إذا لم تفِ التركة إلاّ للحج أو العمرة فأ يّهما يقدّم ؟ 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1265


ــ[246]ــ

   ونحوه خبر آخر ، لكنّهما موهونان بإعراض الأصحاب ، مع أنهما في خصوص الزكاة ((1)) ، وربما يحتمل تقديم دين الناس لأهميّته ، والأقوى ما ذكر من التحصيص ، وحينئذ فإن وفت حصّة الحجّ به((2)) فهو ، وإلاّ فإن لم تف إلاّ ببعض الأفعال كالطواف فقط أو هو مع السعي فالظاهر سقوطه وصرف حصته في الدّين أو الخمس أو الزكاة ، ومع وجود الجميع توزع عليها ، وإن وفت بالحج فقط أو العمرة فقط ففي مثل حجّ القران والإفراد تصرف فيهما مخيراً بينهما (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمّ إن مورد الصحيحين وإن كان هو الزكاة ولكن الظاهر عدم الفرق بينها وبين الخمس ، لأن الخمس بدل الزكاة وهو من هذه الجهة محكوم بحكم الزكاة ، مضافاً إلى أن الزكاة أهم من الخمس ، فلو كان الحجّ مقدماً على الزكاة يقدم على الخمس بطريق أولى .

   وأما تقديم الحجّ على الدّين الشخصي فيدل عليه صحيح بريد العجلي المتقدم : «عن رجل خرج حاجاً ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق ، قال : إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام ، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام ، فإن فضل من ذلك شيء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين» (3) ودلالته صريحة في تقديم الحجّ على الدّين .

   (1) بعدما عرفت أنّ الحج كالدّين ، فإن كانت التركة وافية للحج والعمرة فلا كلام وإن لم تفِ إلاّ لأحدهما فقط فهل يقدم الحجّ أم لا ؟ يقع الكلام تارة في حجّ الإفراد والقران واُخرى في التمتع .

   أمّا الأوّل فهل يتخيّر بين الحجّ والعمرة لوجوب كل واحد عليه مستقلاًّ أو يقدّم الحجّ لأهميّته ؟ وجهان والظاهر هو التخيير ، لعـدم ثبوت أهميّة الحجّ على العمـرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكن صحيحة بريد العجلي عامة لمطلق الدّين .

(2) لا يمكن ذلك في مفروض المسألة .

(3) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ 26 ح 2 .

ــ[247]ــ

لأنّ كل واحد منهما فريضة من فرائض الله تعالى ، ولا منشأ لأهميّة الحجّ على العمرة وعلى فرض تسليم الأهميّة فإنما هي فيما إذا كان المكلف بنفسه مباشراً ولا يتمكّن من الجمع بينهما فيقدم مقطوع الأهميّة أو محتملها ، والمفروض في المقام أن المكلف مات ولم يباشر العمل بنفسه وإنما استقرّ عليه الحجّ والعمرة معاً واشتغلت ذمّته بفريضتين من فرائض الله ، وكون أحدهما في نفسه أهم من الآخر لا يؤثر في اشتغال الذمّة بالأهم ، وقد نظّر (دام ظله) المقام بمن كان مديناً لمؤمن ولكافر ذمِّي وفرضنا أنه لا يتمكن من أدائهما ، وكون أحدهما مؤمناً والآخر كافراً لا يؤثر في تقديم أحدهما من جهة الاشتغال وتفريغ الذمّة .

   وأمّا الثاني وهو حجّ التمتع ، فإن كان المال لا يفي إلاّ لأحدهما من العمرة أو الحجّ فهل يجري ما تقدّم في حجّ الإفراد من التخيير أو يتعيّن صرف المال في الحجّ الإفرادي لأهميّة الحجّ أو لا يصرف في شيء منهما ؟ وجوه :

   أمّا احتمال التخيير فضعيف جدّاً ، لعدم جريانه في خصوص حجّ التمتع لارتباطه بالعمرة ولا يصحّ بدونها ، وأما عدم الصرف في شيء منهما فلتعذر قضاء ما وجب عليه فيعطى المال لورثته ، وذكر بعضهم أن الحجّ يتقدم فيأتي بحجّ الإفراد بدلاً عن حجّ التمتع بدعوى إمكان استفادته من الرواية الآتية .

   أقول : نتكلّم تارة فيما تقتضيه القاعدة واُخرى فيما يقتضيه النص .

   أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة عدم وجوب صرف المال في شيء منهما ، لأنّ حجّ التمتع عمل واحد ارتباطي وإن كان الإحلال متوسطاً في البين . وبعبارة اُخرى : الواجب إنما هو صرف المال في حجّ الإسلام وهو مركب من أمرين : أحدهما يرتبط بالآخر ، ولا وجه لصرف المال في أحدهما ، ولا مجال لجريان قاعدة الميسور في الاُمور الارتباطية فلا بدّ من إيصال المال إلى الورثة .

   وأمّا الآخر فقد يقال : إن المستفاد من النص وجوب صرف المال في الحجّ لما روي عن علي بن مزيد (فرقد) صاحب السابري قال :  «أوصى إليّ رجل بتركته فأمرني أن

ــ[248]ــ

والأحوط تقديم الحجّ ، وفي حجّ التمتع الأقوى السقوط وصرفها في الدّين وغيره وربما يحتمل فيه أيضاً التخيير أو ترجيح الحجّ لأهميّته أو العمرة لتقدمها ، لكن لا وجه لها بعد كونهما في التمتع عملاً واحداً ، وقاعدة الميسور لا جابر لها في المقام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحجّ بها عنه فنظرت في ذلك فإذا هي شيء يسير لا يكفي للحج فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة فقالوا : تصدق بها عنه إلى أن قال: فلقيت جعفر بن محمّد (عليه السلام) في الحِجر وحكيت له القصة وحكم (عليه السلام) بالضمان إذا تصدق بها إن كان المال بمقدار يمكن أن يحج به من مكّة»(1)، وقوله : «يحج به من مكّة» يراد به حجّ الإفراد . وبالجملة : المستفاد من الرواية أن المال إذا كان لا يفي لحج التمتع المركّب من الحجّ والعمرة المرتبط أحدهما بالآخر يصرف المال في حجّ الإفراد الذي لم يرتبط أحدهما بالآخر ويحرم له من مكّة فإنها ميقات الحجّ .

   وفيه : أوّلاً ضعف السند بعلي بن مزيد أو فرقد فإنه مجهول .

   وثانياً : ضعف الدلالة لأن مورد النص الوصيّة بالحج ، ولا ريب أن العمل بالوصية مرغوب فيه مهما أمكن ، فإن لم يمكن العمل بنفس الوصيّة فالأقرب فالأقرب ، ولا شك أن الحجّ وحده أقرب إلى نيّة الموصي ، ومحل كلامنا غير الوصيّة وهو ما إذا دار الأمر بين صرف المال في الحجّ وبين إيصاله إلى الورثة ، والتعدي من مورد النص إلى المقام يحتاج إلى الدليل ، وقد عرفت أن مقتضى القاعدة بعد تعذر الإتيان بالعمل هو سقوط الوجوب وانتقال المال إلى الورثة أو إلى وصية اُخرى لو كانت .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 349 / أبواب الوصايا ب 37 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net