الشكّ في بقاء الاستطاعة إلى زمان العود - تعجيز النّفس عن الإستطاعة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1552


ــ[101]ــ

   [ 3019 ] مسألة 22 : لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والاياب وكان له مال غائب لو كان باقياً يكفيه في رواج أمره بعد العود لكن لا يعلم بقاءه أو عدم بقائه ، فالظاهر وجوب الحجّ بهذا الذي بيده استصحاباً لبقاء الغائب ((1)) ، فهو كما لو شك في أن أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أو لا ، فلا يعد من الأصل المثبت (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وبالجملة : له التخلص من الزكاة إما باخراج الزكاة من المال بالنسبة ، وإما بتخليص الفضة وتصفيتها ، على أن موردها العلم والشك في المقدار ، لقوله فيها : «وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلاّ أ نِّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة ، قال (عليه السلام) : فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثمّ تزكي ما خلص من الفضة» ولا يشمل المورد الذي يشك في أصل الوجود كما في المقام ، هذا مع أنه لا موجب للتعدِّي من مورد الرواية إلى غيره .

   (1) إذا  كان له ما يحج به ذهاباً وإياباً من الزاد والراحلة ، وكان له مال لإمرار معاشه ورواج أمره بعد العود والرجوع ، لكن لا يعلم بقاءه ويحتمل تلفه ، ذكر (قدس سره) أنه لا يسقط وجوب الحجّ بمجرد احتمال تلف المال الذي يحتاج إليه في العود لاستصحاب بقاء المال وعدم تلفه .

   والأمر كما ذكره من عدم سقوط الحجّ ، لكن لا لما ذكره من التعليل بالإستصحاب فإنّ التعليل عليل والأصل مثبت ، لأن مجرى الاستصحاب لا بدّ من أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا حكم شرعي ، وبقاء المال إلى زمان العود ليس بحكم شرعي ولا بموضوع لذي حكم شرعي ، فان الموضوع للحكم الشرعي هو الرجوع إلى الكفاية ، واستصحاب بقاء المال إلى زمان العود لا يثبت هذا الموضوع إلاّ على الأصل المثبت ، بل الوجه في وجوب الحجّ وعدم سقوطه إطلاق الروايات الدالّة على تحقق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحكم وإن كان كما ذكره لكن التعليل عليل فإن الأصل مثبت .

ــ[102]ــ

   [ 3020 ] مسألة 23 : إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج يجوز له ((1))  ـ قبل أن يتمكن من المسير ـ أن يتصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ، وأما بعد التمكن منه فلا يجوز وإن كان قبل خروج الرفقة (1) ، ولو تصرّف بما يخرجه عنها بقيت ذمّته مشغولة به ، والظاهر صحّة التصرّف مثل الهبة والعتق وإن كان فعل حراماً ، لأنّ النهي متعلق بأمر خارج ، نعم لو كان قصده في ذلك التصرّف الفرار من الحجّ لالغرض شرعي أمكن أن يقال بعدم الصحة((2)). والظاهر أنّ المناط في عدم جواز التصرّف المخرج هو التمكن من تلك السنة ، فلو لم يتمكن فيها ولكن يتمكّن في السنة الاُخرى ((3)) لم يمنع عن جواز التصرّف ، فلا يجب إبقاء المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة ، فليس حاله حال من يكون بلده بعيداً عن مكّة بمسافة سنتين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستطاعة بالزاد والراحلة ، والمفروض وجود الزاد والراحلة عنده وتحقق الاستطاعة بالمعنى الشرعي المفسر في النصوص ، ولم يؤخذ الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة في شيء من الأدلة ، وانما اعتبرنا ذلك ـ  كما سيأتي إن شاء الله تعالى  ـ بدليل نفي الحرج مؤيداً ببعض الروايات الضعيفة . ومجرد احتمال الوقوع في الحرج لا ينافي صدق الاستطاعة بالفعل ولا يوجب سقوط الحجّ ، بل لا بدّ من إحرازه في سقوط الحجّ . وهذا نظير احتمال سرقة أمواله في طريق الحجّ ، فانّ مجرّد الاحتمال لا  أثر له في سقوط الحجّ .

   (1) لا ينبغي الريب في عدم جواز تعجيز نفسه بعد وجوب الحجّ بشرائطه وحدوده وإن كان الواجب متأخراً ، لأن الميزان في عدم جواز تعجيز النفس عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر عدم جوازه .

(2) بل الأقوى الصحة في هذا الفرض أيضاً .

(3) الظاهر عدم الفرق بين الموردين فيجب في هذا الفرض أيضاً إبقاء المال إلى العام المقبل ولا يجوز له تفويته .

ــ[103]ــ

إتيان الواجب وعدم جواز تفويت الملاك ، هو تنجيز الوجوب وفعليته وإن كان زمان الواجب متأخراً ، فيقع الكلام في المقام تارة في الحكم التكليفي واُخرى في الوضعي وثالثة في عدم اختصاص عدم جواز التعجيز بهذه السنة وشموله للسنة الآتية .

   أمّا التكليفي فقد عرفت أنه لا يجوز له التعجيز والتفويت بعد التنجيز وان كان الواجب متأخراً ، لأن الميزان في تقبيح العقل للتفويت والتعجيز هو فعلية الوجوب وتنجيزه ، سواء كان الواجب فعلياً أو استقبالياً .

   إنما الكلام في مبدأ هذا الوجوب ، فقد ذكر جماعة أن مبدأه خروج الرفقة ، فلا يجوز له تعجيز نفسه عند خروج الرفقة ويجوز قبله ، وإن كان متمكناً من المسـير وذكر المصنف (قدس سره) أن مبدأه هو التمكن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة فلا يجوز له تعجيز نفسه بالتمكن من المسير ولو كان خروج الرفقة متأخراً ، وذهب بعضهم إلى أن العبرة بأشهر الحجّ ، لأنّ التكليف في هذه الأشهر منجز ولا يجوز تفويت الاستطاعة فيها .

   والظاهر أنه لا دليل على شيء من ذلك ، بل مقتضى الآية الكريمة والروايات المفسرة للاستطاعة تنجز الوجوب بحصول الزاد والراحلة وما يحج به وتخلية السرب وصحّة البدن ، بحيث لا يكون الحجّ حرجياً ، من دون فرق في حصول ذلك بين أشهر الحجّ وخروج الرفقة والتمكن من المسير ، ومتى حصلت الاستطاعة بالمعنى المتقدم تنجز الوجوب عليه في أي وقت كان ، وأشهر الحجّ إنما هي ظرف الواجب لا أنها ظرف الوجوب ، فلو فرضنا أنه صحيح المزاج والطريق مفتوح وعنده ما يحج به من الزاد والراحلة يجب عليه الحجّ من أوّل حصول الاستطاعة ، فإن الواجب تعليقي بمعنى كون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً ، فلا يجوز له التفويت ولو كان قبل أشهر الحجّ أو قبل خروج الرفقة ، ولذا لو فرضنا أنه لا يتمكن من المسير في شهر شوّال لبُعد المسافة وعدم الوصول إلى الحجّ لو سافر في شهر شوال كما في الأزمنة السابقة بالنسبة إلى بعض البلاد ، وكان متمكناً من المسير في شهر رجب ويمكنه

ــ[104]ــ

الوصول ، يجب عليه الحجّ وليس له تركه معتذراً بأنه في شهر شوال لا يتمكن من المسير لبعد الطريق ، والحاصل : أن الوجوب غير محدد بزمان خاص .

   وبما ذكرنا يظهر الحال في الجهة الثالثة وهي عدم جواز تعجيز نفسه في هذه السنة إذا تمكّن من الحجّ في السنة الثانية ، ويجب عليه إبقاء المال إلى العام المقبل ، ولا يجوز له تفويت المال في هذه السنة ، لأنّ العبرة بتحقق الاستطاعة متى حصلت ولم تكن محدّدة بزمان خاص ، من خروج الرفقة أو اشهر الحجّ أو التمكّن من المسير .

   وأمّا الجهة الثانية وهي صحّة التصرفات المعجّزة الموجبة لفقد الاستطاعة ، مثل الهبة والعتق أو بيع المال بثمن زهيد لا يفي للحج ، فقد فصّل في المتن بين ما إذا  كان قصده من ذلك التصرّف الفرار من الحجّ فلا يصحّ ، وبين ما إذا  كان قصده لغرض آخر فيصحّ ، وإن كان التصرفّ ملازماً ومقروناً لترك الحجّ ، وقد أخذ هذا ممّا ذكره الفقهاء في عدة مسائل ، منها : ما لو كان مديناً وسافر ، فقد ذكروا أنه لو كان سفره بقصد الفرار عن أداء الدّين كان السفر محرماً ويجب عليه التمام ، وإن سافر بقصد آخر كالزيارة والسياحة فالسفر مباح ، وإن كان ملازماً لعدم أداء دينه ، لأنّ السفر لم يكن موجباً لعدم أداء دينه .

   وقد طبق (قدس سره) هذه الكبرى على المقام ، لأن عنوان الهبة أو البيع لم يكن محرماً في نفسـه ، وإنما الحجّ تركه مبغوض ومحرم وهو غير منطبق على الهبة أو البيع بل البيع أو الهبة ملازم لترك الحجّ ، وذلك لا يوجب حرمة الهبة أو البيع ، بخلاف ما إذا وهب أو باع بقصد الفرار عن الحجّ والتوصل إلى الحرام ، فإنه يكون البيع حينئذ محرماً وفاسداً على مبناه من أن النهي عن المعاملة يقتضي الفساد .

   أقول : قد ذكرنا في الاُصول أن النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد (1) ، وملخص ما ذكرنا هناك : أنّ ما يتصوّر وجوده في المعاملة ، وما يتعلق به النهي اُمور ثلاثة لا رابع لها ، لأنّ النهي إمّا أن يتعلّق بالمبرِز ـ  بالكسر  ـ أو المبرَز ـ  بالفتح  ـ أي اعتبار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 36 .

ــ[105]ــ

نفس المالك ، وإمّا يتعلّق بالاعتبار الشرعي أو العقلائي . والاعتبار القائم بنفس المالك الذي يبزره بمبرِز من اللفظ أو الاشارة يكون موضوعاً لاعتبار الشرع أو العقـلاء فإن المالك يعتبر في نفسه شيئاً كملكية هذه الدار لزيد ثمّ يبرزه بمبرز ويعتبره الشارع أو العقلاء ، وليس وراء ذلك شيء يسمّى بالسبب أو المسبب ، فالموضوع لاعتبار الشارع أو العقلاء انما هو المبرز ـ  بالكسر  ـ والمبرز ـ بالفتح ـ المسمّى عندهم بالمسبب ومن الواضح ان الاعتبار الشرعي أو العقلائي خارج عن تحت اختيار البائع أو المشتري لأنه ليس بفعله .

   وبعبارة اُخرى : الملكية المترتبة على العقد خارجة عن اختيار البائع ، فإنها راجعة إلى الشارع أو العقلاء ولا معنى لتعلق النهي بذلك ، فإن الفعل ليس بفعله حتى يتصور تعلق النهي به ، فما عن أبي حنيفة من أن النهي عن المعاملة يدل على الصحة لا أساس له أصلاً ، إذ لا يتصور النهي عن ذلك حتى يقال بدلالته على الصحّة ، وانما يصح تعلق النهي بالمبرِز ـ بالكسر ـ أو المبرَز ـ بالفتح ـ أو بالمجموع المركّب بينهما الذي هو البيع حقيقة ، ولا يخفى أنّ مجرّد النهي لا يقتضي الفساد ، بل أقصاه دلالته على المبغوضية والحرمة ، كما هو الحال في المحرمات التوصلية كغسل الثوب بالماء المغصوب فإنه وإن كان محرماً ولكن يطهر الثوب بلا إشكال ، والبيع المحرم من هذا القبيل .

   والحاصل : مجرّد الحرمة لا يدلّ على الفساد ، وإنما يدلّ عليه لو تعلّق النهي بعنوان البيع أو عنوان الهبة إرشاداً إلى الفساد كالنهي عن بيع الغرر أو النهي عن بيع ما ليس عنده ونحو ذلك ، ولذا قد تكون المعاملة جائزة ومع ذلك فاسدة لأجل إرشاد النهي وعدم مولويته ، فتلخص أن المعاملات في المقام صحيحة على التقديرين ولكن يستقرّ عليه الحجّ لأنّ التعجيز اختياري .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net