حكم البذل لواحد لا بعينه - لكلام في أنّ ثمن الهدي والكفارات على الباذل أو المبذول له 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1850


ــ[144]ــ

   [ 3040 ] مسألة 43 : إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم كفاية ، فلو ترك الجميع استقر عليهم الحجّ فيجب على الكل ، لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكل ، نظير ما إذا وجد المتيممون ماء يكفي لواحد منهم فإن تيمم الجميع يبطل (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرجوع في المال المبذول ، وهذا لا ينافي ضمان مصارف العود كما عرفت ذلك بما لا مزيد عليه .

   (1) ما ذكره هو الصحيح ، وإن كان بين المقام وباب التيمم فرق ما ، وربما يقال بأنّ الاستطاعة إما ملكيّة أو بذلية ، وشيء منهما غير متحقق في المقام ، أما انتفاء الملكية فواضح ، وأما البذلية فلعدم شمول نصوص البذل للمقام ، لأنّ البذل أو عرض الحجّ إنما يتحقق بالنسبة إلى الشخص الخاص ، وأما العرض لواحد لا بعينه فغير مشمول للروايات ، ولا يقاس المقام بباب التيمم لأن وجدان الماء موجب للبطلان وكل واحد واجد للماء على تقدير عدم أخذ الآخر ، والاستطاعة في باب الحجّ ليست كذلك فالتنظير في غير محله .

   وفيه : أن البذل للجامع بما هو جامع وإن كان لا معنى له لعدم إمكان تصرف الجامع في المال وإنما التصرف يتحقق بالنسبة إلى الشخص ، إلاّ أن البذل في المقام يرجع في الحقيقة إلى البذل إلى كل شخص منهما أو منهم ، غاية الأمر مشروطاً بعدم أخذ الآخر ، لعدم الترجيح في الفردين المتساويين، كما إذا بذل الوالد مالاً لأحد أولاده وقال لهم : يحج به أحدكم ، فإن معنى ذلك أن من أخذه منكم يجب عليه الحجّ ولا يجب على الآخر ، وأما إذا لم يأخذه واحد منهم فالشرط حاصل في كل منهم ويستقر عليهم الحجّ نظير مسألة التيمم .

   نعم ، يبقى بيان الفرق بين مسألة التيمم والمقام ، وحاصله : أنه في باب التيمم يجب السبق إلى أخذ الماء إذا  كان أحدهم متمكناً من الغلبة وأخذ الماء وطرد الباقي ، لكونه

ــ[145]ــ

   [ 3041 ] مسألة 44: الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل ، وأما الكفّارات فإن أتى بموجبها عمداً اختياراً فعليه، وإن أتى بها اضطراراً أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد وغيره ففي كونه عليه أو على الباذل وجهان (1) ((1)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واجداً للماء لقدرته على الماء وتمكنه منه ، بخلاف الآخر فإنه غير قادر وغير متمكن من الماء ، وأما في المقام فلا يجب التسابق لأخذ المال ، لأن المفروض أن البذل على نحو الواجب المشروط وتحصيل الشرط غير واجب .

   والحاصل : أن البذل في المقام يرجع إلى الشخصي ، فإن الاُمور الاعتبارية كالملكية وإن كانت قابلة للتعلق بالكلي كالصاع من الصبرة ، كما أن موضوعها يعني المالك قد يكون شخصياً كزيد وعمرو وقد يكون كلياً كالجهات ، بل قد يكون ميتاً كثلث الميت وقد يكون جامداً كالوقف على المسجد ، وأما الأمر الخارجي التكويني كالبذل وعرض الحجّ فلا يمكن تعلقه بالكلي الجامع ، فلا بدّ من إرجاع ذلك إلى الشخصي غاية الأمر مشروطاً بعدم صرف الآخر ولو بنحو الشرط المتأخر ، بمعنى أنه لو لم يأخذه الآخر أو لم يصرفه الآخر وجب عليه الصرف ، فإن سبق أحدهم وأخذه وصرفه في الحجّ يسقط الحجّ عن الآخر ، وأمّا لو لم يصرفه لم يسقط عن الآخر بل يجب عليه الأخذ منه والصرف في الحجّ ، لأنّ الشرط ـ وهو عدم الصرف ـ حاصل فيجب عليه الحجّ بالفعل لفعلية الشرط ، فما ذكره المصنف هو الصحيح وإن مال إلى خلافه صاحب الجواهر (2) .

   (1) أمّا الكفّارات العمدية فليس شيء منها على الباذل ، لأنّ الباذل لم يلتزم بشيء من ذلك ، وإنما صدر موجبها من المبذول له باختياره فهي عليه ، وأما غير العمدية ـ  وإن كانت قليلة جدّاً ، لأنّ كفّارات الحجّ أكثرها في صورة العمد ولكن بعضها أعم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر عدم وجوبه على الباذل .

(2) الجواهر 17 : 269 .

ــ[146]ــ

من العمد والخطأ كالصيد  ـ فقد توقف المصنف (قدس سره) فيها في كونها عليه أو على الباذل ، والظاهر أنه لا موجب للتوقف بل حالها حال الكفّارات العمدية ، لأن الباذل إنما بذل مصارف الحجّ وتعهده بنفقاته ، والكفّارات ليست من أجزاء الحجّ وأعماله ، ولم يلتزم الباذل بشيء من الكفّارات ولم يصدر موجبها بأمره وإذنه . وبالجملة : الباذل إنما هو ملتزم بمصارف الحجّ لا بهذه الاُمور الخارجة عن أعماله .

   وأما ثمن الهدي فلا بدّ أوّلاً من تحقيق أن بذل الحجّ دون الهدي هل يوجب الحجّ عليه وهل يجب عليه القبول ولو بأن يلتزم المبذول له بثمن الهدي أو يأتي ببدله وهو الصوم ، أو لا يجب إلاّ مع بذل ثمن الهدي ؟

   الظاهر أنه لا بدّ من بذل ثمن الهدي ، لأنّ عرض الحجّ وبذله إنما يتحقق ببذل تمام أجزائه وواجباته ، وإلاّ فلم يعرض عليه الحجّ بل عرض بعض الحجّ . نعم ، إذا كانت الاستطاعة ملفقة من الملكية والبذلية يجب عليه صرف ماله في الهدي ، وأما الاستطاعة المتمحضة في البذل فلا بدّ من بذل الهدي أيضاً ، لأن الظاهر من عرض الحجّ ـ  كما عرفت  ـ عرض تمام الحجّ لا بعضه ، ولا ينتقل الأمر إلى البدل وهو الصوم لأنه في مورد العذر .

   وبالجملة : نلتزم في الاستطاعة البذلية ببذل ثمن الهدي أيضاً لأنه من الحجّ ، كما نلتزم بوجدان ثمنه في الاستطاعة الملكية ، فإنه لا يصدق عنوان الاستطاعة إلاّ بالتمكن من الهدي ، ومن لم يكن متمكناً من ثمن الهدي من أوّل الأمر لا يكون مستطيعاً ولا ينتقل الأمر إلى البدل ، فإن قوله : ما يحج به أو يقدر على مال يحج به أو يجد ما يحج به وغير ذلك من التعابير الواردة في النصوص إنما يختص بما إذا حصل المال بمقدار جميع مصارف الحجّ ، فإذا كان المال لا يفي بتمام المصارف يسقط وجوب الحجّ ، وكذلك الحال في البذل ، فإذا بذل الباذل دون ثمن الهدي فلم يبذل له الحجّ ولا يجب عليه القبول ، ولا يكون حجّه حجّ الإسلام إذا قبل ، لعدم حصول الاستطاعة للحج بالبذل الناقص .

ــ[147]ــ

   [ 3042 ] مسألة 45 : إنما يجب بالبذل الحجّ الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة فلو بذل للآفاقي بحجّ القران أو الإفراد أو لعمرة مفردة لا يجب عليه وكذا لو بذل للمكي لحج التمتع لا يجب عليه ، ولو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام لم يجب عليه ثانياً ، ولو بذل لمن استقر عليه حجّة الإسلام وصار معسراً وجب عليه ، ولو كان عليه حجّة النذر أو نحوه ولم يتمكن فبذل له باذل وجب عليه (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فرع : لو بذل ثمن الهدي والتزم به ثمّ رجع وعدل عنه فلا ريب في وجوب إتمام الحجّ على المبذول له ، وليس حاله كما إذا رجع الباذل عن بذله بعد الاحرام في عدم وجوب الاتمام وجواز رفع اليد عن الاحرام ، لما عرفت من أن الإتمام إنما يجب بالعنوان الذي أوقعه وأتى به أوّلاً فهناك ينقلب ندباً ، ولا دليل على وجوب الإتمام حينئذ ، فإن ما بدأ به أتى به بعنوان حجّة الإسلام وبقاء ليس بحج الإسلام ، بخلاف المقام فإنه متمكن من إتمام حجّة الإسلام ولو بشراء الهدي أو الصوم ، ولو عجز عنهما يجري عليه حكم العاجز عنهما .

   والحاصل : لا يسقط عنه الحجّ لأنه متمكن من الإتمام ، فإنّ ما أتى به من الأعمال السابقة فقد أتى به بعنوان حجّ الإسلام فهو متمكن من إتمام الحجّ بالعنوان الذي أوقعه أوّلاً وعليه الهدي أو بدله ، وإذا أتمّه بشراء الهدي فله الرجوع إلى الباذل ، لأنه ضامن لأنه هو الذي أوقعه في هذه الأعمال وكان إتيانها بأمره وإذنه وإن كان له الرجوع فيما بذله بمقدار الهدي ، لما عرفت من أن ضمان المصارف لا ينافي جواز الرجوع فيما بذله .

   (1) ذكر في هذه المسألة اُموراً :

   الأوّل : يجب بالبذل الحجّ الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة ، فلو بذل للآفاقي حجّ القران أو الإفراد ولأهل مكّة حجّ التمتع لا يجب ، كما لو كان له مال لا يفي للحجّ الذي هو وظيفته وبذل له باذل مصارف الحجّ الذي ليس من وظيفته ، فما هو

ــ[148]ــ

واجب عليه غير مستطيع له وما هو مستطيع له غير واجب عليه .

   وبالجملة : البذل لا يغيِّر وظيفته من وجوب حجّ التمتع أو القران والإفراد وإنما البذل يوجب دخوله في موضوع الاستطاعة ، وببركة الروايات التزمنا بأن الاستطاعة ليست منحصرة بالمالية بل هي أوسع من ذلك وأعم من المالية والبذلية فلا فرق بين المستطيع المالي والبذلي في الوظائف المقررة له إلاّ من حيث توسعة الاستطاعة ، وأما من حيث الوظيفة المقررة له فلا فرق بين حصول الاستطاعة بالمال أو بالبذل .

   الثاني : لو بذل له مصرف العمرة المفردة لا يجب عليه القبول ، لأنه لو كان له مال لا يجب عليه العمرة فكيف بالبذل ، والسر ما ذكرنا من أن البذل لا يغيِّر وظيفة المبذول له ، ولذا لا يجب بالبذل الحجّ على من حجّ حجّة الإسلام .

   الثالث : لو استقر عليه الحجّ ووجب عليه الاتيان ولو معسراً متسكعاً وجب عليه قبول البذل ، لا لأجل شمول أخبار البذل للمقام ، فإن تلك الأدلة في مقام بيان اعتبار الاستطاعة الخاصة في الحجّ وأما وجوب الحجّ في المقام فلم يعتبر فيه الاستطاعة الخاصة المفسرة في الروايات ، بل حاله حال سائر الواجبات الإلهية من اعتبار القدرة العقلية فيها ، فيفترق وجوب الحجّ على من استقر عليه عن وجوب حجّة الإسلام ولذا لو وهب له مال على نحو الاطلاق يجب عليه القبول ، وكذا لو فرض أنه يتمكن من بيع ماله من شخص بأزيد من قيمته المتعارفة ويتمكن بذلك من أن يذهب إلى الحجّ وجب عليه البيع منه ولو بالاستدعاء منه ، لأن المفروض أن هذا الحجّ ليس حجاً استطاعياً حتى يقال بعدم وجوب البيع لأنه تحصيل للاستطاعة ، وإنما وجب عليه الاتيان به لاشتغال ذمته ولزوم تفريغها بحكم العقل كوجوب الاتيان بسائر الواجبات الإلهية ، بل يجب عليه الحجّ ولو بتحصيل الاستطاعة بالكسب في الطريق ولذا لو وجب عليه الحجّ بنذر وشبهه ولم يتمكن من أدائه وجب عليه التحصيل بالكسب أو بقبول الهدية ، والسر ما ذكرنا من أن الاستطاعة الخاصة إنما هي معتبرة

ــ[149]ــ

وإن قلنا ((1)) (1) بعدم الوجوب لو وهبه لا للحجّ ، لشمول الأخبار من حيث التعليل فيها بأنه بالبذل صار مستطيعاً ، ولصدق الإستطاعة عرفاً .
ــــــــــــــــــــــ

في حجّ الإسلام ، وأمّا سائر أقسام الحجّ الواجبة فلا يعتبر فيها إلاّ القدرة العقلية المعتبرة في سائر الواجبات .

   (1) هذه العبارة إلى آخرها لا ترتبط بهذه المسألة أصلاً ، وإنما هي من ذيل المسألة الآتية ويناسب ضبطها في ذيل تلك المسألة ، وذكرها هنا من اشتباه النساخ ، وقد اشتبه الأمر على كثير من الأعلام ولذا أشكلوا عليه بأن التعليل بشمول الأخبار وصدق الاستطاعة لا يرتبط بما ذكره في هذه المسألة ، بل ذكر بعضهم بأنه ما كان يؤمل من المصنف (قدس سره) صدور مثل ذلك منه ، فالتعليل بشمول الأخبار وصدق الاستطاعة يرجع إلى وجوب الحجّ إذا خيّره بينه وبين زيارة الحسين (عليه السلام) .
ـــــــــــــــ

(1) هذه العبارة إلى آخرها متممة للمسألة الآتية ، وقد وضعت هنا اشتباهاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net