اذا إستناب الحيّ ثمّ برأ فهل يجب عليه الحجّ المباشري ؟ 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1326


   وبالجملة : موضوع وجوب الاستنابة هو عدم الطاقة وعدم القدرة واقعاً ، ولكن اليأس عن زوال العذر أو استصحاب بقاء العذر أو الاطمئنان ببقاء ذلك كل ذلك طرق إلى الواقع .

   وأما صحيح ابن مسلم : «لو أن رجلاً أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه مكانه» (1) فهو وإن كان مطلقاً من حيث اليأس وعدمه لإطلاق قوله : «فلم يستطع الخروج» ولكنه أجنبي عن المقام ، لأنّ مورده الحجّ التطوعي الارادي ولا يشمل ما لو وجب عليه الحجّ ولكن لا يتمكن من إتيانه مباشرة كما هو محل الكلام .

   وبالجملة : العبرة في وجوب الاستنابة إنما هي بعدم التمكن من إتيان الحجّ وعدم الطاقة على إتيانه في واقع الأمر ، ولذا لو استطاع في هذه السنة ومنعه مانع عن الاتيان بالحجّ واستناب ثمّ تمكن من الاتيان به في السنة الآتية لا نحتمل سقوط الحجّ عنه بمجرّد النيابة في السنة الماضية ، ويترتب على ذلك الأمر الآتي وهو :

   الأمر الثالث : إذا استناب مع قيام الطريق على عدم التمكّن من إتيانه ، كما إذا حصل له اليأس من زوال العذر واطمأن ببقائه أو استصحب بقاءه ، وبعد ذلك اتفق ارتفاع العذر وتمكن من مباشرة الحجّ ، فهل يجزئ الحجّ النيابي عن حجّه أم لا ؟ فيه خلاف .

   ذهب المشهور إلى عدم الإجزاء ، وقوى بعضهم الإجزاء كالمصنف (قدس سره) بدعوى أن تكليف هذا الشخص تبدل إلى النيابي ، والحجّ الصادر من النائب هو الحجّ الذي كان على المنوب عنه ، فإذا أتى به النائب فقد حصل ما كان على المنوب عنه ، ولا دليل على وجوب إتيانه ثانياً ، بل لو قيل باستحباب النيابة حينئذ فالظاهر إجزاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 64 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 5 .

ــ[199]ــ

فعل النائب عن المنوب عنه ، لأن ما يأتي به النائب هو بعينه ما وجب على المنوب عنه ، وقد أتى النائب بما وجب على المنوب عنه ، فلا مجال حينئذ لدعوى أن المستحب لا يجزئ عن الواجب ، إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجباً على المنوب عنه والمفروض في المقام أنه هو ، بل يمكن أن يقال : إنه إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بعد الاحرام يجب عليه الاتمام ويكفي عن المنوب عنه ، بل يحتمل ذلك وإن كان في أثناء الطريق قبل الدخول في الاحرام .

   أقول : قد عرفت أن موضوع الحكم بوجوب الاستنابة هو عدم القدرة واقعاً ، وأما اليأس أو عدم رجاء الزوال فليس مأخوذاً فيه ، وإنما تجب الاستنابة اعتماداً على الأصل وهو استصحاب بقاء العذر أو اعتماداً على حجّة اُخرى كالاطمئنان ببقاء العذر واليأس من زواله ، والتكليف الواقعي لم ينقلب وهو باق على حاله ولم يقيد بسنة خاصة ، وموضوع إجزاء فعل النائب هو عدم قدرة المنوب عنه على المباشرة والمفروض تمكنه من المباشرة ، ومعه لا مجال للإجزاء لعدم إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي ، وقوله تعالى : (ولله على النّاس حجّ البيت) ظاهر في لزوم المباشرة على المستطيع ، وهذا الشخص داخل في عنوان المستطيع واقعاً ولو في السنة الآتية ودليل وجوب الاستنابة لا يشمل مثل هذا الشخص واقعاً .

   فتلخص من جميع ما تقدّم : أن موضوع وجوب الاستنابة هو واقع العذر ، ولا بدّ من إحرازه بالطرق العقلائية كالاطمئنان أو اليأس من زوال العذر فإنه أيضاً طريق عقلائي ، ولو انكشف الخلاف بقي الواقع على حاله فهو ممن يطيق الحجّ ويتمكن من إتيانه ، غاية الأمر أنه لا يعلم بذلك ، وكذا الحال في مورد رجاء الزوال لاستصحاب بقاء العذر بناء على جريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي ، فيستصحب بقاء العجز وعدم تجدد القدرة ، إلاّ أن الحكم حينئذ حكم ظاهري ومقتضى القاعدة عدم الإجزاء عن الواقع ، وتجب المباشرة على المنوب عنه بعد انكشاف الخلاف .

   وإن شئت قلت : إن عدم الطاقة لم يؤخذ في موضوع وجوب الاستنابة ، فإنّ عدم الطاقة المذكور في روايات الشيخ الكبير إنما هو من باب بيان المورد ، وإنما المأخوذ في

ــ[200]ــ

موضوع وجوب الاستنابة هو الحيلولة بينه وبين الحجّ بالعذر كما هو المستفاد من صحيح الحلبي ، والمراد بالحج الذي حال دونه المرض هو طبيعي الحجّ ، ولذا لو علم بارتفاع العذر إلى السنة الآتية لا تجب الاستنابة بلا خلاف ، ولا يمكن إثبات عنوان الحيلولة باستصحاب بقاء العذر إلاّ على الأصل المثبت ، لأن عنوان الحيلولة أمر وجودي لا يمكن إثباته باستصحاب بقاء العذر ولا أصل في المقام يحرز به الحيلولة فمع رجاء الزوال لا تجب الاستنابة لعدم إحراز عنوان الحيلولة .

   نعم ، لا بأس بالاستنابة رجاء وإذا انكشف بقاء العذر وعدم زواله يجزئ وإلاّ فلا ، فوجوب الاستنابة يختص بصورة اليأس من زوال العذر أو الاطمئنان الشخصي ببقائه أو غير ذلك من الطرق القائمة على بقائه كإخبار الطبيب ونحوه .

   الأمر الرابع : لا ريب في إجزاء حجّ النائب إذا استمر العذر إلى أن مات المنوب عنه ، ولا يجب القضاء عنه بعد موته ، وأما إذا اتفق ارتفاع العذر بعد الأعمال فقد ذكر أنه لا تجب المباشرة على المنوب عنه ، بل وكذا لو ارتفع العذر في أثناء العمل بعد إحرام النائب فإنه يجب عليه الاتمام ويكفي عن المنوب عنه ، بل احتمل الاكتفاء إذا ارتفع العذر أثناء الطريق قبل الدخول في الاحرام .

   وفيه : ما لا يخفى ، فإنه لو قلنا بعدم الإجزاء بعد ارتفاع العذر وبعد تمام الأعمال فالأمر واضح في المقام جداً ، وإن قلنا بالإجزاء فلا نقول به في هاتين الصورتين وهما ارتفاع العذر في الأثناء وارتفاعه قبل الدخول في الاحرام ، وذلك لانفساخ الاجارة لأنّ ارتفاع العذر كاشف عن عدم مشروعية النيابة والاجارة ، لما عرفت أن موضوع وجوب النيابة والاجارة هو عدم الطاقة وعدم التمكن أو الحيلولة بينه وبين الحجّ والمفروض حصول التمكن وعدم ثبوت الحيلولة وإنما احتمل بقاء العذر وتخيل الحيلولة ، وما لم يحرز موضوع النيابة لا تصح الاجارة وتنفسخ قهراً سواء أمكن إخبار النائب أم لا .

   وبعبارة اُخرى : الاجارة محكومة بالفساد ، لأنها وقعت على عمل غير مشروع

 
 

ــ[201]ــ

لتعلقها بعمل الحي الذي يطيق الحجّ ولا يجوز الاستئجار عليه ، فتجب على المستأجر المباشرة والاتيان بالحج بنفسه ويجب على الأجير إتمام الحجّ عن نفسه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net