إعتبار إذن الوالد والزّوج والمولى في انعقاد يمين الولد والزّوجة والمملوك 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2209


ــ[297]ــ

   [ 3108 ] مسألة 1 : ذهب جماعة ((1)) إلى أنه يشترط في انعقاد اليمين من المملوك إذن المولى ، وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج ، وفي انعقاده من الولد إذن الوالد ، لقوله (عليه السلام) : «لا يمين لولد مع والده ولا للزوجة مع زوجها ولا للمملوك مع مولاه» فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ينعقد(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولم يكن من مختصّات الإسلام فحاله حال الدّين ، وإن لم يكن كذلك ـ كما هو الصحيح ، إذ لم يثبت ذلك في الشرائع السابقة ـ فيكون من الأحكام المختصة بالإسلام ويرفعه الجب المستفاد من السيرة ويسقط وجوبه بعد اختيار الإسلام . ومما ذكرنا يظهر الحال في ثبوت الكفّارة ، فإنها من الأحكام المختصة بالإسلام قطعاً فيسقط وجوبها بالإسلام فلا يجب عليه الكفّارة لو خالف النذر وهو كافر .

   (1) ذكر جماعة أنه لا ينعقد اليمين من الولد مع والده إلاّ بإذنه وكذا الزوجة مع زوجها والمملوك مع مولاه واعتبروا إذنهم في انعقاد اليمين ، إمّا خصوص الإذن السابق أو الأعم منه ومن اللاّحق ، وذهب آخرون إلى عدم اعتبار إذنهم في انعقاده وإنما لهم حلّ اليمين ولهم الحق في فسخه وحلّه ومنهم المصنف (قدس سره) . وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا حلف الولد من دون إذن الوالد وإجازته فإنه ينعقد اليمين على القول الثاني وإن كان له حلّه ، وأما على القول الأوّل فلا ينعقد أصلاً .

   ومنشأ الاختلاف اختلاف ما يستفاد من صحيح منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : لا يمين للولد مع والده ولا لمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها» (2) وادعى المصنف (قدس سره) أن المنساق والمنصرف من الصحيح المذكور أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج ، ولازمه جواز حلهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به ، ولا يستفاد منه عدم الانعقاد من الأوّل .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا القول هو الصحيح .

(2) الوسائل 23 : 217 / كتاب الأيمان ب 10 ح 2 .

ــ[298]ــ

   وذكر أيضاً وجهاً آخر تبعاً لصاحب الجواهر (1) لدلالة النص على مجرد جواز حلهم لليمين ، وحاصله : أنه لا بدّ من تقدير كلمة الموجود أو المنع والمعارضة في هذه الجملات : لا يمين للولد مع والده ولا يمين لمملوك مع مولاه كما هو الحال في نظائرها كقولنا : لا إله إلاّ الله ، ولا رجل في الدار ، فقد ذكروا أن المقدر في تلك الجمل كلمة الموجود ، وقولنا : لا إله إلاّ الله تقديره لا إله موجود إلاّ الله ، وقولنا : لا رجل تقديره لا رجل موجود في الدار ، وأما في هذه الجملات فيمكن تقدير الوجود أو المنع والمعارضة فيدور الأمر بين التقديرين ، فإن قلنا : إن المقدر هو الوجود فمعناه : عدم انعقاد اليمين مع الوالد إلاّ بإذنه ، وإن قلنا : بأن المقدر هو المنع والمعارضة فمعناه : لا يمين مع منع المولى ومزاحمته ومعارضته فلا تدل هذه الجملات إلاّ على جواز حل اليمين لا اعتبار إذنهم فيه ، وليس تقدير كلمة الوجود أولى من تقدير كلمة المعارضة بل تقديرها أولى لانصراف النص المذكور إلى عدم جواز المزاحمة للوالد والمولى .

   فإن ثبت دعوى الظهور في تقدير كلمة المعارضة والانصراف إليها فلا كلام وإلاّ تصبح هذه الفقرات مجملة للترديد بين تقدير الموجود أو المعارضة ، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقن وهو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي ، نظير دوران الأمر بين التخصيص بالأقل والأكثر فيما إذا كان الخاص مجملاً مردّداً بينهما فإنه يؤخذ بالأقل المتيقن ويرجع في الأكثر إلى العمومات . وبالجملة : لا دليل على تخصيص المطلقات الدالّة على الوفاء باليمين إلاّ بالمقدار المتيقن وهو صورة المزاحمة .

   ويرده : أن ما ذكره من تقدير الموجود في «لا» النافية للجنس فيه مسامحة واضحة وذلك لأنّ الوجود والعدم إنما يعرضان لنفس الماهية ، والماهية بنفسها قد تكون موجودة وقد تكون بنفسها معدومة من دون أي واسطة في البين ، والماهية بنفسها هي المعروضة عروضاً ذاتياً أوّلياً ، وقولنا : الإنسان موجود والعنقاء معدوم ، معناه أن هذه الماهية بنفسها موجودة وتلك بنفسها معدومة ، ولا يعرض الوجود للموجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 35: 261 .

ــ[299]ــ

ولا العدم للمعدوم بل الخارج ظرف لنفس العدم ، فكلمة «لا» النافية كليس التامّة فاليمين في هذه الفقرات بنفسها معروضة للنفي ولا حاجة إلى التقدير حتى يقال بالدوران بين التقديرين فإن المستفاد من كلمة «لا» أنّ نفس الماهية منفية ومعدومة لا الوجود .

   ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بأن النفي لا يرد على الماهية وإنما يرد على الوجود وأن قولنا : لا رجل في الدار  تقديره لا رجل موجود في الدار فالتقدير لازم ، إلاّ أنه بناء على تقدير كلمة المعارضة في هذه الفقرات لا بدّ من تقدير الوجود أيضاً ، وقولنا : لا يمين مع المعارضة تقديره لا وجود لليمين مع معارضة الوالد ، بل لو فرضنا أن كلمة المعارضة كانت مصرحة لاحتاج إلى تقدير كلمة الوجود ، فليس المقام دائراً بين التقديرين بل على كلا التقديرين لا بدّ من تقدير كلمة الوجود هذا . مضافاً إلى أن كلمة «مع» تدلّ على المقارنة الزمانية كما يقال: صاحبت مع زيد في سفره  فيكون النفي في هذه الفقرات وارداً على المعية واقتران طبيعي اليمين للوالد والوجود مستفاد من نفس كلمة «مع» ، فمعية اليمين الصادرة من الولد للوالد منتفية ، والمعنى أن يمين الولد لا تجتمع مع الوالد ، ولا حاجة إلى التقدير حتى يتردد الأمر بين التقديرين فيكون النص ظاهراً في إلغاء اليمين ما دام الوالد حياً ، ولكن المتفاهم منه عرفاً أن إلغاء اليمين من جهة رعاية الوالد فلو أذن أو أجاز تنعقد اليمين ، لا أنه لا تنعقد له يمين بالمرّة مع وجود الوالد .

   وقد يقال : إن قوله «مع والده» وكذا قوله «مع زوجها ومع مولاه» قرينة على تقدير كلمة المعارضة ، إذ لو كان المراد نفي الوجود وأن وجود الوالد مانع كان قوله «مع والده» زائداً لا حاجة إليه ، لأن الولد طبعاً يكون له والد وكذا الزوجة والعبد لا بدّ أن يكون لهما زوج وسيِّد ، فذكر الوالد والزوج والسيّدبملاحظة المعارضة والممانعة .

   وفيه : أنه لو لم تقدّر هذه الكلمات كانت اليمين الصادرة من الولد باطلة بالمرّة ويكون المعنى عدم انعقاد يمين الولد دائماً حتى يموت والده ، ويفقده مع أن الأمر ليس

ــ[300]ــ

وظاهرهم اعتبار الإذن السابق ، فلا تكفي الإجازة بعده مع أنه من الايقاعات وادّعي الاتفاق على عدم جريان الفضولية فيها ، وإن كان يمكن دعوى أنّ القدر المتيقن من الاتفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال الغير مثل الطلاق والعتق ونحوهما لا مثل المقام مما كان في مال نفسه غاية الأمر اعتبار رضا الغير فيه ، ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق خصوصاً إذا قلنا إنّ الفضولي على القاعدة ، وذهب جماعة إلى أنه لا يشترط الإذن في الانعقاد لكن للمذكورين حلّ يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقاً بنهي أو إذن ، بدعوى أنّ المنساق من الخبر المذكور ونحوه أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج ، ولازمه جواز حلّهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به ، وعلى هذا فمع النهي السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كذلك قطعاً ، لأن غاية ما يستفاد من النص توقف انعقاد يمين الولد على إذن الوالد أو إجازته . والحاصل : أن المستفاد من النص أن أمر اليمين الصادرة من الولد أو الزوجة أو العبد راجع إلى الوالد والزوج والسيّد وأنه يعتبر في انعقاد اليمين إذنهم ، ولا موجب لرفع اليد عن ظهور النص في عدم الانعقاد بدون الاذن .

   ثمّ إنه هل المعتبر خصوص الاذن السابق كما استظهره المصنف (قدس سره) من كلماتهم أو الأعم منه ومن اللاحق ؟ مقتضى إطلاق النص عدم الفرق ، فإن المستفاد منه أن الأمر راجع إليهم وذلك لا يفرق بين الاذن السابق أو الاجازة اللاحقة ، إذ المقصود عدم استقلال الولد في يمينه واللازم عليه مراجعة أبيه في الالتزام باليمين سواء استأذن منه أو استجاز .

   ودعوى أن اليمين إيقاع ولا تجري الفضولية فيه إجماعاً فلا تؤثر الإجازة اللاّحقة مدفوعة بأن الإجماع دليل لبي يؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو الإيقاع الواقع على مال الغير وأمره كطلاق زوجة الغير وعتق عبده ونحو ذلك من الاُمور الأجنبية عن نفسه فإن الإجازة اللاحقة لا تؤثر ، وأما إذا كان الإيقاع متعلقاً بفعل نفسه مالاً كان أو غيره غاية الأمر قد يفرض فيه حق للغير وقد يكون منوطاً برضا الآخر ، فلا دليل

 
 

ــ[301]ــ

على عدم تأثير الاجازة اللاّحقة ، والأوّل كعتق المفلس عبده المرتهن فإنه لو اعتقه يصح عتقه بإجازة المرتهن ، لأنّ المعتبر في صحّة العتق رضا من له الحق ولو حصل متأخراً ، والثاني ـ وهو ما لو فرض أنه لا حق للغير عليه وإنما اعتبر الشارع رضاه وهذا مجرّد حكم شرعي ثابت في البين وخارج عن الفضولية رأساً ـ كتوقف تزويج بنت الأخ أو الاُخت على رضا العمة أو الخالة ، فإن المعتبر رضاهما من دون فرق بين الإذن السابق أو اللاحق ، والمقام من قبيل ذلك لأنّ الحلف يتعلق بفعل نفسه وإنما اعتبر فيه رضا الوالد ، ولا فرق في حصوله قبل اليمين أو بعده .

   ويدل على الاكتفاء بذلك مضافاً إلى ما تقدّم ، ما دلّ على تزويج العبد وأنه إذا أجاز السيِّد صحّ معلّلاً بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيِّده ، فإن المستفاد من ذلك أن كل مورد اعتبر فيه رضا أحد وكان العقد في نفسه سائغاً يرتفع المنع بحصول رضاه وله الحق في إمضاء ذلك حسب الحكم الشرعي ، فإذا رضي بذلك وأجاز صح سواء تقدم رضاه أو تأخر ، وليس ذلك كمعصية الله أصالة في أنه لا معنى للحوق رضا الله تعالى ومقتضى التعليل تعميم الحكم في جميع الموارد المشابهة .

   ثمّ ذكر المصنف (قدس سره) أن جواز الحل أو التوقف على الاذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقاً ، بل إنما هو فيما كان المتعلق منافياً لحق الوالد أو الزوج ومزاحماً له وأما إذا لم يكن مزاحماً لحقه فلا ، كما إذا حلف الولد أن يقرأ كل يوم جزءاً من القرآن أو نحو ذلك ، واستشهد باستثناء جماعة الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح وحكموا بالانعقاد فيهما ، ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء فيعلم من ذلك أن الحكم بالتوقف على الاذن إنما هو في مورد المزاحمة والمنافاة ، ولذا لا عبرة بذلك في مورد فعل الواجب وترك الحرام .

   وفيه ما لا يخفى ، إذ لو كان الحكم بالتوقف مختصاً بموارد المزاحمة لاستثنوا موارد كثيرة مما لم تكن منافية لحق الوالد والسيّد ، كما لو حلف أن يقرأ السورة الفلانية عند النوم أو يقرأ الآية الفلانية عند القيام من النوم وغير ذلك من الأفعال والأعمال غير المنافية لحق أحد من الناس ، ولعل منشأ استثناء فعل الواجب وترك الحرام هو أنّ

ــ[302]ــ

لا ينعقد ومع الإذن يلزم ومع عدمهما ينعقد ولهم حلّه ولا يبعد قوّة هذا القول ، مع أنّ المقدّر كما يمكن أن يكون هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة أي لا يمين مع منع المولى مثلاً فمع عدم الظهور في الثاني لا أقل من الإجمال والقدر المتيقن هو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي بعد كون مقتضى العمومات الصحّة واللّزوم . ثمّ إنّ جواز الحلّ أو التوقف على الإذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقاً ((1)) كما هو ظاهر كلماتهم ، بل إنما هو فيما كان المتعلق منافياً لحق المولى أو الزوج وكان ممّا يجب فيه طاعة الوالد إذا أمر أو نهى ، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا كما إذا حلف المملوك أن يحجّ إذا أعتقه المولى ، أو حلفت الزوجة أن تحجّ إذا مات زوجها أو طلّقها ، أو حلفا أن يصلّيا صلاة اللّيل مع عدم كونها منافية لحق المولى أو حق الاستمتاع من الزوجة ، أو حلف الولد أن يقرأ كل يوم جزءاً من القرآن أو نحو ذلك ممّا لا يجب طاعتهم فيها للمذكورين فلا مانع من انعقاده ، وهذا هو المنساق من الأخبار فلو حلف الولد أن يحج إذا استصحبه الوالد إلى مكّة مثلاً لا  مانع من انعقاده وهكذا بالنسبة إلى المملوك والزوجة ، فالمراد من الأخبار أنه ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافياً لحق المذكورين

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الولد ليس له أن يجعل على نفسه شيئاً مقابل والده وليس له أن يلتزم بشيء في قباله ، وهذا ينصرف عما لو كان قد جعل الله عليه شيئاً من التكاليف .

   وبعبارة اُخرى : إنما نقول بأن الولد ليس له أن يجعل على نفسه شيئاً في قبال والده في الاُمور المباحة المرخصة ، وأما إذا جعل الله عليه شيئاً من إتيان الواجب أو ترك الحرام فليس للوالد حق في المقام . ولكن هذا أيضاً غير تام ، لأن الجعل باليمين ولو في مورد الواجب أو الحرام جعل ثانوي التزم على نفسه وهذا ممّا لم يجعله الله عليه فحاله من هذه الجهة حال المباحات من عدم الجعل على نفسه في قبال والده ، والظاهر عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأظهر عدم صحّة اليمين منهم مطلقاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net