التزاحم بين الحجّ وأداء الدّين 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1542


ــ[89]ــ

   [ 3014 ] مسألة 17 : إذا كان عنده ما يكفيه للحج وكان عليه دين ففي كونه مانعاً عن وجوب الحجّ مطلقاً ـ سواء كان حالاًّ مطالباً به أو لا ، أو كونه مؤجّلاً  ـ أو عدم كونه مانعاً إلاّ مع الحلول والمطالبة ، أو كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل أو الحلول مع عدم المطالبة ، أو كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل وسعة الأجل للحج والعود أقوال (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصنف (قدس سره) الوجوب ، لصدق الاستطاعة حينئذ عرفاً .

   وفيه : أن الموضوع في الروايات مَنْ كان له زاد وراحلة ، ومَنْ كان عنده ما يحج به ، وإذا فرض أن المال الغائب لا يمكن صرفه في الحجّ ، أو لم يكن له مشتر ، فليس عنده زاد وراحلة ، ولا عنده ما يحج به ، ويكون الإستقراض حينئذ تحصيلاً للاستطاعة .

   نعم ، إذا أمكن بيع الدّين المؤجل بالنقد فعلاً كما هو المتعارف ، أو بيع المال الغائب بلا ضرر عليه ، وجب الاستقراض أو البيع لصدق الاستطاعة حينئذ ، لما عرفت أن الاستطاعة لا تختص بالزاد والراحلة عيناً ، بل يكفي وجودهما قيمة وبدلاً . فلا بدّ من التفصيل بين ما لا يتمكن من تبديله وصرفه في الحجّ ، وبين ما يتمكن ، ويجب الإستقراض في الثاني دون الأوّل ، لأن العبرة بتحقق ما يحج به عنده عيناً أو قيمة وبدلاً حتى بالاستقراض ، فوجوب الاستقراض مطلقاً كما في المتن محل منع .

   (1) إذا كان عليه دين ، وكان له مال لا يفي إلاّ للدين أو الحجّ ، فهل يقدم الحجّ أو الدّين فقد اختلف العلماء في ذلك، ذهب جماعة منهم كالمحقق(1) والعلاّمة(2) والشهيد(3) إلى أن الدّين مطلقاً بجميع أقسامه يمنع عن وجوب الحجّ ، سواء كان الدّين حالاًّ مع المطالبة وعدمها أو مؤجّلاً ، سواء كان واثقاً من الأداء بعد الحجّ أم لا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرائع 1 : 201 .

(2) المنتهى 2 : 653 السطر 4 .

(3) الدروس 1 : 310 ، الروضة البهية 2 : 166 .

ــ[90]ــ

والأقوى كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل والوثوق بالتمكن من أداء الدّين إذا صرف ما عنده في الحجّ، وذلك لعدم صدق الإستطاعة ((1)) في غير هذه الصورة ، وهي المناط في الوجوب لا مجرد كونه مالكاً للمال وجواز التصرف فيه بأي وجه أراد وعدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الإستطاعة ، نعم لا يبعد الصدق إذا كان واثقاً بالتمكن من الأداء مع فعلية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ويستدلّ لهم بأن الموضوع في وجوب الحجّ هو الموسر ، ومن كان مديوناً ليس بموسر ، وفي الصحيح «من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عزّ وجلّ : ونحشره يوم القيمة أعمى» (2) وكذا فُسرت الإستطاعة في بعض الأخبار كرواية عبدالرحيم القصير باليسار ، قال (عليه السلام) «ذلك القوّة في المال واليسار ، قال : فإن كانوا موسرين فهم ممن يستطيع ؟ قال : نعم» (3) .

   وفيه : أن اليسار المأخوذ في موضوع الحجّ مقابل العسر ، ومن يتمكن من أداء دينه بعد الحجّ بسهولة ومن دون مشقة فهو موسر . وبعبارة اُخرى : من كان متمكناً من أداء الدّين وترك الحجّ ، فهو ممن ترك الحجّ وهو موسر ، ومجرد اشتغال الذمة بالدين لا يمنع من صدق اليسار .

   ومنهم من ذهب كالسيد في المدارك إلى أن المانع عن وجوب الحجّ هو الدّين الحالّ المطالب به ، وأما غير الحال أو غير المطالب به فغير مانع لتحقق الإستطاعة المقتضية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستطاعة قد فسرت في الروايات بالتمكن من الزاد والراحلة ، والمفروض في المقام تحققها فيقع التزاحم بين وجوب الحجّ ووجوب أداء الدّين ، لكن وجوب أداء الدّين أهم فيقدم فيما إذا كان صرف المال في الحجّ منافياً للأداء ولو في المستقبل ، وبذلك يظهر الحال في بقية المسألة .

(2) الوسائل 11 : 27 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7 .

(3) الوسائل 11 : 37 / أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 3 .

ــ[91]ــ

للوجوب (1) .

   وفيه : أنه لو تمّ هذا التفصيل فلا بدّ من التعميم للحالّ الذي لم يأذن له الدائن بالتأخير وإن لم يكن مطالباً ، لأن العبرة بوجوب الأداء ، وهو غير متوقّف على المطالبة ، بل لو حلّ الدّين ولم يأذن الدائن بالتأخير وجب الأداء وإن لم يطالب، فالمانع هو وجوب الأداء ، ولا يختص ذلك بالحالّ المطالَب به ، بل يشمل ما حلّ ولم يأذن له الدائن بالتأخير وإن لم يطالب .

   ومنهم من ذهب إلى أن الدّين يمنع عن وجوب الحجّ ، إلاّ المؤجل الذي وسع وقته للحج والعود ، واختاره كاشف اللثام(2) . ولو تم ما ذكره لكان عليه أن يزيد قيداً آخر وهو الحالّ الذي أذن له بالتأخير ، لعدم الفرق بينه وبين الموسّع ، فلا يختص عدم المنع بالمؤجل الذي وسع وقته .

   وذهب صاحب المستند إلى التخيير في بعض الصور وتقديم الحجّ في بعضها الآخر(3) وحاصل ما ذكره : أن كلاً من أداء الدّين والحجّ واجب ، وهو مطالب بامتثال الأمرين ، لأنهما واجبان في عرض واحد ، وحيث لا يتمكّن من الجمع بينهما يقع التزاحم بين الأمرين ، فلا بدّ من إعمال قواعد باب التزاحم ، هذا إذا كان الدّين حالاًّ مطالباً ، وأما إذا كان مؤجّلاً فلا تزاحم في البين أصلاً ، ويجب الحجّ بلا إشكال سواء كان واثقاً بالأداء بعد الحجّ أم لا ، لأنّ وجوب الحج فعلي ولا يزاحمه واجب آخر ، وانّما يتحقق التزاحم فيما إذا كان الدّين حالاًّ ، واللاّزم حينئذ بعد عدم الترجيح التخيير بينهما في صورة المطالبة ، أو التأجيل مع عدم سعة الأجل للذهاب والعود وأمّا في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير أو التأجيل مع سعة الأجل للحج والعود يقدم الحجّ ، إذ لا مزاحم له بالفعل ، ويكون خطاب الحجّ خالياً عن المعارض .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 7 : 43 .

(2) لاحظ  كشف اللثام  5 : 98 .

(3) المستند 11 : 43 .

ــ[92]ــ

   وفيه : أن ما ذكره لا يتم فيما إذا لم يكن واثقاً بأداء الدّين بعد أعمال الحجّ ، لأن أداء الدّين واجب ، ويجب عليه حفظ القدرة لأدائه ، فإن الدّين وإن كان مؤجلاً لكن ليس له تفويت المال بحيث لا يتمكن من الأداء ، بل عليه التحفّظ على قدرته ، فيقع التزاحم في هذه الصورة بين وجوب حفظ القدرة لاداء الدّين ووجوب الحجّ ، فمجرد التأجيل لا يكفي لعدم التزاحم . فكلامه (عليه الرحمة) على إطلاقه غير تام ، بل يقيّد بالوثوق بالأداء بعد الحجّ ، بمعنى أنه لو وثق بالأداء بعد الحجّ يتقدم الحجّ ، وإلاّ يقع التزاحم .

   واختار المصنف (قدس سره) وجهاً آخر وهو : أن أداء الدّين إذا  كان واجباً عليه بالفعل كالحالّ ، أو كان الدّين مؤجلاً لا يثق بالأداء بعد الحجّ ، فيسقط الحجّ لعدم صدق الإستطاعة ، وأما إذا كان مؤجلاً يتمكن من الأداء بعد الحجّ ، أو كان حالاًّ وأذن له بالتأخير ، يجب الحجّ لصدق الإستطاعة .

   وما ذكره هو الصحيح لا لما ذكره من صدق الاستطاعة وعدمه ، فإنّ الاستطاعة فُسرت في النصوص بالتمكّن من الزاد والراحلة وتخلية السرب ، وهي قدرة خاصة والمفروض في المقام تحققها حتى في صورة الدّين الحالّ المطالَب ، فإن الدّين بنفسه لا يكون مانعاً من تحقق الإستطاعة المفسرة في الروايات ، بل لأن الإطلاقات الدالة على وجوب الحجّ تشمل المقام ، فيقع التزاحم بين وجوب الحجّ ووجوب أداء الدّين لأن المفروض أنه لا يمكن الجمع بين امتثال الحكمين ، فلا بدّ من التخيير أو الترجيح . ولكن المتعين سقوط الحجّ وتقديم أداء الدّين ، ولا مجال للتخيير فيما إذا كان الدّين حالاًّ مطالباً به ، أو مؤجلاً مع عدم الوثوق بالأداء بعد الحجّ ، وذلك للجزم بأهميّة الدّين ، فإن الخروج عن عهدة حقوق الناس أهم من حق الله تعالى ، بل لو كان محتمل الأهميّة لتقدم ، لأن محتمل الأهميّة من جملة المرجحات في باب التزاحم .

   والحاصل : أنّ الاستطاعة بالمعنى المفسر في النصوص في المقام متحققة ، ولكن الدّين لأهميّته معجّز ومانع عن صرف المال في الحجّ ، لا أنه غير مستطيع كما ذكر في المتن ، والحجّ وإن كان من مباني الإسلام ومن الواجبات المهمّة ، لكنّه كذلك بالنسبة

ــ[93]ــ

إلى من يجب عليه ، وعند فعلية الوجوب لا مطلقاً ، ومن ثمّ لا يجب عند توقفه على ارتكاب بعض المحرمات المهمّة كالزنا واللواط وقتل النفس وشرب الخمر .

   فتحصل : أن الدّين بما هو دين لا يكون مزاحماً للحج ، وإنما يزاحمه فيما إذا كان أداء الدّين واجباً بالفعل ، كما إذا كان حالاًّ ، أو كان صرف المال في الحجّ منافياً للأداء في المستقبل ، وحينئذ يقدم الدّين لأهميّته جزماً أو احتمالاً ، وأما إذا كان متمكناً من أدائه في وقته ، أو كان حالاًّ وأذن له بالتأخير ، فلا مزاحمة أصلاً ، ولا ينبغي الإشكال في تقديم الحجّ .

   ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً صحيح معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ؟ قال : نعم ، إن حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين»(1) فإن المستفاد منه أن الدّين بنفسه لا يكون مانعاً عن الحجّ ، فما ذهب إليه المحقق وجماعة من أن الدّين مطلقاً مانع عن الحجّ (2) لا وجه له .

   وأمّا إنكار المصنف (قدس سره) أهميّة الدّين من الحجّ مستشهداً بتوزيع التركة على الحجّ والدّين وعدم تقديم دين الناس ، فإن ذلك يدل على عدم أهميّة الدّين ، وإلاّ لزم تقديم الدّين على الحجّ ، ففيه :

   أوّلاً : أن مورد التوزيع هو حال الوفاة ، وذلك لا يكشف عن عدم الأهميّة للدّين حال الحيوة ، فإن الميت لا تكليف عليه ، وإنما يكون ضامناً ومديوناً ، وهذا بخلاف الحي ، فإنه مكلف بأداء الدّين والحجّ ، فلا يقاس أحدهما بالآخر .

   وبعبارة اُخرى : حكم الدّين حال الوفاة وضعي محض ، وأما حال الحياة فالحكم تكليفي أيضاً ، فلا يقاس الحكم التكليفي بالوضعي ، فأحد البابين أجنبي عن الآخر .

  وثانياً : أن المصرّح به في الروايات (3) كون الحجّ ديناً وأنه يخرج من صلب المال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 43 / أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1 .

(2) الشرائع 1 : 201 .

(3) الوسائل 11 : 66 / أبواب وجوب الحجّ ب 25 ، 28 .

ــ[94]ــ

فهما سيّان من هذه الجهة ، غاية الأمر أحدهما دين الله والآخر دين الناس ، فهو كأنه مدين لشخصين لا يفي المال إلاّ لأحدهما ويوزع المال بينهما قهراً ، فلا يكون التوزيع حينئذ شاهداً على عدم أهميّة دين الناس .

   وثالثاً : أن التوزيع الذي استشهد به لم يدل عليه أيّ دليل ، وإنما ذكره العلماء في كلماتهم ، بل يظهر من صحيح بريد العجلي (1) ـ الوارد في من مات قبل أن يحرم ، أنه يصرف جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام ، فإن فضل من ذلك شيء فهو للدين ثمّ للورثة ـ عدم التوزيع وتقديم الحجّ على الدّين ، ولكن إنما نلتزم بتقديم الحجّ على الدّين في مورد الوفاة للنص ، وأين هذا من تكليف نفس الشخص حال حياته وكان عليه دين غير واثق بأدائه في وقته أو أنه حالّ مطالب به .

   ويدل أيضاً على تقديم الحجّ على الدّين حال الوفاة صحيح معاوية بن عمار «رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجّة الإسلام وترك ثلاثمائة درهم ، فأوصى بحجّة الإسلام ، وأن يقضى عنه دين الزكاة ، قال : يحجّ عنه من أقرب ما يكون ، ويخرج البقية في الزكاة» (2) ومورده وإن كان عنوان الزكاة إلاّ أنه لا خصوصية له لأنّ الزكاة دين أيضاً ، ومع الغض عن الصحيحين لا بدّ من صرف المال في الدّين لكونه أهم كما عرفت .

   وبعبارة اُخرى : إذا كان المال وافياً للأمرين فلا كلام في التوزيع ، وإلاّ فيقع التزاحم بينهما حياً كان صاحب المال أو ميتاً . ولو كنا نحن ومقتضى القاعدة ، فلا بدّ من صرف المال في الدّين لأهميّته ، ولكن في مورد الوفاة يصرف المال في الحجّ بمقتضى النص ، فالتوزيع الذي ذكره المصنف (قدس سره) لا يجري في المقام أصلاً ، بل يدور الأمر بين تقديم الدّين حسب ما تقتضيه القاعدة ، أو تقديم الحجّ كما يقتضيه النص .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 2 .

(2) الوسائل 9 : 255 / أبواب المستحقين للزكاة ب 21 ح 2 .

ــ[95]ــ

الرضا بالتأخير من الدائن ، والأخبار الدالّة على جواز الحجّ لمن عليه دين لا تنفع في الوجوب وفي كونه حجّة الإسلام . وأما صحيح معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) «عن رجل عليه دين ، أعليه أن يحج ؟ قال : نعم ، إن حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» . وخبر عبدالرحمن عنه (عليه السلام) أنه قال : «الحجّ واجب على الرجل وإن كان عليه دين» فمحمولان على الصورة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فتلخص من جميع ما ذكرنا : أن الدّين بنفسه لا يكون مانعاً عن الحجّ ، وإذا كان عنده مال يفي بنفقات الحجّ وكان عليه دين ، ولم يكن صرف المال في الحجّ منافياً لأداء الدّين ، وجب عليه الحجّ ، وإلاّ فيقدم الدّين لأهميّته . وأما إذا مات وعليه الدّين وحجّة الإسلام يتقدم الحجّ للنص .

   ثمّ إن الفارق بين ما ذكرنا وما ذكره المصنف (قدس سره) ـ بعد اشتراكنا معه في تقديم الدّين فيما إذا كان صرف المال في الحجّ منافياً لأداء الدّين ، لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة كما ذهب إليه المصنف ، أو للتزاحم وتقديم الدّين لكونه أهم كما هو المخـتار ـ هو عدم سقوط حجّ الإسلام عنه لو عصى ولم يؤد الدّين وحجّ لأنه غير مستطيع على مختاره ، وسقوطه عنه بناء على التزاحم ، لأ نّه مستطيع على الفرض غاية الأمر يجب عليه صرف المال في الدّين ، فلو عصى وحجّ بالمال صحّ حجّه على القول بالترتب .

   وأمّا ما ذكره جماعة من أن الحجّ مشروط بالقدرة الشرعية فيزاحمه أيّ واجب كان ، ويسقط الحجّ حينئذ ، ففيه : ما عرفت ، من أن المعتبر في الحجّ حسب النصوص هو التمكن من الزاد والراحلة وتخلية السرب ، والزائد على ذلك غير معتبر في الحجّ فإذا زاحمه واجب آخر لا يرتفع موضوع الاستطاعة ، بل لا بدّ من إعمال قاعدة التزاحم من التخيير إذا فرض كون الحجّ والواجب الآخر متساويين أو التعيين إذا كان أحدهما أهم ، فما ذكره المصنف من أن الدّين مانع ورافع لموضوع الإستطاعة لا أساس له .

ــ[96]ــ

التي ذكرنا أو على من استقرّ عليه الحجّ سابقاً وإن كان لا يخلو من إشكال كما سيظهر ، فالأولى الحمل الأوّل .

   وأمّا ما يظهر من صاحب المستند من أن كُلاًّ من أداء الدّين والحجّ واجب فاللاّزم ـ بعد عدم الترجيح ـ التخيير بينهما في صورة الحلول مع المطالبة ، أو التأجيل مع عدم سعة الأجل للذهاب والعود وتقديم الحجّ في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير ، أو التأجيل مع سعة الأجل للحج والعود ولو مع عدم الوثوق بالتمكن من أداء الدّين بعد ذلك حيث لا تجب المبادرة إلى الأداء فيهما ، فيبقى وجوب الحجّ بلا مزاحم .

   ففيه : أنه لا وجه للتخيير في الصورتين الاُوليين ولا لتعيين تقديم الحجّ في الأخيرتين بعد كون الوجوب تخييراً أو تعييناً مشروطاً بالاستطاعة غير الصادقة في المقام خصوصاً مع المطالبة وعدم الرّضا بالتأخير ، مع أنّ التخيير فرع كون الواجبين مطلقين وفي عرض واحد ، والمفروض أن وجوب أداء الدّين مطلق بخلاف وجوب الحجّ فإنه مشروط بالاسـتطاعة الشرعية ، نعم لو استقرّ عليه وجوب الحجّ سابقاً فالظاهر التخيير لأنهما حينئذ في عرض واحد ، وان كان يحتمل تقديم الدّين إذا كان حالاًّ مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخير لأهميّة حق الناس من حق الله ، لكنّه ممنوع ولذا لو فرض كونهما عليه بعد الموت يوزع المال عليهما ((1)) ولا يقدم دين الناس ، ويحتمل تقديم الأسبق منهما في الوجوب ، لكنّه أيضاً لا وجه له كما  لا يخفى .

 [ 3105 ] مسألة 18 : لا فرق ـ في كون الدّين مانعاً ((2)) من وجوب الحجّ ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوزيع إنما هو في فرض كفاية المال لهما ، وإلاّ فلا بدّ من صرفه في الحجّ بمقتضى النص ، ولولاه كان المتعين الصرف في الدّين .

(2) على ما عرفت [ في المسألة السابقة ] .

ــ[97]ــ

بين أن يكون سابقاً على حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا ، كما إذا استطاع للحج ثمّ عرض عليه دين بأن أتلف مال الغير مثلاً ، على وجه الضمان من دون تعمد قبل خروج الرفقة أو بعده ، قبل أن يخرج هو أو بعد خروجه قبل الشروع في الأعمال ، فحـاله حال تلف المال من دون دين فإنّه يكشف عن عدم كونه مستطيعاً  (1) .
ــــــــــــــــــــــــ

   (1) الأمر كما ذكره سواء قلنا بالتزاحم كما هو المختار عندنا ، أو بعدم صدق الاستطاعة كما هو مختار المصنف (قدس سره) . وبالجملة : بناء على ما ذكرنا يقع التزاحم بقاء فان العبرة بالفعلية ، فإذا عرض عليه دين بعد حصول الاستطاعة زاحمه بقاء ويجري ما تقدّم ، من دون فرق بين كون الموجب للضمان والدّين عمدياً أو خطئياً ، وإنما قيّد في المتن بالعمد لعلّه لنكتة وهي : أن الاتلاف إذا كان عن عمد يستقر الحجّ في ذمّته لأنه تفويت عمدي ، وأمّا الخطأ فلا يوجب الاستقرار ، فالفرق إنما هو من جهة الاستقرار وعدمه ، وأما من جهة التكليف الفعلي فلا فرق بين العمد وغيره .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net