تزاحم الحجّ مع واجب مطلق فوري - الإستطاعة البذليّة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1448


ــ[123]ــ

ولم يمكن الجمع بينه وبين الحجّ ثمّ حصلت الاستطاعة وإن لم يكن ذلك الواجب أهم من الحجّ((1))، لأن العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب ، وأما لو حصلت الإستطاعة أوّلاً ثمّ حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينه وبين الحجّ يكون من باب المزاحمة فيقدم الأهم منهما ، فلو  كان مثل إنقاذ الغريق قدم على الحجّ ، وحينئذ فإن بقيت الإستطاعة إلى العام القابل وجب الحجّ فيه ، وإلاّ فلا إلاّ أن يكون الحجّ قد استقر عليه سابقاً فإنه يجب عليه ولو متسكعاً .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   المقام الثاني : فيما إذا تزاحم الحجّ مع واجب مطلق فوري ، ذكر (قدس سره) أنه إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة ولم يمكن الجمع بينه وبين الحجّ ثمّ حصلت الاستطاعة يقدم ذلك الواجب وإن لم يكن أهم من الحجّ ، لأن العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب ، وأما لو حصلت الاستطاعة أوّلاً ثمّ حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينهما يكون من باب المزاحمة فيقدم الأهم منهما .

   أقول : بناء على ما سلكه من أخذ القدرة الشرعية في الحجّ لا أثر للتقدم الزماني في المزاحمة وعدمها ، لأن الواجب المتقدم كما يدفع موضوع وجوب الحجّ فكذا الواجب المتأخر يرفع موضوع وجوب الحجّ ، إذ لا فرق بين الدفع والرفع وفي انتفاء الموضوع حدوثاً أو بقاء ، فالتفصيل بين سبق الواجب على الاستطاعة وتأخره في غير محله . نعم ، على مسلكنا يقع التزاحم ويقدم الأهم كما عرفت تفصيل ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إذا كانا متساويين ، وأما إذا كان الحجّ أهم فيجب الحجّ ويقدم على غيره .

ــ[124]ــ

   [ 3030 ] مسألة 33 : النذر المعلق على أمر قسمان : تارة يكون التعليق على وجه الشرطية كما إذا قال : «إن جاء مسافري فللّه عليّ أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة» ، وتارة يكون على نحو الواجب المعلق ، كأن يقول : «لله عليّ أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة عند مجيء مسافري» ، فعلى الأوّل يجب الحجّ إذا حصلت الإستطاعة قبل مجي مسافره ، وعلى الثاني لا يجب ((1)) ، فيكون حكمه حكم النذر المنجز في أنه لو حصلت الإستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحجّ سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها ، وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحجّ من دون فرق بين الصورتين ، والسر في ذلك أن وجوب الحجّ مشروط والنذر مطلق ((2)) فوجوبه يمنع من تحقق الإستطاعة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ذكر (قدس سره) أن النذر المعلق على شيء تارة يكون على نحو الواجب المعلق ، واُخرى على نحو الواجب المشروط .

   فإن كان على نحو التعليق يقدم النذر على الحجّ مطلقاً ، سواء حصلت الاستطاعة قبل مجيء المعلق عليه أو بعده ، لأن وجوب النذر فعلي وأسبق من وجوب الحجّ والعبرة بالأسبق زماناً ، مثلاً لو نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في عرفة عند مجيء مسافره ، وحصلت الاستطاعة قبل مجيء المسافر يقدم النذر ، وحاله حال النذر المنجز في أنه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحجّ ، وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحجّ ، لأنّ وجوب النذر الفعلي يمنع من تحقق الاستطاعة ، وأما إذا  كان التعليق على نحو الشرطية يجب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة ، قبل مجيء مسافره وذلك لعدم الوجوب الفعلي للنذر ، لأنّ الوجوب في الواجب المشروط متأخر وإنما الانشاء فعلي ، فحينئذ لا مانع من فعلية وجوب الحجّ .

   أقول : قد ذكرنا في بحث الاُصول أن الواجب المعلق وإن كان أمراً معقولاً ولكنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأظهر الوجوب فيه وفيما بعده .

(2) بل الأمر بالعكس على ما بيناه في محله .

ــ[125]ــ

   [ 3031 ] مسألة 34 : إذا لم يكن له زاد وراحلة ولكن قيل له : حجّ وعليّ نفقتك ونفقة عيالك وجب عليه ، وكذا لو قال : حجّ بهذا المال وكان كافياً له ـ  ذهاباً وإياباً  ـ ولعياله ، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملِّكها إيّاه ، ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها ، ولا بين أن يكون البذل واجباً عليه بنذر أو يمين أو نحوهما أو لا ، ولا بين كون الباذل موثوقاً به أو لا على الأقوى، والقول بالإختصاص بصورة التمليك ضعيف (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يرجع إلى الواجب المشروط غاية الأمر أنه مشروط بالشرط المتأخر (1) ، فعلى ما سلكه المصنف (قدس سره) من أخذ القدرة الشرعية في الحجّ لا بدّ من التفصيل بين الشرط المقارن والمتأخر ، فإن كان الشرط ـ مثل مجيء المسافر ـ اُخذ شرطاً مقارناً وكانت الاستطاعة قبل حصول الشرط وجب الحجّ ، وإن كان الشرط اُخذ شرطاً متأخراً وكان وجوب الوفاء بالنذر فعلياً سقط وجوب الحجّ وإن كانت الاستطاعة قبل حصول الشرط ، لأنّ وجوب الوفاء بالنذر أسبق من الاستطاعة ، فلا فرق بين الواجب التعليقي والمشروط بالشرط المتأخر ، والعبرة في سقوط الحجّ إنما هي بتقدّم وجوب الوفاء بالنذر على الاستطاعة .

   وأمّا على ما سلكناه فلا فرق بين جميع الأقسام ، ويقدم الحجّ لكونه مطلقاً لم يعتبر فيه سوى الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة ، بخلاف النذر فإنه مشروط بعدم كونه محلِّلاً للحرام ومحرِّماً للحلال ، وأن يكون قابلاً للإضافة إليه تعالى فينحل النذر .

   (1) في هذه المسألة اُمور :

   الأوّل : لا خلاف بين الأصحاب في وجوب الحجّ بالبذل سواء قيل له : حجّ وعليّ نفقتك ، أو أعطاه المال ليحج به ، فإذا رفض ولم يأت بالحج استقر عليه الحجّ ، وقد ادعي عليه الاجماع ، وتدل عليه عدة من الروايات المعتبرة .

   منها : صحيحة العلاء على ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد قال : «سألت أبا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 348 .

ــ[126]ــ

عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ : «ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا» قال : يكون له ما يحج به ، قلت : فمن عرض عليه فاستحيى ؟ قال : هو ممّن يستطيع»(1) .

   نقل صاحب الوسائل هذه الرواية عن الصدوق(2) ثمّ قال : وزاد الصدوق «قلت : فمن عرض عليه فاستحيى الخ» ، ولكن هذه الزيادة موجودة في رواية الشيخ(3) عن محمّد بن مسلم أيضاً ، وليست مختصّة برواية الصدوق .

   ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم على ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم ابن معاوية بن وهب عن صفوان عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى ؟ قال : هو ممن يستطيع الحجّ ولِمَ يستحيى ولو على حمار أجدع أبتر ، قال : فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل» (4) .

   تنبيه حول سند هذه الصحيحة : روى صاحب الوسائل هذه الرواية بهذا السند ولكن الموجود في نسخ التهذيب المتدوالة الموجودة عندنا موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان(5) ولعلّ نسخة التهذيب الموجودة عند صاحب الوسائل كانت مطابقة لما في الوسائل ، والصحيح ما أثبته في الوسائل ونسخة التهذيب مغلوطة وذلك فإن موسى بن القاسم وإن كان قد يروي عن جده معاوية بن وهب أحياناً وقد صرح في بعض الروايات برواية موسى بن القاسم عن جدِّه معاوية بن وهب ولكن في هذا السند لا يمكن أن يروي عن جده معاوية بن وهب ، لأنّ معاوية بن وهب في هذا السند روى عن صفوان ، وروايته عنه غير ممكنة عادة لأن معاوية بن وهب أقدم طبقة من صفوان لكونه من أصحاب الصادق (عليه السلام) وصفوان من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 2 .

(2) التوحيد : 349 / 10 .

(3) التهذيب 5 : 3 / 4 .

(4) الوسائل 11 : 39 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 1 .

(5) التهذيب 5 : 3 / 4 .

ــ[127]ــ

أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) ، وكيف يمكن رواية من كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) عن أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) فالثابت في السند كما في الوسائل ، فانّ رواية موسى بن القاسم عن صفوان كثيرة جدّاً .

   ومنها : صحيح الحلبي في حديث قال «قلت له فإن عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً ؟ قال : نعم ، ما شأنه يستحي ولو يحج على حمار أجدع أبتر» (1) .

   ومنها : صحيح معاوية بن عمار في حديث «قال : فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى فلم يفعل ، فإنه لا يسعه إلاّ أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر» (2) .

   وربما يقال : لا مجال للعمل بكثير من هذه الروايات لعدم إمكان العمل بها والالتزام بمضمونها ، لأنها تدل على وجوب الحجّ بالبذل وإن استلزم العسر والحرج وكان مخالفاً لشأنه وشرفه بالركوب على حمار أجدع أبتر وأن يمشي بعضاً ويركب بعضاً ، والمتسالم عندهم عدم وجوب الحجّ ولو بالبذل في الفرض المزبور .

   وفيه : ما أشرنا إليه سابقاً ، أن هذه الأخبار ولو بقرينة الصحيحة الأخيرة محمولة على من استقر عليه الحجّ بالبذل وأنه ليس له رفض البذل ولا يسعه ذلك ، وإذا رفض واستحيى يستقر عليه الحجّ وعليه أن يحج ولو متسكعاً . وبالجملة الأمر بتحمل العسر والمشقة في هذه الروايات بعدما استطاع بالبذل واستحيى ولم يقبل وترك الحجّ ، فإنه يستقر عليه الحجّ حينئذ ، وليس المراد من النصوص وجوب الحجّ عليه وإن بذل له حمار أجدع أبتر يستحيي أن يركبه .

   ويمكن أن يستدل لكفاية الاستطاعة البذلية بنفس الآية الشريفة «ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً» (3) فإن الظاهر منها كفاية مطلق الاستطاعة والقدرة إلاّ أن الروايات فسرتها بأنها ليست هي القدرة الفعلية بل هي قدرة خاصة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الج ب 10 ح 5 .

(2) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب بالحج ب 10 ح 3 .

(3) آل عمران 3 : 97 .

ــ[128]ــ

كالتمكّن من الزاد والراحلة مع تخلية السِرب وصحّة البدن ، فإطلاق الآية يشمل الاستطاعة البذلية ، لصدق الاستطاعة المفسرة على البذل أيضاً .

   وربما يناقش في الإستدلال بالآية بأن الاستطاعة المذكورة فيها وإن كانت في نفسها صادقة على البذل ، ولكن الروايات فسرتها بملكية الزاد والراحلة ، لظهور اللاّم في قوله (عليه السلام) : «له زاد وراحلة» في الملكية ، وبعض الروايات وإن كان مطلقاً ولكن وجب تقييده بما دل على الملكية ، فلا تشمل البذل وإباحة الزاد والراحلة .

   وفيه : أوّلاً : ما عرفت من أنه لا موجب لحمل المطلق على المقيد وتقييد إطلاق ما يحج به بالملكية ، لعدم التنافي بين حصول الاستطاعة بالملكية وحصولها بالاباحة والبذل كما يقتضيه إطلاق قوله : «ما يحجّ به» ، أو «عنده ما يحجّ به» ، وإنما يحمل المطلق على المقيّد للتنافي بينهما كما إذا وردا في متعلقات الأحكام بعد إحراز وحدة المطلوب ، وأمّا مجرّد المخالفة في الموضوع من حيث السعة والضيق فلا يوجب التقييد فلا منافاة بين حصول الاستطاعة بالملك وحصولها بالاباحة والبذل .

   وثانياً : أن الروايات المفسرة للآية مختلفة ، ففي بعضها عبر بمن له زاد وراحلة الظاهر في الملكية ، وفي بعضها ورد ما يحج به أو عنده ما يحجّ به ، أو يجد ما يحج به الظاهر في الأعم من الملك والاباحة (1) فيقع التعارض في الروايات المفسرة والمرجع إطلاق الآية ، والقدر المتيقن في الخروج عن إطلاقها من لا مال له ولا بذل له ، وهذا ممّن لا يجب عليه الحجّ قطعاً وإن كان قادراً عليه بالقدرة العقلية ، ويبقى الباقي وهو من اُبيح له المال للحج مشمولاً للآية .

   وثالثاً : أن حرف اللام لا تدل على الملكية وإنما تدل على الاختصاص وهو أعم من الملكية كما في قوله تعالى : (للهِِ الأمر من قبل ومن بعد )(2) .

   وبالجملة : نفس الآية الشريفة متكفلة لوجوب الحجّ بالبذل ، والروايات لا تخالف ذلك ، خصوصاً صحيحة معاوية بن عمّار الظاهرة بل الصريحة في كفاية البذل على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 .

(2) الروم 30 : 4 .

ــ[129]ــ

وجه الاباحة كما هو الحال في الضيف ، فلا ينبغي الريب في ثبوت الاستطاعة بالبذل والاباحة .

   الأمر الثاني : الظاهر ثبوت الاستطاعة بمطلق البذل ، ولا يعتبر فيه قيد وشرط آخر لظاهر الروايات . ونسب إلى بعضهم اعتبار كون البذل على وجه التمليك فلا يكفي مجرد الإباحة وجواز التصرف ، ولم يعلم وجهه فإن إطلاق النصوص يدفعه ، بل الاباحة أظهر دخولاً في إطلاق الروايات من التمليك ، فإن قوله : «فان عرض عليه الحجّ» أو قوله : «دعاه قوم أن يحجوه» (1) ظاهر في خصوص الاباحة .

   ونسب إلى بعضهم القول باختصاص البذل بما إذا كان البذل واجباً عليه بنذر أو يمين ونحو ذلك ، فلو كان البذل غير واجب لا يجب الحجّ على المبذول له كما عن العلامة (قدس سره) معللاً بأنه لا يمكن تعليق الواجب على غير الواجب (2) .

   ولعله (قدس سره) أراد معنى لم يظهر لنا واقعه ، وإلاّ فهذا الكلام لا ينبغي صدوره من مثل العلاّمة (قدس سره) وهو أجل شأناً من هذا الكلام .

   وكيف يمكن القول بعدم جواز تعليق الواجب على غير الواجب ، فإن تعليق الواجب على غير الواجب في الأحكام كثير جداً ، فإن وجوب القصر معلق على السفر المباح ، ووجوب التمام معلق على الاقامة حتى المباحة ، وكذا وجوب الصوم معلق على الاقامة ، ووجوب الانفاق على الزوجة معلق على النكاح الجائز في نفسه وهكذا وهكذا ، بل دخول غير الواجب في موضوع الروايات أظهر لأن البذل غير الواجب أكثر وأغلب من البذل الواجب .

   وأمّا اعتبار الوثوق في استمرار البذل ، فلم يعرف وجهه أيضاً وحال البذل حال المال الموجود الموجب للاستطاعة ، ولا يعتبر الوثوق بالبقاء في المال فهكذا في البذل لعدم الفرق بين البابين من هذه الجهة ، فلو شك في تلف المال أو ظن به لا يسقط الواجب ولا يوجب ذلك رفع اليد عن الواجب ، وكذلك الحال في البذل . نعم ، لو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 3 .

(2) التذكرة 7 : 62 .

ــ[130]ــ

اعتقد عدم الاستمرار أو كان واثقاً به لا يجب الحجّ ، لأنّ مرجع ذلك إلى عدم تحقق البذل وعدم عرض الحجّ عليه ، ويكون وعده حينئذ مجرد كلام وصورة للبذل ولا واقع له كالمال الموجود الذي يعلم بتلفه فإنه لا يجب الحجّ حينئذ من أوّل الأمر .

   والحاصل : أنه لا فرق بين البذل والمال الموجود في حصول الاستطاعة بهما ، ولا يعتبر الوثوق بالبقاء فيهما ، فكلا الأمرين من هذه الجهة من باب واحد .

   الثالث : لا فرق في حصول الاستطاعة بالبذل بين بذل نفس المال أو بذل بدله لصدق عرض الحرج على ذلك ، فما عن بعضهم من اشتراط بذل عين الزاد والراحلة ولو بذل أثمانهما لم يجب عليه القبول ، ممّا لا وجه له أصلاً .

   الرابع : لو كان له بعض النفقة فبذل له البقية والمتمم يجب عليه القبول أيضاً لصدق الاستطاعة بذلك ، لأن الاستطاعة لا تنحصر ببذل تمام النفقة ، بل لو بذل له المتمم يصدق أن عنده ما يحج به أو يجد ما يحج به ، هذا مضافاً إلى الارتكاز العقلائي ، بيانه : أن الحجّ يجب بالاستطاعة المالية وكذلك يجب بالاستطاعة البذلية ، فيجب الحجّ بالجامع بين المال الموجود الوافي للحج وبين البذل الوافي للحج ، والعبرة بتحقق الجامع ، ولا فرق في وجود الجامع بين وجوده في ضمن كل فرد مستقلاً أو منضماً فإن الميزان وجود الجامع ، ولا إشكال في تحققه بوجوده في كل فرد بالاستقلال أو بضم بعض الفردين بالفرد الآخر .

   الخامس : هل تعتبر نفقة العود في الاستطاعة البذلية أم لا ؟ اختار المصنف اعتبارها ، فلو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب عليه الحجّ .

   وما ذكره (قدس سره) على إطلاقه غير تام ، بل يجري فيه جميع ما تقدم في الاستطاعة المالية ، ولا خصوصية للبذل فإن البذل محقق للاستطاعة ، فإن استلزم عدم العود الحرج يعتبر بذل نفقة العود ، وإن كان بقاؤه في مكّة أو ذهابه إلى بلد آخر غير حرجي فلا تعتبر نفقة العود ، فالميزان هو الحرج وعدمه ، وحال نفقة العود في المقام كنفقة العود في الاستطاعة المالية .

   ودعوى أن أدلّة البذل منصرفة عما لم يبذل نفقة العود والإياب ، لا شاهد عليها وعهدتها على مدعيها .

ــ[131]ــ

كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه أو بأحد الأمرين من التمليك أو الوجوب . وكذا القول بالاختصاص بما إذا  كان موثوقاً به ، كل ذلك لصدق الاستطاعة وإطلاق المستفيضة من الأخبار ، ولو كان له بعض النفقة فبذل له البقية وجب أيضاً ، ولو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب ((1)) وكذا لو لم يبذل نفقة عياله إلاّ إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود أو كان لا يتمكن من نفقتهم مع ترك الحجّ أيضاً .
ــــــــــــــــ

(1) الحال فيه هو الحال في الاستطاعة المالية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net