إعتبار نفقة العود في الإستطاعة - مستثنيات الإستطاعة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1524


   [ 3006 ] مسألة 9 : لا يكفي في وجوب الحجّ وجود نفقة الذهاب فقط ، بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراده وإن لم يكن له فيه أهل ولا مسكن مملوك ولو بالإجـارة ، للحرج في التكليف بالإقامة في غير وطنه المألوف له ، نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا تعلق له بوطن لم يعتبر وجود نفقة العود لإطلاق الآية والأخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب ، وإذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لا بدّ من وجود النفقة إليه إذا لم يكن أبعد من وطنه ، وإلاّ فالظاهر  كفاية مقدار العود إلى وطنه (2) .

ــــــــــــــــــــــــــ
   (2) إذا لم يكن له نفقة العودة ، وكان متمكناً من الذهاب فقط ، فإن كان بقاؤه في مكّة المكرمة حرجياً ، فلا ريب في عدم وجوب الذهاب ، وأما إذا لم يكن بقاؤه في مكّة حرجياً ، ويتمكّن من أن يعيش هناك كما يعيش في بلده ، لعدم وجود علاقة له بوطنه ، فلا يعتبر تمكّنه من نفقة العود ، بل تكفي نفقة الذهاب ، ويجب عليه الحجّ لأنه

ــ[75]ــ

مستطيع من الحجّ والسفر إلى البيت ، ولا دليل على اعتبار التمكن من نفقة العود في هذه الصورة .

   وأمّا إذا لم يرد الرجوع إلى بلده الذي سافر منه ، بل أراد الرجوع إلى بلد آخر كمن يسافر من العراق إلى مكّة ويريد العود إلى خراسان أو الشام ، فهل يعتبر التمكّن من نفقة العود إلى ذلك البلد الذي يريد الذهاب إليه أم لا ؟

   فصّل في المتن بين ما إذا كان ذلك البلد الذي يريد المقام فيه أبعد من وطنه الذي سافر منه كخراسان وبين ما لم يكن أبعد كالشام ، ففي الصورة الاُولى اكتفى بمقدار العود إلى وطنه ، وفي الصورة الثانية اعتبر مقدار العود إلى البلد الذي يريد أن يقيم فيه .

   أقول : للمسألة صورتان :

   الاُولى : ما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى وطنه ، بل لا بدّ له أن يذهب إلى بلد آخر ، فحينئذ لا بدّ من وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد الذي يريد أن يقيم فيه وإن كان أبعد ، هذا إذا لم يكن ذهابه إلى ذلك البلد حرجياً ، وإلاّ فلا يجب عليه الخروج إلى الحجّ .

   الصورة الثانية : ما إذا أراد الرجوع إلى بلد آخر حسب رغبته الشخصية وميله الخاص ، ذكر في المتن أن العبرة في نفقة العود بالقرب والبعد ، والظاهر أن العبرة بكثرة القيمة وعدمها ، ولا عبرة بالبعد والقرب ، فإن كان الذهاب إلى بلد آخر يريد المقام فيه اختياراً يحتاج إلى صرف المال أقل من العود إلى وطنه تجب مراعاة ذلك ولو فرض أن طريقه أبعد ، وإن كان يحتاج إلى صرف المال أكثر من الرجوع إلى وطنه فالعبرة بالمقدار المحتاج إليه في العود إلى وطنه ، ولا عبرة بكثرة القيمة اللاّزم صرفها في الذهاب إلى بلد آخر ، فكان الأولى أن يعبّر في المتن بزيادة القيمة والنفقة لا القرب والبعد ، إذ لا عبرة بهما كما عرفت ، وإنما العبرة بما ذكرنا .

ــ[76]ــ

   [ 3007 ] مسألة 10 : قد عرفت أنه لا يشترط وجود أعيان ما يحتاج إليه في نفقة الحجّ من الزاد والراحلة ولا وجود أثمانها من النقود ، بل يجب عليه بيع ما عنده من الأموال لشرائها ، لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه ، فلا تباع دار سكناه اللاّئقة بحاله ولا خادمه المحتاج إليه ولا ثياب تجمّله اللاّئقة بحاله فضلاً عن ثياب مهنته ، ولا أثاث بيته من الفراش والأواني (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) قد عرفت أن العبرة في الاستطاعة بوجود الزاد والراحلة عيناً أو ثمناً ، وأنه يكفي في تحققها وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما ، سواء كان من النقود أو الأملاك فالميزان وجود ما يحجّ به . نعم ، يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ومعاش عياله ، من الدار والأثاث والثياب والفرش والأواني وفرس ركوبه وغير ذلك ممّا ذكر في المتن مما يحتاج إليه ، بحيث لو باع أحد هذه الاُمور وصرف ثمنه في الحجّ وقع في الحرج ، فالعبرة في جميع ذلك بالحرج ، فإذا كان فقدان شيء من ذلك موجباً للحرج ، لا يجب بيعه وتبديله بالزاد والراحلة ، لأن دليل نفي الحرج حاكم على جميع الأدلة ، ويرفع الإلزام بالفعل أو الترك ، فكل شيء إذا كان فقده موجباً لوقوعه في الحرج ، لا يجب بيعه وصرفه في الحجّ ، لاستلزام التكليف بصرف ذلك في الحجّ الحرج والعسر ، ومن ذلك الكتب مطلقاً دينية كانت أو غيرها ، ككتب الطب ونحو ذلك مما يحتاج إليه في معاشه ، بحيث لو باعها وبدّلها بما يحج به لوقع في الحرج ، فلا وجه لاختصاص الإستثناء بالكتب الدينية كما في المتن ، ومنه الفرس المعدّ لركوبه في حوائجه وأغراضه ، فإن كان بيع الفرس أو فقدانه مستلزماً لوقوع الشخص في الحرج والمشقة يسقط وجوب الحجّ ولا يجب بيعه .

 فلا وجه لما عن كشف اللثام من التفصيل بين ما إذا كان الفرس صالحاً لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة ، وإلاّ فهو أمر زائد يجب بيعه وتبديله بالزاد والراحلة (1)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كشف اللثام  5 : 94 .

ــ[77]ــ

وغيرهما مما هو محل حاجته ، بل ولا حلي المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها ، ولا كتب العلم لأهله التي لا بدّ له منها فيما يجب تحصيله لأن الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية ، ولا آلات الصنائع المحتاج إليها في معاشه ، ولا فرس ركوبه مع الحاجة إليه ، ولا سلاحه ولا سائر ما يحتاج إليه ، لاستلزام التكليف بصرفها في الحجّ العسر والحرج ، ولا يعتبر فيها الحاجة الفعلية .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لما عرفت أن الميزان هو الحرج وأنه إذا استلزم فقد الفرس حرجاً عليه لعدم إمكان استيفاء أغراضه وسد حوائجه به ، فلا يجب بيعه سواء كان صالحاً للسفر إلى الحجّ أم لا .

   كما لا وجه لما عن الشهيد من التوقف والتردد في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع(1) ، لما عرفت من أن مجرد التمكن من الزاد والراحلة وتحصيلهما لا يجدي في ثبوت الوجوب ، بل الميزان مضافاً إلى التمكن والاستطاعة من حيث الزاد والراحلة عدم استلزام الحرج في بيع ما يحتاج إليه في اُمور معاشه ودنياه .

   ثمّ لا فرق بين استلزام الحرج بالفعل ، وبين حصوله في الزمان اللاحق ، كثياب الشتاء بالنسبة إلى موسم الصيف ، فإن تبديل ما يحتاج إليه في الشتاء وإن لم يستلزم الحرج بالفعل لكون الزمان حارّاً على الفرض ، ولكنه يقع في الحرج في موسم الشتاء ، وأدلة نفي الحرج لا قصور فيها عن شمولها لمطلق ما يستلزم منه الحرج ، فعلياً كان أو استقبالياً ، لأن الميزان هو حصول الحرج سواء كان بالفعل أو في الزمان اللاّحق .

   وممّا ذكرنا يظهر الحال في حلي المرأة ، فإنه مع حاجتها إلى لبسها كما إذا  كانت شابّة ، لا يجب بيعها وتبديلها بالزاد والراحلة ، لأنّ صرفها في الحجّ حرجي عليها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 1 : 311 .

ــ[78]ــ

   فلا وجه لما عن كشف اللثام من أن فرسه إن كان صالحاً لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة ، وإلاّ فهو في مسيره إلى الحجّ لا يفتقر إليه بل يفتقر إلى غيره ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ ، كما لا وجه لما عن الدروس من التوقف في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع . فالأقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه مما يكون إيجاب بيعه مستلزماً للعسر والحرج ، نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحجّ ، وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة كما في حلي المرأة إذا كبرت عنه ونحوه .

   [ 3008 ] مسألة 11 : لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه وكان عنده دار مملوكة فالظاهر وجوب بيع المملوكة (1) إذا كانت وافية لمصارف الحجّ أو متممة لها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما إذا كبرت وتقدم بها السن بحيث لا يناسب لها لبسها ، ففي هذه الصورة يجب عليها بيعها وتبديلها بالزاد والراحلة ، لعدم الحاجة إليها وعدم استلزام الحرج من صرفها في الحجّ .

   (1) لو كان له دار مملوكة ، ولكن يمكنه السكنى في الدار الموقوفة ، فهل يجب عليه بيع المملوكة وصرف ثمنه في الحجّ أم لا ؟ وجهان :

   أحدهما : عدم وجوب البيـع ، لأن الدار محل الحاجة ، ومما يمكن الاحتياج إليه والأصل عدم وجوب البيع .

   ثانيهما : وجوب البيع وصرف ثمنه في الحجّ ، أو تتميمه لمصارف الحجّ ، وذلك لصدق الإستطاعة حينئذ إذا لم تكن السكنى في الدار الموقوفة منافية لشأنه ، ولم يكن عليه حرج في ذلك ، فلا حاجة إلى الدار المملوكة حينئذ ، لسد حاجته بالوقف ، فلا حرج في بيع المملوك ، وعليه لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم وجوب البيع . وقد استثنى المصنف (رحمه الله) من ذلك ما إذا لم تكن الدار الموقوفة موجودة بالفعل

ــ[79]ــ

وكذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته فيجب بيع المملوكة منها . وكذا الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة ، لصدق الإستطاعة حينئذ إذا لم يكن ذلك منافياً لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك ، نعم لو لم تكن موجودة وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك ((1)) ، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه ، والفرق : عدم صدق الإستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الاُولى إلاّ إذا حصلت بلا سعي منه ، أو حصّلها مع عدم وجوبه فإنه بعد التحصيل يكون كالحاصل أوّلاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأمكنه تحصيلها والسكنى فيها ، لم يجب عليه بيع المملوكة لعدم صدق الإستطاعة في هذه الصورة ، بل ذلك من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب .

   والحاصل : فرّق في المتن بين ما إذا كان بيده دار موقوفة يسكن فيها مثلاً ، وكان له دار مملوكة أيضاً ، وبين ما إذا لم تكن الدار الموقوفة موجودة بالفعل ، ولم تكن تحت اختياره فعلاً ، ولكن يمكنه تحصيلها والسكنى فيها ، فاختار وجوب البيع في الصورة الاُولى لصدق الإستطاعة ، وعدم الوجوب في الصورة الثانية ، لأن تحصيل الدار الموقوفة لأجل السكنى فيها من قبيل تحصيل الاستطاعة ، وهو غير واجب .

   ولكن الظاهر عدم الفرق بين الصورتين ، لصدق الاستطاعة في الصورة الثانية أيضاً ، لأن المراد بالإستطاعة ـ كما عرفت غير مرة ـ وجود ما يحج به عنده ، وهو حاصل في المقام ، والذي يمنع عن صرفه في الحج العسرُ والحرج ، والمفروض أنْ لا  حرج عليه في صرفه في الحجّ بعد قدرته على تحصيل الدار الموقوفة ، كما لو فرضنا أنه وحيد لا عائلة له ، وليس ذلك من تحصيل الاستطاعة حتى يقال بعدم وجوبه ، فإن المفروض أن عنده ما يحج به بالفعل ، ويتمكن من ترك البيت والسكنى في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال فإن المفروض أن عنده ما يحج به ولا حرج عليه في صرفه في الحجّ بعد قدرته على تحصيل الدار وغيرها مما يحتاج إليه ، والفرق بين المقام وتحصيل ما يحج به ظاهر .

ــ[80]ــ

   [ 3009 ] مسألة 12 : لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللاّئق بحاله بحسب عينها لكن كانت زائدة بحسب القيمة وأمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونه لائقاً بحاله أيضاً ، فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحجّ أو لتتميمها ؟ قولان من صدق الإستطاعة ، ومن عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة والأصل عدم وجوب التبديل . والأقوى الأوّل إذا لم يكن فيه حرج أو نقص عليه وكانت الزيادة معتداً بها ، كما إذا كانت له دار تسوى مائة وأمكن تبديلها بما يسوى خمسين مع كونه لائقاً بحاله من غير عسر فإنه يصدق الإستطاعة ، نعم لو كانت الزيادة قليلة جدّاً بحيث لا يعتنى بها أمكن دعوى عدم الوجوب ((1)) وإن كان الأحوط التبديل أيضاً  (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المدرسة بدون استلزام مهانة عليه ، وإنما يحصّل أمراً آخر يسد حاجته به ، ومثله يجري في سائر الأشياء من الأثاث كالفرش والكتب ، فإذا تمكن من تحصيل الكتب الموقوفة بلا حرج ، ولم يكن استعمال الوقف له حرجاً ولم يكن منافياً لشأنه ومهانة عليه ، يجب عليه بيع كتبه المملوكة ، لصدق الاستطاعة بالزاد والراحلة قيمة ، فلا يختص الحكم بالدار .

   والحاصل : تحصيل الإستطاعة وإن لم يكن واجباً قطعاً ، ولكن المقام ليس من باب تحصيل الإستطاعة ، بل الإستطاعة بالزاد والراحلة قيمة حاصلة بالفعل ، فلا بدّ من النظر إلى أن صرفها في الحجّ يوجب الحرج فلا يجب ، وإلاّ فهو واجب لصدق الإستطاعة .

   (1) لم يظهر لنا وجه لهذ التفصيل ، فإن الفرق بالتفاوت الكثير واليسير إنما يؤثر في مثل ثبوت خيار الغبن وعدمه ، لما ذكرنا في محله أن عمدة دليل خيار الغبن هو الإشتراط الضمني وبناء العقلاء على تساوي العوضين من حيث المالية ، وعدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكنّها بعيدة جدّاً .

 
 

ــ[81]ــ

   [ 3010 ] مسألة 13 : إذا لم يكن عنده من أعيان المستثنيات لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها ، ففي جواز شرائها وترك الحجّ إشكال ، بل الأقوى عدم جوازه إلاّ أن يكون عدمها موجباً للحرج عليه ، فالمدار في ذلك هو الحرج وعدمه ، وحينئذ فإن كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلاّ مع عدم الحاجة ، وإن لم تكن موجودة لا يجوز شراؤها إلاّ مع لزوم الحرج في تركه ، ولو كانت موجودة وباعها بقصد التبديل بآخر لم يجب صرف ثمنها في الحجّ ، فحكم ثمنها حكمها ، ولو باعها لا بقصد التبديل وجب بعد البيع صرف ثمنها في الحجّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التفاوت بينهما كثيراً وإلاّ فيثبت خيار تخلّف الشرط ، وأمّا إذا  كان التفاوت يسيراً فلا يعتني به العقلاء ولا يوجب الخيار .

   وأما في المقام فقد عرفت أن الميزان في الإستطاعة هو التمكن من الزاد والراحلة عيناً أو قيمة ، والمفروض أن له زاداً وراحلة بهذه الزيادة المترتبة على التبديل .

   نعم ، يشترط أن لا يستلزم التبديل الحرج ، فالتفاوت بالكثير وباليسير لا أثر له في ذلك ، بل لو كان التفاوت بواحد في المائة وجب التبديل ، كما لو فرض أن نفقة الحجّ مائة دينار وعنده بالفعل تسعة وتسعون ديناراً ، يجب عليه بيع داره بمائة ليضيف ديناراً واحداً إلى نفقة حجّه ، ويشتري بالباقي داراً اُخرى مناسبة لشأنه ، وكما لو فرضنا أن داره تسوى عشرة آلاف ديناراً وأن مصرف حجّه يبلغ مائتي دينار يجب عليه بيع داره ويأخذ مصرف حجّه ويشتري بالباقي داراً اُخرى ، مع أن نسبة المائتين إلى العشرة آلاف قليلة جداً .

   فالصحيح عدم الفرق بين الصورتين ، لصدق الإستطاعة في كلتا الصورتين ، إذ العبرة بالتمكن من الزاد والراحلة ، وهو حاصل في المقام سواء كان التفاوت يسيراً أو كثيراً .

 ــ[82]ــ

إلاّ مع الضرورة إليها ((1)) على حدِّ الحرج في عدمها (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) قد تقدّمت جملة من المستثنيات التي مما يحتاج إليه في معاشه وحياته ، وأنه لا يجب بيعها وصرف ثمنها في الحجّ ، لاستلزام ذلك العسر والحرج ، هذا بالنسبة إلى الأعيان الموجودة ، وهكذا بالنسبة إلى النقود ، فلو كان عنده مقدار من النقود ولم يكن عنده دار ، ودار الأمر بين صرف النقود في الحجّ ، وبين أن يشتري بها داراً لسكنّاه فلو كانت الدار ممّا يحتاج إليه ، بحيث لو صرف النقود في الحجّ وترك شراء الدار لوقع في الحرج ، لا يجب عليه الحجّ ، بل يجوز له شراء الدار لسد حاجته وضرروته .

   وبعبارة اُخرى : استثناء ما يحتاج إليه لا يختص بالأعيان الخارجية بل يشمل ثمنها أيضاً ، فإن كانت الدار المملوكة مما يحتاج إليه ، بحيث لو باعها وقع في الحرج ، لا يجب عليه بيعها وصرف ثمنها في الحجّ ، وكذا من كان له مقدار من المال يكفي لشراء الدار بحيث لو لم يشتر به داراً لوقع في الحرج ، جاز له شراء الدار ، ولا يجب عليه صرف المال في الحجّ ، وكذا لو باع داره بقصد التبديل إلى دار اُخرى ، أو إلى ما يحتاج إليه في حياته ، لا يجب عليه صرف الثمن في الحجّ ، بل يجوز له شراء ما يحتاج إليه بدلاً عن الدار التي باعها .

   والحاصل : لا يجب عليه الحجّ في هذه الموارد الثلاثة :

   الأوّل : إذا كان ما عنده مما يحتاج إليه عيناً .

   الثاني : ما إذا كان مما يحتاج إليه نقداً .

   الثالث : ما إذا كان له كلا الأمرين ، كما إذا كان له دار وباعها بقصد التبديل ، فإنه قبل البيع له العين ، وبعده له النقد بالفعل قبل التبديل . وفي جميع هذه الصور لا يجب الحجّ ، إذ لا يجب صرف المال في الحجّ ، لاستلزامه الحرج على الفرض . وأما لو باع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا مع بنائه على صرف الثمن فيها جزماً أو احتمالاً ، وأمّا مع بنائه على العدم فالظاهر هو وجوب الصرف في الحج لعدم كونه حرجياً عندئذ .

ــ[83]ــ

داره لا بقصد التبديل بل لغاية من الغايات ، ذكر في المتن أنه يجب عليه صرف ثمنها في الحجّ إلاّ إذا كان صرفه فيه مستلزماً للحرج ، كما لو فرضنا أن صرف الثمن في الحجّ يستوجب أن لا يملك داراً أصلاً ، وهذا حرجى عليه .

   والحق هو التفصيل ، لأنه تارة يبني على صرف المال فيما يحتاج إليه في حياته ، وإن لم يكن مسانخاً مع العين الاُولى ، كمن يبيع داره ليشتري بثمنها ثياباً لنفسه وعياله وغير ذلك مما يحتاج ويضطر إليه . واُخرى يتردد في صرفه فيما يحتاج إليه من أنواع الحوائج ، فهو غير بان على شيء فعلاً . وثالثة يبني على التحفظ على المال وعدم صرفه في الحوائج ، بل يريد أن يدّخره ، ففي الأوّل والثاني لا يجب عليه الحجّ ، لأن إلزامه بصرفه في الحجّ حرجي عليه ، ومناف لمقاصده ، وأما في الثالث فلا حرج عليه في صرفه في الحجّ بعد فرض أنه عازم على عدم صرفه في حوائجه .

   وبعبارة اُخرى : إلزامه بالحج حينئذ غير حرجي عليه ، إذ لو صرف المال أو لم يصرفه يعيش عيشة حرجية ، فإنه لو لم يحج أيضاً لا يعيش إلاّ نكداً . نعم ، صرف المال مناف لعزمه وتصميمه بادّخار المال ، وإلاّ فلا حرج عليه من ناحية الحجّ ، وإنما الحرج نشأ من عزمه على ادّخار المال وعدم صرفه في حوائجه ، لا من الحكم الشرعي بوجوب الحجّ ، كمن يقنع بأن يسكن في الخربة ويعيش عيشة الفقراء من حيث المسكن والمأكل والثياب ، ويدّخر الأموال ، فمجرد الضرورة والحاجة لا يوجب سقوط الحجّ ، بل صرف المال في الحوائج أو بناؤه أو التحفظ على الأموال حتى يتروى في كيفية الصرف ونحو ذلك مما لو مُنع عن ذلك لوقع في الحرج ، كل ذلك يوجب سقوط الحجّ ، وأما مجرد تصميمه على التحفظ على المال وادّخاره وعدم صرفه في حوائجه ، فلا يوجب سقوط الحجّ ، فإن صرفه في الحجّ لا يؤثر في حاله لأنه لو صرف أو لم يصرف لعاش عيشة حرجية ، فالحرج لم ينشأ من إلزامه بالحج والمفروض وجود ما يحج به عنده فيجب عليه الحجّ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net