صور رجوع المولى عن إذنه في حجّ العبد - تخيير المولى بين الذبح عن العبد وبين أمره بالصوم 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1692


ــ[43]ــ

الخالق ، نعم لو أذن له ثمّ رجع قبل تلبسه به لم يجز له أن يحرم إذا علم برجوعه ، وإذا لم يعلم برجوعه فتلبس به هل يصح إحرامه ويجب إتمامه أو يصح ويكون للمولى حله أو يبطل ؟ وجوه ، أوجهها الأخير لأنّ الصحّة مشروطة بالإذن المفروض سقوطه بالرجوع ، ودعوى أنه دخل دخولاً مشروعاً فوجب إتمامه فيكون رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف ولم يعلم الوكيل ، مدفوعة بأنه لا تكفي المشروعية الظاهرية ، وقد ثبت الحكم في الوكيل بالدليل ولا يجوز القياس عليه(1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) رجوع المولى عن إذنه بالإحرام يتصوّر على صور :

   الاُولى: ما إذا رجع المولى عن إذنه بعد تلبس العبد بالإحرام، فقد ذكر في المتن أنه ليس له أن يرجع في إذنه، ولا أثر لرجوعه، لوجوب الإتمام على العبد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق(1).

   والظاهر أنه لم يظهر منهم خلاف في المسألة ، وتتفرع على ذلك المسألة الآتية من أنه لو باع العبد المأذون في الإحرام بعد تلبسه به ، ليس للمشتري ـ  المولى الثاني  ـ منعه عن الإتمام ، لأن منعه عن الواجب يستلزم معصية الخالق ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فلا أثر لمنعه ، وكذا لو انتقل إلى الوارث ليس له منعه بعد وجوب الإتمام عليه . وبعبارة اُخرى: ليس للمالك منعه عن الإتمام سواء كان هو المولى الأوّل أو الوارث ، أو المشتري ـ  المالك الثاني  ـ  ، ولا يترتّب أثر على منعه في إتيان الواجب لعدم طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

   هذا ، وفيما ذكروه مجال واسع للإشكال عليه ، لأن إتمام الحجّ مشروط ببقاء الشرائط ، وإذا فقد الشرط لا يمكن التمسك بوجوب الإتمام ، لأن الإتمام إنما يجب فيما إذا كان سائغاً ومشروعاً في نفسه ، والمفروض أن الإتمام غير مقدور له شرعاً ، لأنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 157 / أبواب وجوب الحجّ ب 59 ح 7 وغيره ، 16 : 152 / أبواب الأمر والنهي ب 11 ، 15 : 172 / أبواب جهاد النفس ب 3 ح 1 .

ــ[44]ــ

مملوك ، وجميع تصرفاته متوقف على إذن المولى ، وهو لا يقدر على شيء ، فكيف يقال بأنّ الإتمام واجب عليه .

   وبعبارة اُخرى : هذه الكبرى ـ وهي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ـ وإن كانت مسلمة ، ولكنها تنطبق فيما إذا كانت المعصية مفروضة ومحرزة ، كمورد الزنا والكذب ونحوهما من المعاصي ، والكلام في المقام في كونه معصية للخالق أم لا فالصغرى غير محرزة ، ومعه لا يمكن تطبيق الكبرى ، توضيح ذلك : أنه يقع الكلام تارة من حيث الكبرى ، وبالنظر إلى ما يستفاد من هذه الجملة مع قطع النظر عن الحجّ ، واُخرى من حيث الصغرى ، وبالنظر إلى حجّ العبد .

   أمّا الاُولى : فهي مما لا إشكال فيه ولا ريب ، فإن معصية الخالق لا يزاحمها طاعة المخلوق بحكم العقل الضروري ، فإن العقل يحكم بوجوب طاعة المولى مطلقاً ، سواء في ذلك ما إذا كان في ترك الطاعة طاعة المخلوق وما إذا لم تكن ، وعليه فما ورد في بعض الروايات من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق يكون إرشاداً إلى حكم العقل لا بياناً لحكم شرعي تعبّدي ، هذا ، وإن ما وردت هذه الجملة فيه من الروايات ضعيفة السند ، فالعمدة هو حكم العقل بذلك ، وكيف كان ، فكل مورد ممّا يجب فيه طاعة أحد المخلوقين أو استحبت ، كطاعة الولد لوالده ، والعبد لسيده ، والزوجة لزوجها ، يخصص بما إذا لم يكن معصية للخالق ، فكل مورد كان معصية لله تعالى ولو بإطلاق دليله ، يسقط وجوب طاعة المخلوق أو حسنها .

   وبعبارة اُخرى : وجوب طاعة المخلوق أو حسنها إنما يختص بالموارد الجائزة ، وأما إذا كان المورد حراماً في نفسه فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، كموارد الزنا والكذب وشرب الخمر وترك الواجب ونحو ذلك ، فلو أمر المولى عبده بالكذب وشرب الخمر أو ترك واجب لا ينفذ أمره ، لعدم طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

   وأما فيما إذا لم يكن العمل معصية للخالق حين كونه طاعة للمخلوق ، فلا تنطبق عليه الكبرى المذكورة ، ومن هنا لو فرضنا أن أحداً أباح لشخص ركوب دابته في سفره إلى الحجّ ، فركبها المباح له قاصداً للحج وأحرم له ، ثمّ رجع المبيح عن إباحته

ــ[45]ــ

وطلب الدابة وجب على المباح له ردها ، وليس له الامتناع بدعوى أن إتمام الحجّ واجب ، فإن الفعل في نفسه محرم وغير مشروع ، فهو معذور عن الإتمام ، ونحوه ما لو أعاره الثوب للصلاة ، ورجع المالك في أثناء الصلاة ، فإنه ليس له الامتناع من الرد بدعوى حرمة قطع الصلاة ، بل ينكشف برجوع المعير بطلان الصلاة ، لعدم قدرته على الإتمام ، هذا كلّه من حيث الكبرى .

   وأمّا من حيث الصغرى وبالنظر إلى حجّ العبد ، فلا إشكال أن هذا النحو من التصرف مناف لحق المولى . نعم ، بعض الأفعال الصادرة منه لا ينافي حق المولى كتكلّمه وتفكره وأمثال ذلك ، وأما السفر وإتيان أعمال الحجّ فلا إشكال في منافاتها لحق المالك ، فحاله من هذه الجهة حال الدابة إذا طلبها المالك المعير ، فالعمل في نفسه غير مشروع والإتمام غير واجب .

   ومع الغض عن جميع ذلك ، فقد ورد في جملة من الروايات أنه لا حجّ ولا عمرة على المملوك ، وأن الحجّ لا يصلح منه أصلاً  (1) ، فحاله من هذه الجهة حال الحيوانات وإنما خرجنا عن مورد هذه الروايات في مورد الإذن واستمراره إلى نهاية الأعمال وأما إذا رجع المولى عن الإذن في الأثناء فتشمله النصوص الدالة على أنه لا حجّ ولا عمرة على المملوك ، الظاهرة في نفي الحقيقة وأنه ليس عليه حجّ أصلاً .

   ومما ذكرنا يظهر الحال في الفرع الثاني ، وهو ما لو باع العبد المأذون بالحج المتلبّس بالإحرام ، ومنعه المالك الثاني ، فإن حاله حال المالك الأوّل في جواز الرجوع ، فإن تصرفه بدون إذن المالك محرم ، وحجّه مناف لحق المولى ، ومناف لإطلاق قوله تعالى : (لا يقدر على شيء )(2) فلا مجال للتمسك بقوله : «لا طاعة لمخلوق» في الخبر المتقدم وأمّا أدلّة وجوب الإتمام فهي غير ناظرة إلى الشرائط الاُخر ، وإنما تدل على وجوب الإتمام في نفسه ، ولذا لو استلزم الإتمام محرماً آخر ، كالتصرف في ملك أحد من دون رضاه لم يكن لها دلالة على إسقاط هذا الشرط وعدم العبرة به ، ومع الغض عن جميع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 47 / أبواب وجوب الحجّ ب 15 .

(2) النحل 16 : 75 .

ــ[46]ــ

   [ 2992 ] مسألة 2: يجوز للمولى أن يبيع مملوكه المحرم بإذنه وليس للمشتري حل إحرامه(1)، نعم مع جهله بأنه محرم يجوز له الفسخ مع طول الزمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما تقدّم فإن المقام يدخل في باب المزاحمة ، ولا بدّ من مراعات الأهم ، ولا ريب أن حرمة التصرف في سلطان أحد من دون رضاه أهم من وجوب الإتمام ، فجواز الرجوع هو الأظهر ، وإن كان الأحوط عدم جواز الرجوع .

   الصورة الثانية : ما إذا رجع المولى عن إذنه قبل تلبس العبد بالإحرام ، وعلم به العبد ، فلا إشكال في عدم جواز إحرامه وفي فساده لفقد الإذن ، فإنه كما لو تلبس بالإحرام بدون إذن المولى من أوّل الأمر .

   الصورة الثالثة : ما إذا رجع المولى عن إذنه ، ولم يعلم العبد برجوعه فتلبس بالإحرام ثمّ علم ، فهل يصح إحرامه ويجب عليه إتمامه ولا أثر لرجوع المولى ، فحال العبد حينئذ حال الوكيل المعزول في نفوذ تصرفاته إذا علم الوكيل بعزله بعد التصرّف ، أو يصحّ وللمولى حلّه ، أو يبطل ؟ وجوه ، أوجهها الأخير كما في المتن وذلك لأن الحكم الظاهري لا يوجب قلب الحكم الواقعي ، فإن الإحرام في الواقع لم يكن واجداً للشرط وإنما العبد تخيل وجدان الشرائط ، أو أنه شك في رجوع المولى وبنى على عدمه وبقاء الإذن ، ولكن بعد العلم بالرجوع ينكشف عدم الإذن ، فالأمر بالحج حال الإحرام إما أنه كان خيالياً أو ظاهرياً ، ولا يوجب شيء منهما تبدّل الحكم الواقعي ، فالحج الصادر منه حجّ بدون إذن المولى ، وإنما أتى به مبنيّاً على الخيال أو الحكم الظاهري ، وانكشف كونه غير واجد للشرط من الأوّل ، وقياس المقام بباب عزل الوكيل قياس محض ، لأنه في باب الوكالة ثبت الحكم بالدليل ، ولم يثبت هنا ، ويترتب على ذلك أنه لو أذن المالك ثانياً بعد رجوعه عن الإذن الأوّل لا يكفي في الصحّة ، بل لا بدّ من التجديد من الأوّل .

   (1) قد عرفت أن المولى له الرجوع في إذنه ، وليس للعبد أن يتم الحجّ بعد رجوع المولى ، ولو قلنا بأنه ليس للمولى الرجوع فباع العبد المأذون بالإحرام بعد تلبسه به

ــ[47]ــ

الموجب لفوات بعض منافعه .

   [ 2993 ] مسألة 3 : إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه ، وإن لم يتمكن فعليه أن يصوم ، وإن لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم للنصوص والإجماعات (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن كان الزمان قصيراً جداً بحيث لا ينافي القدرة على التسليم ، أو اشترط التسليم بعد مدّة ، فلا كلام في عدم ثبوت الخيار للمشتري ، وأمّا إذا  كان الزمان طويلاً ، أو لم يشترط التأخير وكان المشتري جاهلاً ، يثبت له الخيار ، كما لو باع داراً وانكشف أنها مستأجرة .

   (1) إذا انعتق العبد فالذبح أو الصوم عليه كسائر الأحرار ، وليس على المولى شيء ، وأماإذا لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم ، فيمتاز العبد عن الصبي بأن الصبي إذا حجّ به يذبح عنه تعييناً كما في النص (1) ، وأما العبد فيذبح عنه أو يؤمر بالصوم بدلاً عن الهدي إجماعاً ونصوصاً .

   منها :  صحيحة جميل «عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع ، قال : فمُرْه فليصم ، وإن شئت فاذبح عنه» (2) .

   ومنها :  صحيحة سعد بن أبي خلف «إن شئت فاذبح عنه ، وإن شئت فمُرْه فليصم» (3) .

   وبإزائهما صحيحة ابن مسلم «عن المتمتع المملوك ، فقال : عليه مثل ما على الحر إمّا اُضحية وإمّا صوم» (4) ، وقد حملها الشيخ على من أدرك أحد الموقفين معتقاً ، وهو بعيد جدّاً ، لأنّ مورد السؤال وموضوع الحكم المملوك لا المملوك الذي صار حراً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5 .

(2) الوسائل 14 : 83 / أبواب الذبح / ب 2 ح 1 .

(3) الوسائل 14 : 83 / أبواب الذبح ب 2 ح 2 .

(4) الوسائل 14 : 85 / أبواب الذبح ب 2 ح 5 .

ــ[48]ــ

وجوز حملها على بيان المساواة في الكمية لئلا يظن أن عليه نصف ما على الحر ـ كالظهار ونحوه  ـ فيكون المراد من الرواية أن الاُضحية الثابتة في حجّ المملوك كالاُضحية الثابتة في حجّ الحر ، ولا تعرض لها إلى أن الهدي على نفس المملوك أو على المولى ، فلا منافاة بين هذه الرواية وما تقدم مما دل على ثبوت التخيير للمولى بين أن يذبح عنه ، أو يأمره بالصوم .

   نعم ، هناك روايتان يظهر منهما أن المتعين على المولى الذبح دون التخيير بينه وبين أن يأمره بالصوم .

   إحداهما : رواية أبي حمزة البطائني قال : «سألته عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع إلى أن قال ... فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة»(1) .

   الثانية : رواية الحسن بن عمار  «...واذبحوا عنهم ـ  أي الغلمان  ـ  كما تذبحون عن أنفسكم»(2) .

   والجواب أوّلاً : أنه لا بدّ من رفع اليد عن ظهورهما في التعيين بتلك الروايات الصريحة في التخيير .

   وثانياً : أن المراد بالغلام لم يعلم أنه المملوك ، إذ من المحتمل قريباً أن يراد به الصبي الذي لم يبلغ الحلم(3) .

   وثالثاً : أنهما ضعيفتان سنداً ، الاُولى بعلي بن أبي حمزة الكذاب ، والثانية بالحسن ابن عمار الذي لم يوثق .

   ثمّ لا يخفى أن تقييد الحكم بكون الهدي على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر ، كما في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 14 : 84 / أبواب الذبح ب 2 ح 4 .

(2) الوسائل 14 : 85 / أبواب الذبح ب 2 ح 7 .

(3) الغلام غير موضوع للعبد لغة ، وإنما هو موضوع للصبي المراهق المعبّر عنه في اللغة بالطار الشارب [ لسان العرب 12: 440 ، نعم يصحّ إطلاقه على العبد والأجير والخدم ويقال أمر غِلمانه ، أو جاء مع غلمانه ، واستعماله في هذه الموارد من باب الإطلاق على المورد .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net