عدم وجوب الحجّ على الكسوب الفاقد للزاد فعلاً - إعتبار الإستطاعة من مكانه لا من بلده 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1568


ــ[70]ــ

   [ 3002 ] مسألة 5 : إذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسوباً يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق لأكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه هل يجب عليه أو لا ؟ الأقوى عدمه وإن كان أحوط (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بصير «من عُرض عليه الحجّ ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحجّ» (1) ، ورواها الصدوق عن هشام بن سالم مثله (2) ، فإنّ موردها وإن كان البذل ولكن لا خصوصية له ، والمستفاد من الصحيحة بعد إلغاء خصوصيّة المورد وجوب الحجّ مطلقاً ولو على حمار أجدع ، إلاّ أنها مطلقة من حيث المبذول له ، بمعنى أنّ المستفاد من إطلاق الصحيحة وجوب الحجّ على كل مكلف ولو على حمار أجدع يناسب شأنه أم لا ، فإنّ المكلّفين يختلف شأنهم وحالهم من حيث الشرف والضعة فيقيد إطلاق ذلك بأدلّة نفي الحرج ، فإنها حاكمة على الأدلّة ، فمقتضى الجمع بين الأدلّة وجوب الحجّ ولو على حمار أجدع فيما إذا لم يستلزم الحرج ، ولم يكن منافياً لشأنه ، ولم يستلزم مهانة وذلة .

   (1) ذهب بعضهم إلى أنه لو لم يجد الزاد بالفعل ، ولكن كان كسوباً يتمكّن من الاكتساب في الطريق لكل يوم قدر ما يكفيه ، كالحلاق وجب عليه الحجّ لصدق الاستطاعة .

   ولكن الظاهر عدم الوجوب ، لأن العبرة في التمكّن من الزاد بالوجدان الفعلي والاستطاعة إنما تصدق في صورة التمكّن من الزاد فعلاً أو قيمة ، والتمكّن من الاكتساب في الطريق من قبيل تحصيل الاسـتطاعة ، ويصدق عليه أنه ليس له زاد فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «له زاد وراحلة» أن يكون مستولياً عليهما بالفعل بملك ونحوه ، ولا يصدق الاستيلاء على الزاد بالفعل ، بمجرّد التمكّن من اكتساب الزاد في الطريق .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 42 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 7 .

(2) الفقيه 2 : 259 / 1256 .

ــ[71]ــ

   [ 3003 ] مسألة 6 : إنما يعتبر الإستطاعة من مكانه لا من بلده ، فالعراقي إذا استطاع وهو في الشام وجب عليه وإن لم يكن عنده بقدر الإستطاعة من العراق بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعاً أو لحاجة اُخرى من تجارة أو غيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحج به وجب عليه (1) ، بل لو أحرم متسكعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر أمكن أن يقال ((1)) بالوجـوب عليه ، وإن كان لا يخـلو عن إشكال (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لأنه لم تقيد الاستطاعة أو من له زاد وراحلة في النصوص بحصول ذلك في بلده ، إذ لا خصوصية لبلد دون بلد ، ولا دليل على لزوم حصول الإستطاعة من بلده ، بل اللاّزم إتيان الحجّ والمناسك عن استطاعة ، فلو ذهب إلى بلد آخر ، بل إلى المدينة المنورة ، وقبل أن يصل إلى الميقات حصلت له الإستطاعة ، وجب عليه الحجّ . وبالجملة : لا كلام في وجوب الحجّ إذا استطاع قبل الميقات .

   (2) مقتضى إطلاق الأدلة وجوب الحجّ عليه ، والذي يمنع عن القول بالوجوب عليه حينئذ إحرامه لغير حجّة الإسلام، إذ ليس له إبطاله والاحرام ثانياً لحج الإسلام. والحاصـل : من أحرم من الميقـات إحراماً صحيحاً ولو ندباً ، ليس له رفع اليد عن الإحرام ، بل يجب عليه إتمام هذا العمل ، فليس له الإحرام الثاني في ضمن الإحرام الأوّل .

   ولكن الظاهر وجوب الحجّ عليه ، وإحرامه الأوّل لا يمنع عنه ، لأنه بعد فرض شمول إطلاق الأدلة لمثل المقام يكشف عن بطلان الإحرام الأوّل ، وأنه لم يكن له أمر ندبي بالحج ، وإنما هو مجرد تخيل ووهم ، ففي الواقع هو مأمور بحجّ الإسلام ، ولكن لم يكن يعلم به ، فحصول الإستطاعة ولو بعد الميقات يكشف عن بطلان إحرامه الأوّل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل هو المتعين لكشف الاستطاعة عن عدم الأمر الندبي حين الإحرام ، فيجب عليه الإحرام للحج ثانياً سواء  أكان أمامه ميقات آخر أم لم يكن .

ــ[72]ــ

   [ 3004 ] مسألة 7 : إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب (1) ، ولو وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر فإن لم يتمكن من اُجرة الشقين سقط أيضاً ، وإن تمكن فالظاهر الوجوب ((1)) لصدق الإستطاعة ، فلا وجه لما عن العلامة من التوقف فيه لأن بذل المال له خسران لا مقابل له ، نعم لو كان بذلُه مجحفاً ومضرّاً بحاله لم يجب كما هو الحال في شراء ماء الوضوء (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن عدم الأمر الندبي حين الإحرام ، ولذا لو انكشف أنه كان مستطيعاً من بلده وكان لا يعلم بذلك ، فلم يجب عليه إلاّ حجّة الإسلام ، ويجري عليه أحكام من تجاوز الميقات بغير إحرام ، فوظيفته حينئذ الرجوع إلى الميقات والإحرام منه لحجّة الإسلام إن تمكن من الرجوع ، وإلاّ ففيه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى . ولا فرق في وجوب الإحرام للحجّ ثانياً بين ما إذا كان أمامه ميقات آخر أم لا ، فإنه يجب عليه الرجوع إلى الميقات والإحرام منه لحج الإسلام .

   (1) لعدم حصول الإستطاعة حسب حاله وشأنه ، وكذا لو وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر ، ولا مال له لاُجرة الشقين ، وكذا لو كان له مال ، وكان بذله للشق الآخر حرجياً وإجحافاً بالنسبة إليه ومضراً بحاله ، ففي جميع هذه الصور يسقط وجوب الحجّ ، لعدم حصول الإستطاعة .

   (2) وقع الكلام فيما إذا كان بذل المال لاُجرة الشق الآخر ضرراً عليه ولكن لا يصل إلى حد الحرج ، فهل يجب بذل المال الزائد بإزاء الشق الآخر ؟ وهل يجب عليه تحمل الضرر الزائد أم لا ؟ فعن العلامة التوقف فيه (2) ، وذهب في المتن إلى الوجوب لصدق الإستطاعة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال ، لأنه لا يجب تحمل الضرر الزائد على مصارف الحجّ ، ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية .

(2) التذكرة 7 : 52 .

ــ[73]ــ

   [ 3005 ] مسألة 8 : غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو اُجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط ، ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكنه من القيمة بل وكذا لو توقف على الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة ، بل وكذا لو توقف على بيع أملاكه بأقل من ثمن المثل لعدم وجود راغب في القيمة المتعارفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وقد يقال بأن بذل المال بإزاء العدل الآخر ضرر عليه فهو مرفوع ، لحديث لا ضرر .

   واُجيب بأن الحجّ تكليف ضرري ، وحديث لا ضرر لا يجري في الأحكام الضررية ، ولا نظر له إليها ، وإنما يجري في الأحكام التي لها فردان ، ضرري وغير ضرري ، والحديث يرفع الضرري ، وأما إذا كان متمحضاً في الضرر ، فلا يجري فيه حديث لا ضرر ، وأدلة وجوب الحجّ على المستطيع لما كانت متضمنة للضرر وصرف المال ، تكون أخص من نفي الضرر ، فأدلة وجوب الحجّ مخصصة لنفي الضرر .

   وبالجملة : أدلة نفي الضرر لا نظر لها إلى الأحكام الضررية كالزكاة والخمس والجهاد والحجّ ، ويجب تحمل الضرر في هذه الموارد ما لم يصل إلى حد الحرج والإجحاف .

   وفيه : أن الحجّ وإن كان ضررياً ، ولكن المجعول من الضرر ما يقتضيه طبعه مما يحتاج إليه المسافر إلى الحجّ ، وأما الزائد على ما يقتضيه طبع الحجّ ، فهو ضرر آخر أجنبي عن الضرر اللازم من طبع الحجّ ، والمرفوع بحديث لا ضرر إنما هو الضرر الزائد عما يقتضيه طبع الواجب ، والذي لا يرتفع بلا ضرر إنما هو الضرر اللازم منه مما يقتضيه طبعه .

   وبعبارة اُخرى : أن حديث لا ضرر وإن كان لا نظر له إلى الأحكام الضررية ، ولكن بمقدار الضرر الذي يقتضيه طبع الحكم ، وأما الضرر الزائد على ذلك فلا مانع من رفعه بحديث لا ضرر ، وأدلة الحجّ بالنسبة إلى هذا الضرر الزائد مطلقة ، ولا مانع

ــ[74]ــ

فما عن الشيخ من سقوط الوجوب ضعيف ، نعم لو كان الضّرر مجحفاً بماله مضراً بحاله لم يجب ، وإلاّ فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب بعد صدق الإستطاعة وشمول الأدلة ، فالمناط هو الإجحاف والوصول إلى حد الحرج الرافع للتكليف (1) .
ـــــــــــــــــــــــ

من شمول الحديث لهذه الزيادة ، والقدر المسلّم من تحمل الضرر في زاده وراحلته ما كان مما يقتضيه العادة وطبع الحجّ في نفسه ، وأما الزائد فلا دليل على تحمله إلاّ المطلقات ، وهي محكومة بلا ضرر .

   (1) قد ظهر حال هذه المسألة مما ذكرنا في المسألة السابقة ، فإن غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة وبيع أملاكه بأقل من ثمن المثل ونحو ذلك ولو لم يستلزم الحرج والإجحاف يوجب سقوط الوجـوب ، لأن الضرر الزائد على المقدار المتعارف منفي بلا ضرر ، إلاّ إذا كان الضرر يسيراً فإنه لا عبرة به .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net