الكلام في إنعقاد نذر الكافر الحجّ 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1437


ــ[294]ــ

 
فصل

في الحجّ الواجب بالنّذر والعهد واليمين

    ويشترط في انعقادها البلوغ والعقل والقصد والاختيار(1)، فلا تنعقد من الصبي وإن بلغ عشراً وقلنا بصحة عباداته وشرعيتها ، لرفع قلم الوجوب عنه ، وكذا لا تصحّ من المجنون والغافل والساهي والسكران والمكره ، والأقوى صحتها من الكافر وفاقاً للمشهور في اليمين خلافاً لبعض وخلافاً للمشهور في النذر وفاقاً لبعض ، وذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر ولا تتحقق القربة في الكافر ، وفيه أوّلاً : أن القربة لا تعتبر في النذر بل هو مكروه وإنما تعتبر في متعلقه حيث إن اللازم كونه راجحاً شرعاً . وثانياً : أن متعلق اليمين أيضاً قد يكون من العبادات . وثالثاً : أنه يمكن قصد القربة من الكافر أيضاً . ودعوى عدم إمكان إتيانه بالعبادات لاشتراطها بالإسلام مدفوعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لا يخفى أن اعتبار هذه الاُمور من الواضحات ، أما اعتبار القصد فلأن النذر وأخويه هو الالتزام بشيء لله تعالى ، وهو تابع للقصد وإلاّ لا يتحقق الالتزام ، فما يصدر من الساهي والنائم والسكران والخاطئ لا عبرة به ، وكذا يعتبر البلوغ والعقل فلا عبرة بما يصدر من الصبي والمجنون للنصوص الدالة على أن الصبي لا يؤخذ بأفعاله ولحديث رفع القلم عنهما (1) ، وكذا يعتبر الاختيار ولا ينعقد من المكره ، لأنّ الإكراه يرفع الحكم المتعلق به الاكراه .

   إنما الكلام في انعقاد ذلك من الكافر ، فقد نسب إلى المشهور صحّة اليمين الصادرة منه وبطلان النذر ، وقال بعضهم بالبطلان مطلقاً ، وقال آخرون بالصحة مطلقاً ومنهم المصنف (قدس سره) ، وجميع ذلك مبني على تكليف الكافر بالفروع كما هو المشهور

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 45 / أبواب العبادات ب 4 ح 11 ، 12 .

ــ[295]ــ

وأمّا بناء على اختصاص الأحكام بالمسلمين وعدم تكليف الكافر بها كما قويناه فلا مجال لهذا الاختلاف كما هو واضح .

   ثمّ إنه لو قلنا بتكليف الكافر بالفروع كما عليه المشهور فقد يقال بعدم انعقاد النذر من الكافر ، لاعتبار التقرب في النذر لأنه بنفسه قربي وعبادي ، ولا تتحقق القربة من الكافر . وفيه : أنه لا دليل على كون النذر قربياً ، بل يظهر من بعض الروايات أنه مكروه لقوله (عليه السلام) في جواب من جعل على نفسه شكراً لله ركعتين : «إني لأكره الإيجاب أن يوجب الرجل على نفسه» (1) ، ولو قلنا بحمل الرواية على الارشاد وأن المكلف لا يكلف نفسه أزيد مما كلفه الله تعالى يستفاد منها كون النذر مباحاً وغير راجح . وبالجملة : لا دليل على كون النذر أمراً عبادياً قربياً نظير الصلاة والصيام ونحوهما من الأفعال العبادية ، وإذا لم يكن عبادياً فلا مانع من صدوره من الكافر .

   وأما متعلقه فلا دليل أيضاً على كونه قربياً وإنما غاية ما يستفاد من الأدلة أن يكون متعلقه صالحاً لذلك وقابلاً للاضافة إليه تعالى ، ولا يستفاد منها أن يكون عبادياً حين العمل بحيث لا يتحقق العمل به إلاّ بقصد العبادة ، بل المستفاد منها قابلية الفعل للاضافة إليه تعالى وراجحاً في نفسه كإعطاء الدرهم إلى الفقير ، فإنه يمكن إيقاعه على وجه العبادة بأن يعطيه قربة إلى الله تعالى ويمكن أن يقع لا على وجه القربة ، فلو أعطى الدرهم للفقير ولم يقصد به القربة فقد وفى بنذره لأنّ الأمر بالوفاء توصلي . نعم ، قد يتعلّق النذر بالأمر العبادي ـ كما قد يتّفق في اليمين ـ ويتعذر صدوره من الكافر لعدم تحقق القربة منه ، ولكن المعتبر هو إمكان صدوره منه حين العمل لا حين النذر ، فلو نذر الكافر أمراً عبادياً يجب عليه الإتيان ، لأنه عند ما كان كافراً وإن لم يكن متمكِّناً من الاتيان ولكن يتمكن منه حين العمل وفي ظرفه لتمكّنه من الإسلام ، فيكون العمل المنذور مقدوراً له غاية الأمر بواسطة التمكّن من الإسلام والمقدور بالواسطة مقدور ، وإن أسلم صحّ إن أتى به ويجب عليه الكفّارة لو خالف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 23 : 303 كتاب النذر ب 6 ح 1 .

ــ[296]ــ

بإمكان إسلامه ثمّ إتيانه فهو مقدور لمقدورية مقدّمته فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات ، ويعاقب على مخالفته ويترتب عليها وجوب الكفّارة فيعاقب على تركها أيضاً ، وإن أسلم صح إن أتى به ويجب عليه الكفّارة لو خالف ولا تجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لانصرافها عن المقام . نعم ، لو خالف وهو كافر وتعلق به الكفّارة فأسلم لا يبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحديث الجبّ المشهور لا يجري في المقام لانصرافه عنه ، وأما لو قلنا بأنه لا مانع من جريان حديث الجبّ في المقام ودعوى الانصراف غير تامة فلا يمكن الحكم بالصحة لأنه حين كفره لا يصحّ منه العمل وحين إسلامه يسقط وجوبه لحديث الجب .

   وبعبارة اُخرى : تكليفه بالوفاء بالنذر غير معقول ، لأنه حين الكفر لا يتمكّن من الامتثال وبعد إسلامه يسقط عنه على الفرض، وقد مر تفصيل هذا الإشكال في باب قضاء الصلاة على الكافر(1).

   والذي ينبغي أن يُقال : إن حديث الجبّ غير ثابت فلا يمكن الاعتماد عليه في شيء من الأحكام ، ولكن الثابت قطعاً من السيرة النبوية والأئمة (عليهم السلام) عدم مؤاخذة الكافر بمخـالفته للأحكام الإسلامية حال كفره وعدم مطالبته بقضائها ، ولم يؤمر أحد ممن اختار الإسلام بقضاء الصلوات والصيام وغير ذلك من الواجبات فنتيجة الجبّ حاصلة .

   وممّا ذكرنا عرفت أنه لا مجال لدعوى انصراف الجب أو عدمه عن المقام ، لأنّ الانصراف أو عدمه من شؤون الدليل اللفظي والمفروض أن الجبّ ثبت بالسيرة القطعية ، ولكنها مختصة بالأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وأما غير ذلك من الأحكام العقلائية الثابتة مع قطع النظر عن الإسلام كالديون فلا يشملها الجبّ ولا السيرة ، فلو كان الكافر مديوناً حال كفره ثمّ أسلم يجب عليه وفاء دينه ولا يسقط ذلك عنه بالإسلام ، وأما الالتزام بالوفاء بالنذر فإن كان ثابتاً في كل شريعة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بعد المسألة [ 1777 ] .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net