شتراط الإستطاعة السِّربيّة في الحجّ - عدم وجوب الحجّ مع استلزامه تلف المال أو ترك واجب 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1616


ــ[170]ــ

   [ 3060 ] مسألة 63 :  ويشترط أيضاً الاستطاعة السِّربيّة بأن لا يكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال وإلاّ لم يجب (1)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من إتيان الحجّ بمشقة شديدة فالوجوب مرفوع أيضاً لنفي الحرج ، وعليه لا يجب الحجّ إذا اسـتطاع في وقت لا يسع للذهـاب أو أنه يسع ولكن بمشقة شديدة ، وهذا مما لا  كلام فيه .

   إنما الكلام فيما ذكره المصنف أخيراً بقوله : «وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب وإلاّ فلا» ، فإن الظاهر من هذا الكلام عدم وجوب إبقاء الاستطاعة إلى العام القابل وجواز تفويتها اختياراً فلا يجب الحجّ حينئذ وإنما يجب إذا بقيت اتفاقاً .

   ولكن الصحيح ـ كما تقدّم ـ وجوب إبقاء الاستطاعة وعدم جواز تفويتها اختياراً ، لما عرفت من أن وجوب الحجّ غير مقيد بزمان وإنما الواجب مقيد بزمان خاص ، فالوجوب حالي والواجب إستقبالي كما هو شأن الواجب المعلق ، ولذا لو كان إتيان الحجّ مما يتوقف على قطع المسافة أزيد من سنة واحدة كما كان يتفق ذلك أحياناً في الأزمنة السابقة وجب الذهاب ، وذكرنا أيضاً أن الاستطاعة الموجبة للحجّ غير مقيّدة بحصولها في أشهر الحجّ أو بخروج الرفقة ، بل متى حصلت وجب الحجّ ويجب عليه التحفظ على الاستطاعة ، مثلاً لو استطاع في الخامس من شهر ذي الحجّة ـ  حتى في زماننا هذا  ـ ولم يتمكن من السفر إلى الحجّ في هذه السنة يجب عليه إبقاء المال إلى السنة الآتية ليحجّ به ، وليس له تفويت المال حتى يقال إن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحجّ وإلاّ فلا .

   (1) الظاهر أنه لا خلاف في اشتراطها ، ويدل عليه نفس الآية الشريفة «من استطاع إليه سبيلاً» (1) فإن المستفاد من الاستطاعة السبيلية تخلية السِّرب والأمان من الخطر في الطريق ، مضافاً إلى الروايات المعتبرة المفسرة للآية الشريفة المتضمنة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران 3 : 97 .

ــ[171]ــ

وكذا لو كان غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله وكان الطريق منحصراً فيه ، أو كان جميع الطرق كذلك ، ولو كان هناك طريقان أحدهما أقرب لكنّه غير مأمون وجب الذهاب من الأبعد المأمون (1) ، ولو كان جميع الطرق مخوفاً إلاّ أنه يمكنه الوصول إلى الحجّ بالدوران في البلاد ـ مثل ما إذا كان من أهل العراق ، ولا يمكنه إلاّ أن يمشي إلى كرمان ومنه إلى خراسان ، ومنه إلى بخارا ، ومنه إلى الهند ، ومنه إلى بوشهر ، ومنه إلى جدة مثلاً ، ومنه إلى المدينة ومنها إلى مكّة ـ  فهل يجب أو لا ؟ وجهان أقواهما عدم الوجوب ((1)) لأ نّه يصدق عليه أنه لا يكون مخلى السِّرب (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لتخلية السِّرب (2) ، وكذا لا يجب الحجّ إذا كان الطريق غير مأمون ومخوفاً ، بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله ، فإن خوف الضرر بنفسه ـ كما قد يستفاد من بعض الروايات ـ طريق عقلائي إلى الضرر ، ولا يلزم أن يكون الضرر معلوماً جزماً بل جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر ، فالحكم في مورد خوف الضرر مرفوع واقعاً حتى لو انكشف الخلاف وتبين عدم وجود المانع في الطريق ، كما هو الحال في غير مورد الحجّ كمورد التيمم ، فإنه لو خاف من استعمال الماء وتيمم وصلّى ثمّ انكشف الخلاف بعد الوقت صحّ تيممه وصلاته واقعاً .

   (1) لعدم اختصاص الوجوب بأقرب الطرق .

   (2) بل الأقوى هو الوجوب ، لأنّ الواجب هو الطبيعي ولا يختص بطريق دون آخر ، وطبيعي السبيل إذا كان مأموناً يجب اتخاذه وإن كان خصوص بعض الطرق ـ  ولو كان عادياً ـ مخوفاً ، فيجب الحجّ بأي طريق كان ولو بالدوران في البلاد ما لم يستلزم الضرر الزائد والحرج الشديد في سلوك الطريق غير المتعارف وإلاّ فيرتفع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا في فرض الحرج أو الضرر المترتب على سلوك الطريق غير المتعارف .

(2) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4 ، 7 .

ــ[172]ــ

   [ 3061 ] مسألة 64: إذا استلزم الذهاب إلى الحجّ تلف مال له في بلده معتد به لم يجب(1)، وكذا إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الإستطاعة أو لاحق مع كونه أهم من الحجّ كإنقاذ غريق أو حريق، وكذا إذا توقف على ارتكاب محرم((1)) كما إذا توقف على ركوب دابة غصبية أو المشي في الأرض المغصوبة (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوجوب لنفي العسر والحرج .

   والحاصل : يجب الذهاب إلى الحجّ ولو من الطريق غير المتعارف ، إذ لم يقيد الوجوب والذهاب إلى الحجّ بالسير العادي ، ودعوى الانصراف إليه أو دعوى عدم صدق تخلية السِّرب عرفاً ممّا لا شاهد عليه .

   (1) لقاعدة نفي الضرر ، فإن الاستطاعة الموجبة للحج وإن فسرت في الروايات بالزاد والراحلة وصحّة البدن وتخلية السِّرب فحسب ، ولكن دليل نفي الضرر حاكم على جميع الأدلّة إلاّ في موارد خاصّة ، ومقتضاه سقوط الواجب في موارد الضرر فيكون ممن يعذره الله تعالى في الترك .

   ودعوى أن الحجّ كالتكاليف المبنية على الضرر كالزكاة والخمس والجهاد ونحوها من الأحكام الضررية التي لا يجري فيها دليل نفي الضرر ، بل أدلة هذه الأحكام مخصصة لأدلّة نفي الضرر فيجب تحمله ، فاسدة بأن الحجّ وإن كان حكماً ضررياً في نفسه لكن بالنسبة إلى المقدار اللاّزم ممّا يقتضيه طبع الحجّ ، وأمّا الضرر الزائد عن ذلك الذي ليس من شؤون الحجّ ولا من مقتضيات طبعه فلا مخصص له ولا مانع من شمول دليل نفي الضرر له .

   (2) هذا أيضاً من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة ، لما عرفت غير مرّة أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا أيضاً من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة .

ــ[173]ــ

   [ 3062 ] مسألة 65 : قد علم مما مرّ أنه يشترط في وجوب الحجّ ـ  مضافاً إلى البلوغ والعقل والحرية  ـ الإستطاعة الماليّة والبدنيّة والزمانيّة والسِّربيّة وعدم اسـتلزامه الضّرر أو ترك واجب أو فعل حرام ((1)) ، ومع فقد أحد هذه لا يجب فبقي الكلام في أمرين :

   أحدهما : إذا اعتقد تحقق جميع هذه مع فقد بعضها واقعاً أو اعتقد فقد بعضها وكان متحقِّقاً فنقول : إذا اعتقد كونه بالغاً أو حرّاً مع تحقّق سائر الشرائط فحجّ ثمّ بان أنه كان صغيراً أو عبداً فالظاهر بل المقطوع عدم إجزائه عن حجّة الإسلام (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستطاعة المعتبرة في الحجّ ليست إلاّ الاستطاعة الخاصة المفسرة في الروايات وحيث إن دليل الحجّ ودليل الواجب أو الحرام مطلقان ولا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال يقع التزاحم ، فيرجع إلى مرجحات باب التزاحم من تقديم الأهم أو التخيير في المتساويين . نعم ، لو قيل باعتبار الاستطاعة الشرعية بالمعنى المصطلح عند المشهور في وجوب الحجّ ، لأمكن القول بعدم وجوبه إذا استلزم مانعاً شرعياً كترك واجب أو ارتكاب محرم ، ولكن قد عرفت بما لا مزيد عليه أنه لا أساس لهذا الكلام أصلاً .

   (1) قد يعتقد المكلف عدم وجود الشرائط ويكون اعتقاده مطابقاً للواقع ولا يحجّ فلا كلام، وكذا لو اعتقد وجـودها وطابق الواقع وحجّ ، إنما الكلام فيما إذا لم يطابقا فيقع الكلام في موارد :

   الأوّل : ما لو اعتقد كونه بالغاً أو حرّاً فحجّ مع تحقق سائر الشرائط ثمّ تبيّن أنه كان صغيراً أو عبداً ، فالظاهر عدم الإجزاء عن حجّة الإسلام لعدم الأمر بحجّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على ما تقدم فيهما من ملاحظة الأهميّة .

ــ[174]ــ

الإسلام ، والاعتقاد خطأ لا يحدث ولا يوجد تكليفاً ، فما أتى به من الحجّ حجّ ندبي غير حجّة الإسلام ، وإجزاء حجّ الصبي أو العبد عن حجّ الإسلام للبالغ والحر يحتاج إلى دليل خاص وهو مفقود في البين .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net