الوقوف بعرفات معتقاً كفى ؟ قولان ، الاحوط الأوّل ((2)) ، كما أن الأحوط اعتبار إدراك الاختياري من المشعر ، فلا يكفي إدراك الإضطراري منه ، بل الأحوط اعتبار إدراك كلا الموقفين وإن كان يكفي الإنعتاق قبل المشعر لكن إذا كان مسبوقاً بإدراك عرفات أيضاً ولو مملوكاً .

   الرابع : هل الحكم مختص بحج الإفراد والقران أو يجري في حجّ التمتّع أيضاً وإن كانت عمرته بتمامها حال المملوكية ؟ الظاهر الثاني لإطلاق النصوص ، خلافاً لبعضهم فقال بالأوّل لأن إدراك المشعر معتقاً إنما ينفع للحج لا للعمرة الواقعة حال المملوكية ، وفيه ما مر من الإطلاق ، ولا يقدح ما ذكره ذلك البعض لأنهما عمل واحد ، هذا إذا لم ينعتق إلاّ في الحجّ ، وأمّا إذا انعتق في عمرة التمتع وأدرك بعضها معتقاً فلا يرد الاشكال ((3)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بهذا المقدار ، وعدم اعتبارها في جميع أفعال الحجّ وأعماله ، قلب النيّة أم لم يقلبها ، بل التعبير بالإنقلاب مسامحي .

   والحاصل : مقتضى هذه النصوص أن الحرية من المشعر وما بعده كاف في حجّة الإسلام ، ولا تضر الرقيّة في إتيان الأعمال السابقة على المشعر ، بل مقتضى الإطلاق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأقوى أوسطها .

(2) والأظهر الثاني .

(3) لم يظهر وجهه .

 
 

ــ[41]ــ

أنه لو كان جاهلاً بالموضوع ولم يعلم بانعتاقه ، أو كان جاهلاً بالحكم ، كما إذا علم بالانعتاق ولم يعلم الحكم بالإجزاء حتى يجدد النيّة ، هو الإكتفاء وإجزاؤه عن حجّة الإسلام ، فما نسب إلى جماعة من وجوب تجديد النيّة لا وجه له .

   الجهة الثانية : هل يعتبر في الإجزاء كونه مستطيعاً من أوّل الأمر حين دخوله في الإحرام ، أو تكفي استطاعته من حين الإنعتاق ، أو لا يعتبر ذلك أصلاً ، لا من الأوّل ولا بعد العتق ؟ أقوال ثلاثة ، قوى الأخير في المتن ، بدعوى إطلاق نصوص المقام وانصراف ما دل على اعتبار الإستطاعة عنه .

   وفيه : أن هذه الروايات غير ناظرة إلى هذه الجهة ، وإنما هي ناظرة إلى الحرية والعبودية ، وأن الحرية تكفي بهذا المقدار ، فهي تخصيص في اعتبار الحرية ، وإلغاء لشرطية الحرية في تمام الأعمال ، وأما بالنسبة إلى اعتبار بقية الشرائط بعد الإنعتاق فالنصوص غير ناظرة إليه ، ولا إطلاق لها من هذه الجهة ، ولذا لو جُن بعد الإنعتاق لا يمكن القول بالصحة لأجل إطلاق النصوص ، وهذا شاهد قوي على أن الروايات ناظرة إلى خصوص الحرية والعبودية ، وغير ناظرة إلى سائر الشرائط .

   فالأقوى هو القول الوسط ، وهو اعتبار الإستطاعة من حين الإنعتاق ، لما عرفت من أن الروايات غير ناظرة إلى إلغاء جميع الشرائط ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة الأوّلية المقتضية لاعتبار الإستطاعة ، ولو سُلّم انصرافها عن المقام ، فهو بدوي لا عبرة به .

   وبالجملة : مقتضى إطلاق نصوص المقام أن حجّه إلى زمان العتق محكوم بالصحة ، وأما بعد العتق يرجع إلى الأدلّة الأوّلية المقتضية لاعتبار الإستطاعة ، فإلغاء شرطية الإستطاعة بالمرة لا دليل عليه ، كما أن الالتزام باعتبار الإستطاعة من أوّل الأمر لا شاهد عليه ، فإن هذه النصوص دلت على أن العبودية السابقة وإن كانت مع التسكع غير قادحة في صحّة الحجّ .

   الجهة الثالثة: هل يشترط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر، سواء كان قد أدرك الوقوف بعرفات أو لا ، أو يكفي إدراك أحد الموقفين ؟ إن نصوص المقام إنما تدل على

ــ[42]ــ

   [ 2991 ] مسألة 1 : إذا أذن المولى لمملوكه في الإحرام فتلبس به ليس له أن يرجع ((1)) في إذنه لوجوب الإتمام على المملوك ولا طاعة لمخلوق في معصية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاكتفاء بحصول الحرية في أحد الموقفين ، فإن قلنا بالاجتزاء بالوقوف بعرفة فقط قلنا به في العبد المعتق أيضاً ، وإن قلنا بلزوم انضمام الوقوف بالمشعر في الاجتزاء نلتزم بذلك في العبد أيضاً .

   وبعبارة اُخرى : ليس الحكم بالنسبة إلى العبد حكماً جديداً ، بل حاله من هذه الجهة حال غيره ، ولذا لو فرض إدراك الوقوف الاختياري في عرفات فقط معتقاً من دون المشعر أصلاً ، فالأظهر بطلان حجّة كما في غيره ، فإن هذه الروايات تتكفل بإلغاء اعتبار الحرية بهذا المقدار ، ولا تتكفل بإثبات الصحة لو اقتصر على الوقوف بعرفة ، بل لا بدّ في الإجتزاء بذلك من الرجوع إلى غير ذلك من الأدلّة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى عدم الاكتفاء بالوقوف بعرفة فقط .

   الجهة الرابعة : هل الحكم بالإجزاء فيما إذا انعتق قبل أحد الموقفين مختص بحج الإفراد والقران ، أو يعم حجّ التمتع أيضاً ؟ . مقتضى إطلاق النصوص هو الثاني لشموله لجميع أقسام الحجّ ، ولا مقتضي للتقييد بحج الإفراد والقران .

   وأمّا ما ذكره (قدس سره) من أنه إذا انعتق في عمرة التمتع وأدرك بعضها معتقاً فلا إشكال ، فلم يظهر وجهه ، لأن حال ذلك حال ما لو اُعتق بعد العمرة ، فإن المستفاد من إطلاق النصوص عدم الفرق بين حصول الحرية قبل الشروع في أعمال الحجّ وحصولها في أثناء العمرة ، وبين حصول الحرية بعد العمرة وقبل الموقف بمدّة يسيرة مثلاً ، فإن الميزان في الاجتزاء كونه حرّاً في أحد الموقفين ، سواء حصلت الحرية في أثناء العمرة أم بعدها قبل أحد الموقفين ، ولو نوقش في الإطلاق وادُعي اختصاصها بحج الإفراد و القران ، فلا أثر للانعتاق أثناء العمرة والحكم فيه هو الحكم في الانعتاق أثناء الحجّ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط ، ولا يبعد جواز الرجوع ، وبه يظهر الحال في المسألة الآتية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net