ذر الحجّ من مكان معيّن - و نذر الحجّ ولم يقيّده بزمان فهل يجوز تأخيره ؟ 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1303


ــ[317]ــ

   [ 3114 ] مسألة 7 : إذا نذر الحجّ من مكان معيّن كبلده أو بلد آخر معيّن فحجّ من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمّته ووجب عليه ثانياً . نعم ، لو عيّنه في سنة فحجّ في تلك السنة من غير ذلك المكان وجب عليه الكفّارة، لعدم إمكان التدارك. ولو نذر أن يحج من غير تقييد بمكان ثمّ نذر نذراً آخر أن يكون ذلك الحجّ من مكان كذا وخالف فحج من غير ذلك المكان برئ من النذر الأوّل ووجب عليه الكفّارة ((1)) لخلف النذر الثاني ، كما أ نّه لو نذر أن يحجّ حجّة الإسلام من بلد كذا فخالف فإنه يجزئه عن حجّة الإسلام، ووجب عليه الكفّارة لخلف النذر(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن التمكين للزوج وذاك يحملها على التمكين ليواقعها ، لأنّ كلاًّ من الواجبين مشروط بالقدرة شرعاً وأي منهما كان أقوى يعمل بوظيفته ، ولا موجب لتقديم حلف الزوجة على حلف الزوج ولا العكس ، بل عليهما أن يتسابقا إلى إتيان ما وجب عليهما نظير المتيممَين الواجدَين للماء .

   (1) في هذه المسألة اُمور :

   الأوّل : لو نذر الحجّ من مكان معيّن كبلده أو بلد آخر عينه فحجّ من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمّته ولا يجزئ عن المنذور ووجب عليه الحجّ ثانياً من ذلك المكان المعيّن وفاء لنذره ، كما إذا نذر أن يصلي ركعتين في مسجد خاص أو في الحرم الشريف فصلى في مكان آخر فإنّها لا تجزئ عن الأمر الناشئ من النذر بل لا بدّ من الصلاة في الحرم الشريف أو في المسجد المعيّن ، نظير ما لو نذر أن يعطي درهماً لزيد فأعطاه لعمرو ونحو ذلك ، فإن الأمر الناشئ من النذر أوجب عليه الإتيان بحصة خاصة وفرد خاص من الطبيعة فلا يجزئ عنه إتيان الطبيعة في ضمن فرد آخر لم يتعلّق به النذر ولا يتحقق الامتثال بالنسبة إلى الأمر النذري إلاّ بإتيان متعلقه .

   الثاني : لو عيّنه في سنة خاصّة من مكان خاص فحج في تلك السنة من غير ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيما إذا كان للمكان المنذور رجحان وكذا فيما بعده .

ــ[318]ــ

المكان لا يجب عليه الحجّ ثانياً لعدم إمكان التدارك ، لأن المفروض أنه قيد الحجّ بسنة خاصّة ولم يكن مطلقاً حتى يمكن التدارك بإتيانه في سنة اُخرى . نعم ، يجب عليه الكفّارة فقط لأنه خالف نذره .

   والحاصل : لو كان نذره مطلقاً وغير مقيّد بزمان خاص فخالف وأتى به من غير ذلك المكان المعيّن المنذور يجب عليه الحجّ ثانياً ، لأنه لم يمتثل الأمر النذري المتعلق بحصة خاصة من الطبيعة وليس عليه الكفارة ، وإن كان الحجّ مقيّداً بزمان خاص من مكان خاص فخالف وأتى بالحج من غير ذلك المكان يسقط وجوب الحجّ ثانياً لعدم إمكان تداركه ، لأنه كان مقيّداً بسنة خاصّة وقد فوّت على نفسه ، وإنما يجب عليه الكفارة فقط لأنه حنث بإتيان الحجّ من غير ذاك المكان المعيّن ، هذا كله إذا كان النذر واحداً .

   الثالث : ما إذا كان النذر متعدداً أحدهما تعلق بالحج مطلقاً من غير تقييد بمكان والآخر تعلق بالاتيان به من مكان خاص وخالف فحج من غير ذلك المكان . ذكر في المتن أنه تبرأ ذمته من النذر الأوّل لأنه تعلق بطبيعي الحجّ وقد تحقق غاية الأمر قيده بنذر ثان ووجوب آخر بإيجاده في ضمن حصة خاصة ، فمتعلق نذر كل منهما يغاير الآخر وقد حصل الامتثال بالنسبة إلى النذر الأوّل ، وأمّا بالنسبة إلى النذر الثاني فقد خالفه وتجب عليه الكفارة ، وهكذا لو نذر أن يأتي بحجّ الإسلام من بلد كذا فخالف وحج من غير ذلك البلد فإنه يجزئه عن حجّة الإسلام ولكن تجب عليه الكفّارة لخلف النذر .

   أقول : يقع الكلام في جهتين :

   الاُولى : في صحّة النذر الثاني وعدمها . لا ريب في صحّة النذر إذا كان متعلقه أمراً راجحاً ، كما إذا نذر أن يصلي في المسجد أو في الحرم الشريف أو يأتي بها جماعة ونحو ذلك من العناوين الراجحة ، فإن الأمر الأوّل تعلق بأصل الطبيعة المطلقة والثاني تعلق بإيقاعها في ضمن فرد راجح ، فلو أتى بالطبيعة في ضمن غير ذلك الفرد امتثل بالنسبة

ــ[319]ــ

إلى الأمر الأوّل ، لأنه لم يكن مقيداً وانما تعلق بالطبيعي الجامع بين الصلاة جماعة وفرادى ، وأمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني فقد خالف ووجب عليه الكفّارة ، وأمّا إذا لم يكن متعلقه راجحاً كما إذا لم يكن للمكان المنذور رجحان فلا ينعقد كما هو كذلك في المقام ، لأن إتيان الحجّ من بلده أو من بلد خاص لا رجحان فيه شرعاً فلا ينعقد النذر بالنسبة إليه . نعم ، لا يبعد صحته فيما إذا تعلق بالخروج مع القافلة الاُولى للرجحان فيه لاحتمال عدم الوصول إلى الحجّ لو أخر السفر إلى القوافل اللاّحقة .

   والحاصل : لو تعلق النذر بحصة خاصة لا بدّ من ثبوت الرجحان في تلك الحصة وإلاّ فلا ينعقد كما إذا نذر أن يصلي صلاته اليومية في غرفة خاصة من داره لعدم رجحان في ذلك . نعم ، لو تعلق النذر بنفس الخاص ينعقد لثبوت الرجحان في أصل الفرد الخاص ، كما إذا نذر أن يصلي ركعتين في هذه الغرفة المعيّنة . وبالجملة : ما ذكره المصنِّف من انعقاد النذر الثاني على إطلاقه غير تام ، بل لا بدّ من التفصيل بين ما كان متعلقه راجحاً وعدمه .

   الجهة الثانية : قد عرفت أنه لو نذر أوّلاً أن يحجّ من غير تقييد بمكان ثمّ نذر ثانياً أن يكون ذلك من مكان خاص فحجّ من غير ذلك المكان صحّ حجّه وبرأ من النذر الأوّل لامتثاله ووفائه له ، لأنّ المفروض كان متعلقه مطلقاً ولم يكن مقيداً بمكان خاص ، وأمّا بالنسبة إلى النذر الثاني فقد خالفه ويجب عليه الكفّارة .

   وقد يقال ببطلان العمل الصادر منه بدعوى أن النذر في المقام في الحقيقة يرجع إلى أن لا يحج إلاّ من بلد كذا وقوله : للهِِ عليّ أن أحجّ حجّ الإسلام من بلد كذا  يرجع إلى قوله : للهِِ عليّ أن لا أحجّ إلاّ من بلد كذا  أو لا يصلِّي في أي مكان إلاّ في المسجد أو لا يصلِّي إلاّ جماعة ، فإذا حجّ من غير ذلك البلد أو صلّى في غير ذلك المسجد أو صلّى فرادى يقع الفعل الصادر منه مبغوضاً ، لأنه موجب لتفويت المنذور ولا يمكن تداركه وإذا وقع مبغوضاً يقع فاسداً ، إذ لا يمكن أن يكون الحرام مصداقاً للواجب فيبقى النذر بحاله .

ــ[320]ــ

   والحاصل : لو حج من غير البلد المعيّن فقد فوّت الموضوع وعجّز نفسه عن أداء المنذور ، وهذا التعجيز حرام والحرام لا يكون مصداقاً للواجب فلا يمكن القول بصحة الحجّ من غير ذلك البلد ، فيجب عليه الإتيان بالمنذور بعد ذلك ولا تجب عليه الكفارة لأنها إنما تجب بترك المنذور لا بتفويته .

   وفيه : أن النذر في المقام يتعلق بإيقاع الطبيعة في ضمن هذا الفرد الخاص ، وأما عدم إيقاعها في ضمن فرد آخر فهو من باب الملازمة بين وجود أحد الضدين وعدم الضد الآخر لا من جهة تعلق النذر بذلك وإلاّ لا ينعقد النذر من أصله ، لأن ترك الصلاة في غير المسجد أو ترك الحجّ من بلد كذا لا رجحان فيه ، كما لا رجحان بخصوصه لابتداء الحجّ من بلد خاص .

   وأمّا ما ذكر من التعجيز وتفويت الموضوع عن أداء المنذور بإتيان هذا الفرد والحجّ من غير البلد المعيّن المنذور فليس إلاّ من جهة المضادة بين المنذور وغيره وعدم إمكان الجمع بين الضدين ، وليس ذلك من التعجيز بشيء ، بل ذلك لأجل ملازمة خارجية بين الضدين ، فإن وجود كل ضد ملازم لعدم الضد الآخر .

   هذا ، مضافاً إلى أنّ التعجيز لا يعقل أن يكون محكوماً بالحرمة لأنه يستلزم من وجوده عدمه ، وذلك لأنّ التعجيز إنما يتحقق إذا كان المأتي به صحيحاً ، إذ لو كان باطلاً وفاسداً لا تعجيز ، ولو كان صحيحاً سقط الأمر ، فالتعجيز متوقف على صحّة المأتي به وإذا  كان صحيحاً لا يمكن أن يكون المعجّز محرماً بعنوان التعجيز .

   والحاصل : في المقام أمران أحدهما تعلق النذر بمطلق الطبيعة والثاني تعلقه بإتيان الطبيعة في ضمن فرد خاص ، فلو فرضنا أنه أتى بمتعلق النذر الأوّل فإن كان فاسداً لا يكون معجّزاً ، وإن كان صحيحاً ومسقطاً للأمر لا يكون مبغوضاً ومحرماً، فالتعجيز يتوقف على الصحّة ، والصحّة تستلزم سقوط الأمر وعدم كونه مبغوضاً وما يستلزم من وجوده عدمه محال . والحل ما ذكرناه من أن الحجّ من البلد المعيّن المنذور والحجّ من غير هذا البلد من قبيل الضدين ولا يستلزم وجوب أحدهما حرمة الآخر وإنما هو من باب الملازمة الخارجية .

 
 

ــ[321]ــ

   [ 3115 ] مسألة 8 : إذا نذر أن يحج ولم يقيده بزمان فالظاهر جواز التأخير((1)) إلى ظن الموت أو الفوت ، فلا تجب عليه المبادرة إلاّ إذا كان هناك انصراف ، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً والقول بعصيانه مع تمكنه في بعض تلك الأزمنة وإن جاز التأخير لا وجه له . وإذا قيده بسنة معيّنة لم يجز التأخير مع فرض تمكنه في تلك السنة ، فلو أخّر عصى وعليه القضاء((2)) والكفّارة ، وإذا مات وجب قضاؤه عنه ، كما أنّ في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه ، والقول بعدم وجوبه بدعوى أنّ القضاء بفرض جديد ضعيف لما يأتي .

   وهل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث ؟ قولان ، فذهب جماعة إلى القول بأنه من الأصل لأنّ الحجّ واجب مالي وإجماعهم قائم على أنّ الواجبات المالية تخرج من الأصل وربما يورد عليه بمنع كونه واجباً مالياً وإنما هو أفعال مخصوصة بدنيّة وإن كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدّماته كما أنّ الصلاة أيضاً قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلك .

   وفيه : أنّ الحجّ في الغالب محتاج إلى بذل المال بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنية ، فإن كان هناك إجماع أو غيره على أن الواجبات المالية من الأصل يشمل الحجّ قطعاً . وأجاب صاحب الجواهر (قدس سره) بأن المناط في الخروج من الأصل كون الواجب ديناً والحجّ كذلك فليس تكليفاً صرفاً كما في الصلاة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر عدم جواز التأخير ما لم يكن مطمئناً بالوفاء .

(2) وجوب قضاء الحجّ المنذور المؤقت وغير المؤقت مبني على الاحتياط ، والأظهر عدم الوجوب إذ لا دليل عليه ، ودعوى أنه بمنزلة الدّين فيخرج من الأصل لم تثبت فإن التنزيل إنما ورد في نذر الإحجاج وقد صرّح فيه بأنه يخرج من الثلث ، وأمّا ما ورد من إطلاق الدّين على مطلق الواجب كما في رواية الخثعمية فلا يمكن الاستدلال به لضعف الرواية سنداً ودلالة وبذلك يظهر الحال إلى آخر المسألة .

ــ[322]ــ

والصوم ، بل للأمر به جهة وضعية فوجوبه على نحو الدينية بخلاف سائر العبادات البدنية فلذا يخرج من الأصـل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنه دين أو بمنزلة الدّين .

   قلت : التحقيق أن جميع الواجبات الإلهية ديون لله تعالى سواء كانت مالاً أو عملاً مالياً أو عملاً غير مالي ، فالصلاة والصوم أيضاً ديون لله ولهما جهة وضع فذمة المكلف مشغولة بهما ، ولذا يجب قضاؤهما ، فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميت ، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفارة بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به ولا فرق بين كون الإشتغال بالمال أو بالعمل ، بل مثل قوله : للهِِ عليّ أن أعطي زيداً درهماً  دين إلهي لا خلقي فلا يكون الناذر مديوناً لزيد بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد ، ولا فرق بينه وبين أن يقول : للهِِ عليّ أن أحجّ أو أن اُصلِّي ركعتين  فالكل دين الله ودين الله أحق أن يقضى كما في بعض الأخبار ، ولازم هذا كون الجميع من الأصل . نعم ، إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا يجب قضاؤه لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته سواء كان مالاً أو عملاً مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة ، فإنه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه ولا على وارثة القضاء لأن الواجب إنما هو حفظ النفس المحترمة ، وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته ، وكما في نفقة الأرحام فإنه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكنه لا يصير ديناً عليه لأنّ الواجب سدّ الخَلة وإذا فات لا يتدارك .

   فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة في الحجّ النذري إذا تمكن وترك حتى مات وجوب قضائه من الأصل لأنه دين إلهي ، إلاّ أن يقال بانصراف الدّين عن مثل هذه الواجبات ، وهو محل منع ، بل دين الله أحق أن يقضى . وأما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالتين على أن من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه ، وإذا كان نذر

ــ[323]ــ

الإحجاج كذلك مع كونه مالياً قطعاً فنذر الحجّ بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل . وفيه : أن الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما فكيف يعمل بهما في غيره .

   وأمّا الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناء على خروج المنجزات من الثلث فلا وجه له بعد كون الأقوى خروجها من الأصل . وربما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة ، أو على صورة عدم التمكّن من الوفاء حتى مات ، وفيهما ما لا يخفى خصوصاً الأوّل (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ذكر (قدس سره) أنه لو نذر الحجّ ولم يقيده بزمان فله التأخير إلاّ إذا ظنّ الموت أو الفوت ، فما لم يظن الموت أو الفوت لا تجب عليه المبادرة إلاّ إذا كان هناك انصراف إلى الفورية ، فلو مات في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً لعدم كون التكليف منجزاً عليه والعصيان إنما يتحقق فيما إذا كان التكليف منجزاً ، فإن القول بجواز التأخير له وعصيانه لا يجتمعان ، لأنّ العصيان يدور مدار التنجيز لا الترك الواقعي .

   أقول : ما ذكروه من عدم دلالة الأمر على وجوب المبادرة صحيح لما حقق في الاُصول من أن الأمر إنما يدلّ على إيجاد الطبيعة من دون دلالته على الفور أو التراخي(1) ، إلاّ أنّ الفقهاء (قدس سره) قيدوا جواز التأخير في المقام بظن الموت أو الفوت أي : إذا ظنّ الموت أو الفوت لا يجوز له التأخير وإنما يجوز له التأخير فيما إذا لم يظنّ الموت أو الفوت ، فإن ظنّ الموت أو الفوت تجب عليه المبادرة إن تمكّن من إتيان ما وجب عليه من الواجبات وإلاّ فيوصي بذلك ، سواء كان من الواجبات العبادية أم غيرها كالديون .

   هذا ولكن لا دليل على اعتبار الظن في المقام ، وعليه لو قلنا بجواز التأخير يجوز له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه  2 : 213 .

ــ[324]ــ

التأخير مطلقاً وإن ظن الموت أو الفوت ، ولكن الظاهر عدم جواز التأخير إلاّ مع الاطمئنان بإتيان الواجب في آخر الوقت أو يكون التأخير مستنداً إلى العذر ، لا لدلالة الأمر على الفور ، لما عرفت من عدم دلالته إلاّ على إيجاد الطبيعة ، بل لأنّ مقتضى حكم العقل ـ بعد اشتغال ذمّة العبد بالواجب ـ إفراغ ذمته عما وجب عليه وخلاص نفسه عن تكليف المولى ، فإن التكليف إذا وصل وتنجز عليه ليس له التأخير عن أدائه ما لم يكن هناك مؤمّن من العذر في التأخير أو حصول الاطمئنان له بالوفاء في آخر الوقت ، وإن لم يحصل أحد الأمرين فليس له التأخير بعد حكم العقل بلزوم تفريغ الذمّة وتسليم ما عليه إلى المولى ، فلا يجوز له التأخير إلى ظن الموت كما لا تجب عليه المبادرة إذا حصل له الاطمئنان بالوفاء .

   وممّا ذكرنا يظهر الفرق بين القول بالفورية وبين المختار ، فإنه على الأوّل يجب عليه الإتيان فوراً وإن حصل له الاطمئنان بإتيان الواجب في آخر الوقت لدلالة الأمر على الفور ، وأمّا على ما ذكرنا فلا تجب عليه المبادرة إذا حصل له الاطمئنان بالإتيان ، كما أنه ظهر الفرق بيننا وبين القائلين بجواز التأخير فإنهم جوزوا التأخير في صورة الشك وعدم الاطمئنان بالإتيان ولكنا لم نجوز التأخير في هذه الصورة وإنما نجوزه في صورة الاطمئنان .

   وبالجملة : لا بدّ من إحراز الخروج عن عهدة التكليف من حصول المؤمّن إما بالقطع أو الاطمئنان العقلائي أو قيام طريق شرعي كالبيّنة أو كان معذوراً في التأخير ، فلو كان شاكاً في إمكان الامتثال لا يجوز له التأخير وإن لم يظن الموت فالقول بجواز التأخير إلى ظن الموت على إطلاقه لا وجه له .

   وربما يقال بقيام طريق معتبر على إمكان الامتثال في آخر الوقت وهو استصحاب حياته أو قدرته إلى آخر الوقت فلا يكون عاصياً إذا مات ، لقيام الطريق في المقام واستناد التأخير إلى العذر .

   وفيه : لو صحّ ذلك لصح إجراء الإستصحاب حتى مع الظنّ بالموت فلا وجه لتقييد جواز التأخير بظن الموت . على أن الإستصحاب مثبت ، لأنّ الواجب على المكلف

ــ[325]ــ

حسب حكم العقل كما عرفت هو إحراز الخروج عن عهدة التكليف والاستصحاب لا يحقق الامتثال وإحرازه فيما بعد ، بل هو لازم عقلي لبقاء الحياة والقدرة .

   والحاصل : لا يجوز له التأخير مع الشك بل ولا مع الظن بالاتيان ، وإنما يجوز له التأخير عند قيام طريق معتبر على إمكان الاتيان كالبيّنة والاطمئنان ونحو ذلك من الطرق المعتبرة والجامع حصول المؤمّن له .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net