الحجّ من مال الولد - عدم وجوب صرف الشخص خصوص ماله في الحجّ إذا كان مستطيعاً 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1582


ــ[163]ــ

مسلم : «إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذنه» (1) وصحيحة سعيد بن يسار : «وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلاّ بإذنه» (2) .

   إنما الكلام في جواز أخذ الوالد من مال ولده للحج أو وجوب ذلك كما حكي عن الشيخ (قدس سره) بل نسبه إلى أصحابنا ، قال (قدس سره) : روى أصحابنا إذا كان له ولد له مال وجب عليه أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به ويجب عليه إعطاؤه . واستدل الشيخ في الخلاف على ما ذهب إليه :

   أوّلاً : بالأخبار المروية في هذا المعنى ، قال : وذكرناها في الكتاب الكبير ـ أي التهذيب ـ وليس في الأخبار ما يخالفها .

   وثانياً : بقوله (صلّى الله عليه وآله) : «أنت ومالك لأبيك» فإذا كان مال الابن مال الأب فقد وجد الاستطاعة فوجب عليه الحجّ (3) .

   أقول : ليس في كتاب التهذيب من الأخبار الدالة على ما ذهب إليه (قدس سره) إلاّ صحيحة سعيد بن يسار ، والمقدار الموجود منها لا يدل على مذهب الشيخ لأن المذكور فيها الولد الصغير ، ومن المعلوم جواز تصرف الولي في مال الصغير إذا كان بالمعروف . على أن السؤال في الصحيح عن الجواز وعدمه لا الوجوب فهذه الصحيحة لا تفيد الشيخ ، فقد روى في الصحيح عن سعيد بن يسار «أيحج الرجل من مال ابنه وهو صغير ؟ قال : نعم ، قلت يحج حجّة الإسلام وينفق منه ؟ قال : نعم بالمعروف ، ثمّ قال : نعم يحج منه وينفق منه ، إن مال الولد للوالد» (4) ومحل الاستشهاد ذيل الحديث ، فإن الظاهر منه أن مال الولد للوالد لا من جهة الولاية بل بحكم الشارع بذلك ، فيجب عليه الحجّ لأنه ذو مال .

   ورواه أيضاً بسند آخر وفي ذيله : «إن رجلاً اختصم هو ووالده إلى النبي (صلّى الله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 262 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 1 .

(2) الوسائل 17 : 264 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 4 .

(3) الخلاف 2 : 250 / المسألة 8 .

(4) الوسائل 17 : 264 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 4 .

ــ[164]ــ

عليه وآله وسلّم) فقضى أن المال والولد للوالد» (1) ، والمستفاد منه عدم اختصاص جواز الأخذ بمورد الحجّ ، لأنّ مال الولد لوالده يتصرّف فيه ما يشاء من الحجّ والانفاق .

   ومما يدل على جواز التصرّف في مال الولد للوالد مطلقاً من دون اختصاص بالحج صحيح محمّد بن مسلم «عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه ، قال : يأكل منه ما يشاء من غير سرف ، وقال : في كتاب علي (عليه السلام) إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذنه ، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها ، وذكر أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لرجل : أنت ومالك لأبيك» (2) . وصحيح علي بن جعفر : «سألته عن الرجل يكون لولده الجارية أيطؤها ؟ قال : إن أحبّ ، وإن كان لولده مال وأحب أن يأخذ منه فليأخذ»(3) فهذه جملة من الروايات الدالّة على جواز أخذ الوالد من مال ولده للحج أو مطلقاً .

   وبإزائها روايات تدلّ على عدم الجواز إلاّ عند الحاجة والاضطرار أو عند عدم إنفاق الولد .

   منها : صحيح ابن سنان قال : «سألته يعني أبا عبدالله (عليه السلام) ماذا يحل للوالد من مال ولده ؟ قال : أما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئاً ، وإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلاّ أن يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه ثمّ قال : فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحب أن يقتضيها فليقومها على نفسه قيمة ثمّ ليصنع بها ما شاء إن شاء وطئ وإن شاء باع»(4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 91 / أبواب وجوب الحجّ ب 36 ح 1 .

(2) الوسائل 17 : 262 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 1 .

(3) الوسائل 17 : 266 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 10 .

(4) الوسائل 17 : 263 /  أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 3 .  وفي التهذيب 6 : 345 / 968 ، والاستبصار 3 : 50 / 163 «يفتضها» بدل «يقتضيها» .

ــ[165]ــ

   ومنها : صحيح أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لرجل : أنت ومالك لأبيك ، ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه مما لا بدّ منه ، إن الله لا يحب الفساد» (1) . ونوقش في السند بأن الحسن بن محبوب لم يدرك الثمالي فتكون الرواية مرسلة ضعيفة ، فإن ثبت ذلك ففي غيرها غنى وكفاية .

   ومنها : صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما يحل للرجل من مال ولده ؟ قال : قوته بغير سرف إذا اضطر إليه ، قال فقلت له : فقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للرجل الذي أتاه فقدّم أباه فقال له : أنت ومالك لأبيك ؟ فقال : إنما جاء بأبيه إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال : يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن اُمي ، فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه وقال : أنت ومالك لأبيك ، ولم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحبس الأب للابن» (2) .

   ويظهر من نفس الرواية أنه لا يمكن الأخذ بظاهر قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإطلاقه ، لأنه ورد في قضية شخصية ومورد خاص وليس في مقام بيان الحكم الشرعي على إطلاقه ، فلا بدّ من حمل كلامه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على حكم أدبي أخلاقي ونحو ذلك من المحامل ، فإن صدر الرواية صريح في عدم الجواز إلاّ بمقدار الضرورة وعدم السرف ، وأجاب (عليه السلام) عما اعترض عليه السائل الذي استشهد بكلام النبي (صلّى الله عليه وآله) بأن حكم النبي (صلّى الله عليه وآله) وقضاءه إنما كان في واقعة خاصة فلا يمكن الأخذ بظاهر كلامه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإطلاقه .

   وبالجملة : ظاهر هذه الروايات عدم جواز التصرّف للوالد في مال ولده فتقع المعارضة بين الطائفتين. وممّا يؤيد أو يؤكد دلالة هذه الروايات على عدم الجواز، أمره

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 263 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 2 .

(2) الوسائل 17 : 265 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 8 .

ــ[166]ــ

مع إمكان حمله على الإقتراض من ماله مع استطاعته من مال نفسه أو على ما إذا كان فقيراً وكانت نفقته على ولده ولم يكن نفقة السفر إلى الحجّ أزيد من نفقته في الحضر إذ الظاهر الوجوب حينئذ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عليه السلام) بتقويم جارية الولد إذا أراد الوالد وطئها ، ولو كانت الجارية مال الوالد لما احتاج جواز وطئها إلى التقويم وحساب القيمة للولد .

   وهكذا الحال في صحيحة إسحاق بن عمار ، قال : «سألته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه ؟ قال : نعم ، وإن كان له جارية فأراد أن ينكحها قوّمها على نفسه ، الحديث» (1) ، فإن التقويم يكشف عن عدم كونها ملكاً ومالاً للوالد ، غاية الأمر للوالد الولاية على أخذ الجارية بعد التقويم إذا لم يمسها الابن .

   وكيف كان ، تقع المعارضة بين الطائفتين ، ولا بدّ من إعمال قواعد التعارض ومقتضاها الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة الدالّة على عدم جواز التصرف في مال أحد إلاّ بإذنه ، فالنتيجة تقديم الطائفة الثانية ، ولو ناقشنا في الترجيح بالكتاب في خصوص المقام فلا تصل النوبة إلى التخيير ، لما ذكرنا في محله أنه لا دليل على التخيير بين الخبرين المتعارضين ، فيتحقق التعارض بين الطائفتين وتتساقطان ، والمرجع بعد ذلك هو العمومات والاطلاقات العامة الدالة على عدم جواز التصرف في مال أحد إلاّ باذنه .

   نعم ، يجوز للوالد وطء جارية ولده بعد التقويم ، وله الولاية في خصوص ذلك حتى إذا كان الولد كبيراً لإطلاق النص ، وحمله على كون الولد صغيراً بعيد جدّاً ، لذكر الرجل في صحيح إسحاق بن عمار المتقدم : «وإن كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها» إذ من الواضح أن الرجل لا يطلق على الصبي والولد الصغير .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 268 / أبواب ما يكتسب به ب 79 ح 2 .

ــ[167]ــ

   [ 3057 ] مسألة 60 : إذا حصلت الإستطاعة لا يجب أن يحج من ماله (1) ، فلو حجّ في نفقة غيره لنفسه أجزأه ، وكذا لو حجّ متسكعاً ، بل لو حجّ من مال الغير غصباً صح وأجزأه . نعم إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه من المغصوب لم يصحّ ((1)) ، وكذا إذا كان ثمن هديه غصباً (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لعدم وجوب الصرف من ماله ، وإنما يجب إذا توقف عليه إتيان الحجّ ، فإذا حجّ من دون أن يصرف من أمواله لا ريب في صحته والإجزاء عن حجّة الإسلام وكذا لو حجّ متسكعاً ومضيقاً على نفسه بالاقتصاد والتقتير في مركبه ومسكنه ومأكله ، إذ لا دليل على وجوب صرف المال حسب شؤونه واعتباره ، بل لو كان جميع مصارفه من الحرام حتى مركوبه صح الحجّ وأجزأ ، ولا يضر صرف المال من الحرام في صحّة الحجّ وإجزائه ، وذلك لأنّ صرف المال بنفسه ليس واجباً حتى يعتبر أن يكون من الحلال .

   (2) ما ذكره على إطلاقه غير تام ، فيقع الكلام في موارد أربعة :

   أحدها : أن ثوب الاحرام إذا كان من الحرام لا يضرّ بصحّة الحجّ ، لأن لبس ثوب الاحرام واجب مستقل آخر ،ويتحقق الاحرام ولو كان الثوب مغصوباً ، ولذا لو أحرم عارياً صح ، فإحرامه بالمغصوب كالاحرام عارياً . وقد ذكر المصنف (قدس سره) في المسألة الخامسة والعشرين من كيفية الاحرام أن لبس الثوبين ليس شرطاً في تحقق الاحرام بل هو واجب تعبدي آخر .

   ثانيها : أن ثوب الطواف إذا كان مغصوباً لم يصح حجّه وطوافه ، لأنّ الستر معتبر في الطواف وحاله حال الصلاة ، في اعتباره بالثوب الساتر .

   ثالثها : أن السعي لا يعتبر فيه الستر ويصحّ حتى عرياناً ، فلا يضر بالسعي إذا كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأظهر في السعي والإحرام الصحة ، وسيجيء منه (قدس سره) عدم شرطية لبس الثوبين في الإحرام .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net