لتزاحم بين الحجّ النذري وبين حجّة الإسلام - إذا نذر الحجّ أو الإحجاج 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1456


   [ 3128 ] مسألة 21 : إذا  كان عليه حجّة الإسلام والحجّ النّذري ولم يمكنه الإتيان بهما إمّا لظنّ الموت أو لعدم التمكّن إلاّ من أحدهما ، ففي وجوب تقديم الأسبق سبباً أو التخيير أو تقديم حجّة الإسلام لأهميتها وجوه ، أوجهها الوسط وأحوطها الأخير ((2)) ، وكذا إذا مات وعليه حجتان ولم تفِ تركته إلاّ لأحدهما وأمّا إن وفت التركة فاللاّزم استئجارهما ((3)) ولو في عام واحد (2) .

ـــــــــــــــــــ
   (2) لو استقر عليه الواجبان الحجّ النذري وحج الإسلام معاً وعجز عن إتيانهما فهل يقدّم الأسبق سبباً أو يتخيّر بينهما أو يقدّم حجّ الإسلام ؟ وجوه ، ذكر في المتن أنّ

ـــــــــــــ
(2) بل الأقوى هو الأخير ، وكذا فيما بعده ، ولا يخفى عدم صحّة الجمع بين الحكم بالتخيير والإحتياط بتقديم حجّة الإسلام لأن المقام من موارد التزاحم والتخيير فرع تساوي الإحتمالين في الأهمية والإحتياط فرع انحصار احتمال الأهمية في أحدهما .

(3) وجوب قضاء المنذور مبني على الإحتياط .

ــ[351]ــ

الأوجه هو التخير ، والأحوط تقديم حج الإسلام للأهمية .

   وفيه : أنّ الحكم بالتخيير لا يجتمع مع الاحتياط بتقديم حجّ الإسلام لأن المقام من موارد التزاحم ، والتخيير فرع تساوي الاحتمالين في الأهمية ، والاحتياط فرع انحصار احتمال الأهمية في أحدهما . والحاصل : لا بدّ من إعمال قاعدة التزاحم في المقام ، فإن كان الواجبان متساويين يحكم بالتخيير بينهما ، وإن اُحرز الأهمية في أحدهما أو احتملت يقدم ذلك ، وفي المقام حيث نحتمل أهميّة حج الإسلام ـ ولذا احتاط في تقديمه على الحجّ النذري ـ يتعين التقديم ولا تصل النوبة إلى التخيير ، وإذا احتملنا الأهميّة في كل من الواجبين فالحكم هو التخيير أيضاً ، فلا وجه لكون حجّ الإسلام أحوط .

   وبالجملة : لو اُحرز التساوي في كل من الواجبين المتزاحمين أو احتمل الأهميّة في كل منهما فالحكم هو التخيير ، وإذا كان أحدهما محرز الأهميّة أو محتملها يقدّم جزماً ولا ريب في تقديم حج الإسلام لأنه أهم قطعاً ولا أقل احتمالاً .

   ولو مات وعليه حجتان الحجّ النذري وحج الإسلام ولم تفِ التركة إلاّ لأحدهما فإن قلنا بعدم وجوب قضـاء الحجّ النذري كما هو المختار أو قلنا بخروجه من الثلث فلا مزاحمة أصلاً بين الحجين بل يتعين قضاء حج الإسلام عنه من الأصل ، وأمّا بناء على وجوب قضاء النذر وخروجه من أصل المال وكونه كالدين فمقتضى القاعدة هو تقسيط المال بين النذر وحج الإسلام لأنه دين أيضاً ، ولكن المفروض عدم إمكان ذلك في المقام لعدم وفاء المال لهما ، والحجّ غير قابل للتبعيض ، فلا بدّ من تقديم أحدهما والمتعين تقديم حجّ الإسلام على كل دين سواء كان ديناً إلهياً أو ديناً شخصياً إنسانياً للنص(1) ، ولا فرق بين الحياة والممات . هذا كله لو قلنا بخروج الواجب بالنذر من الأصل لكونه ديناً ، وأما إذا قلنا بخروجه من الثلث فلا موضوع للبحث ويجب تقديم حج الإسلام بلا إشكال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 43 / أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1 .

ــ[352]ــ

   [ 3129 ] مسألة 22 : من عليه الحجّ الواجب بالنذر الموسّع يجوز له الإتيان بالحجّ المندوب قبله (1) .

   [ 3130 ] مسألة 23 : إذا نذر أن يَحج أو يُحج انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير ، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيراً ((1)) ، وإذا طرأ العجز من أحدهما معيناً تعين الآخر ، ولو تركه أيضاً حتى مات يجب القضاء عنه مخيراً أيضاً ، لأنّ الواجب كان على وجه التخيير فالفائت هو الواجب المخيّر ولا عبرة بالتعيين العرضي ، فهو كما لو كان عليه كفّـارة الإفـطار في شهر رمضـان وكان عاجزاً عن بعض الخصال ثمّ مات فإنّه يجب الإخراج من تركته مخيّراً وإن تعيّن عليه في حال حياته في إحداها ، فلا يتعيّن في ذلك المتعين (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لعدم الدليل على المنع ، وإنما قام الدليل على المنع من التطوع بالصوم لمن كان عليه الصوم الواجب ، وقد وقع الكلام في التطوع بالصلاة لمن كان عليه الفريضة واخترنا الجواز في محله .

   (2) ذكر (قدس سره) أنه إذا نذر أن يحج بنفسه مباشرة أو يُحج غيره انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير ، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيراً بناء على ثبوت وجوب القضاء في الحجّ النذري ، وإذا طرأ العجز من أحدهما معيناً تعين الآخر كما هو الحال في جميع الواجبات التخييرية ، فإن العجز عن أحد الواجبين التخييريّين لا يوجب سقوط الواجب الآخر بالضرورة ، لأن المفروض أن الواجب هو الجامع وهو أحد الأمرين ، ولو تعين عليه أحدهما وتركه أيضاً حتى مات يجب القضاء عنه بناء على وجوب القضاء ، وهل الواجب في القضاء التعيين أو التخيير ، بمعنى أنه لو تعين عليه أحد الواجبين بطروء العجز وتركه أيضاً هل يقضى عنه ما تعيّن عليه أو يقضى عنه مخيّراً ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد عدم وجوب قضاء شيء منهما .

ــ[353]ــ

نعم ، لو كان حال النذر غير متمكّن إلاّ من أحدهما معيناً ولم يتمكن من الآخر إلى أن مات أمكن أن يقال ((1)) باختصاص القضاء بالذي كان متمكناً منه ، بدعوى أن النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكن منه بناء على أن عدم التمكن يوجب عدم الانعقاد ، لكن الظاهر أن مسألة الخصال ليست كذلك فيكون الإخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حياته متمكناً إلاّ من البعض أصلاً ، وربّما يحتمل في الصورة المفروضة ونظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضاً بدعوى أن متعلق النذر هو أحد الأمرين على وجه التخيير ومع تعذر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييرياً ، بل عن الدروس اختياره في مسألة ما لو نذر إن رُزق ولداً أن يُحجّه أو يحجّ عنه إذا مات الولد قبل تمكّن الأب من أحد الأمرين ، وفيه : أنّ مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين من دون اشتراط كونه على وجه التخيير ، فليس النذر مقيداً بكونه واجباً تخييرياً حتى يشترط في انعقاده التمكّن منهما .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ربما يقال بقضاء المتعيّن عليه ، لأنّ الواجب عليه في حال حياته خصوص هذا العدل ، والفائت عنه مما هو وظيفته خصوص هذا الفرد .

   وأجاب عنه بأن الواجب عليه أصالة كان على وجه التخيير ، والفائت هو الواجب المخير ، ولا عبرة بالتعيين العرضي فإن التعيين الطارئ القهري في حال الحياة لا يوجب التعيين حال القضاء ، نظير كفارة الخصال الثابتة للافطار في شهر رمضان فإنه لو كان عاجزاً عن بعض الخصال حال حياته ثمّ مات يجب الاخراج من تركته مخيراً .

   توضيحه : أن العجز عن بعض الأفراد لا يوجب التعيين في الباقي ، لأنّ المتمكّن منه من أفراد الواجب إنما وجب عليه من باب العنوان الكلي ، بمعنى أن الواجب الأصلي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكنه بعيد جداً .

ــ[354]ــ

عليه شرعاً هو العنوان الكلي ، وإنما تعين عليه هذا الفرد بخصوصه بحكم العقل لعجزه عن الفرد الآخر ، والخصوصية الفردية غير دخيلة في الحكم الشرعي وإنما الخصوصية للالزام العقلي ، نظير تعين وجوب الصلاة بآخر الوَقت لمن ترك الصلاة قبل ذلك ، فإن تعين ذلك بآخر الوقت غير دخيل في الحكم وفي الوقت المحدد لها ، وإنما تعيّن الوجوب بهذا الوقت بحكم العقل وإلاّ فالواجب هو إتيان الصلاة من الزوال إلى الغروب ، والخصوصيات الفردية من حيث الزمان أو المكان غير دخيلة في الواجب ولا فرق بين الواجبات التخييرية الطولية بحسب الزمان والواجبات التخييرية العرضية بحسب الأفراد .

   وبالجملة : ما فات عنه هو الجامع ، والذي فات عنه يجب قضاؤه ، ولا يقاس المقام بقضاء المسافر صلاته قصراً إذا تركها في موارد التخيير ، فإن المسافر يجب عليه القصر إلاّ المتمكن من القصر والتمام في موارد التخيير فيما إذا وسع الوقت لهما ، وأما إذا ضاق الوقت عن التمام يتعين عليه القصر ولا يثبت له التخيير لعدم تمكنه من التمام والقصر ، فإذا تعين عليه القصر كما إذا فرضنا أنه لم يصل فالفائت عنه ما تعين عليه وهو القصر ،ويجب قضاء ما فات عنه .

   وبعبارة اُخرى : وظيفة المسافر إنما هي الصلاة قصراً ، وإنما يتخير بينهما فيما إذا وسع الوقت لهما ، وأمّا إذا أخّر الصلاة بحيث لا يسع الوقت للتمام يتعين عليه القصر وإذا ترك الصلاة فالفائت عنه هو القصر ويجب قضاؤه. على أنّ التخيير ثابت في الأداء لا في القضاء ، والسر ما ذكرناه من أن الواجب التخييري لا ينقلب إلى التعيين شرعاً بتعذر بعض الأفراد وإنما يتعين بعض الأفراد بحكم العقل بعد العجز عن إتيان الفرد الآخر . والحاصل : طروء العجز على أحدهما في حال حياته لا يوجب تعيّن القضاء به لأنّ وجوب أحدهما المعين وجوب عقلي ، لتوقف الامتثال على إتيان الفرد المقدور وإلاّ فالواجب عليه أوّلاً وأصالة إنما هو الجامع بين الأمرين . هذا كلّه فيما لو كان متمكِّناً من الفردين حال النذر .

   وأمّا لو كان حال النذر غير متمكن إلاّ من أحدهما معيّناً ولم يتمكّن من الآخر إلى

ــ[355]ــ

أن مات ـ كما إذا كان شيخاً كبيراً أو مريضاً لا يتمكّن من الحجّ مباشرة ولكنه متمكِّن من الإحجاج ـ  ففيه وجوه ثلاثة :

   الأوّل : انعقاد النذر ، ويتخيّر في القضاء وإن لم يتمكن من أحدهما في حال حياتـه كما في مسألة الخصال ، فإن الاخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حال حياته متمكناً إلاّ من البعض .

   الثاني : أن النذر ينعقد بالنسبة إلى المقدور وأما بالنسبة إلى غيره فلا ، لاعتبار التمكّن في متعلق النذر ، فيختص القضاء بالذي كان متمكناً منه .

   الثالث : ما نسب إلى الشهيد (قدس سره) من عدم انعقاد النذر حتى بالنسبة إلى الفرد المقدور ، لأن متعلق النذر هو أحد الفردين على وجه التخيير ومع تعذر أحدهما لا يكون الوجوب تخييرياً ، فما تعلق به النذر غير قابل للصحة لعدم التمكن منه وما هو قابل لذلك لم ينذره (1) .

   والصحيح هو الوجه الأوّل ، وذلك لأن الوجوب التخييري سواء كان أصلياً ككفّارة الخصال أو كان التزامياً وعرضياً كتعلق النذر بأحد شيئين إنما يتعلق بالجامع بين الأمرين أو الاُمور ، والخصوصيات الفردية غير دخيلة في الواجب ، فالواجب التخييري الشرعي من حيث الخصوصيات كالتخيير العقلي بين الأفراد الطولية أو العرضية فإن هذه الخصوصيات غير دخيلة في الواجب ، والتمكن وعدمه إنما يلاحظان بالنسبة إلى متعلق الوجوب ونفس المأمور به لا بالنسبة إلى الخصوصيات الخارجة عن المأمور به التي لا دخل لها في متعلق التكليف ، والنذر إذا كان متعلقاً بأحد أمرين وبالجامع بينهما يكون الواجب شرعاً هو الجامع لأن الشارع يمضي ما التزم الناذر على نفسه .

   والحاصل : أن الوجوب التخييري ما تعلق بالجامع بين الأمرين ، نظير وجوب إعطاء الزكاة لطبيعي الفقير ، وهكذا لو نذر أن يعطي درهماً للفقير ، ففي كلا الموردين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 1 : 318 .

ــ[356]ــ

يتعلّق الوجوب بالجامع والمكلف مخير في تطبيق الحكم على أي فرد شاء ، والتطبيق بحكم العقل فالتخيير الشرعي كالعقلي من هذه الجهة سواء كان تخييرياً أصلياً ككفارة الخصال أو تخييرياً جعلياً كموارد النذر ، فإن التخيير العقلي ما تعلق الوجوب بالجامع الذي له عنوان خاص ، والتخيير الشرعي ما كان له جامع انتزاعي وهو عنوان أحدهما ، وإلاّ ففي الواقع لا فرق بينهما في إلغاء الخصوصيات في كلا الموردين ولا شبهة في صحّة تعلق الأمر بالعنوان الانتزاعي كعنوان أحدهما ، لأنه مقدور للمكلف وإن كان بعض الأفراد غير مقدور له ، وبالجملة : الجامع الذي تعلّق به الوجوب مقدور له ، والعبرة بالتمكن منه وإن كان بعض أفراده غير مقدور له ، والملتزم به في باب النذر المتعلق بأحد الأمرين هو الجامع لا التخيير حتى يقال بأنّ ما التزم به غير قابل للجعل ، لأن مع تعذر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييرياً ، وما هو قابل له غير ملتزم به وهو الفرد الممكن خاصة ، بل الذي التزم به هو الجامع وهو مقدور له وإن كان تمكنه في ضمن فرد دون آخر .

   وأما ما ذكر من انعقاد النذر بالنسبة إلى المقدور فقط واختصاص القضاء به ، ففيه : ما عرفت من أن القدرة معتبرة في متعلق النذر لا في الأمر الخارج عنه كالخصوصيات ، والمفروض أن متعلق النذر هو الجامع الانتزاعي بينهما وهو مقدور له .

   وبما ذكرنا ظهر أنه إذا مات الناذر لا يختص وجوب القضاء بالنسبة إلى ما كان مقدوراً له ، بل لو كان مقدوراً للوارث يأتي به قضاء عن الميت وإن لم يكن مقدوراً للميت ، كما لو نذر الميت أن يعطي درهماً للفقير ولم يكن متمكناً من إعطائه إلى زيد وكان متمكناً من اعطائه إلى عمرو خاصة ومات قبل الاعطاء لا يجب على الوارث أن يعطي الدرهم إلى عمرو بخصوصه ، وذلك لأن الملتزم به إعطاء الدرهم إلى الفقير الجامع بين الأفراد وهو صادق على كل من زيد وعمرو . وبما ذكرنا ظهر أيضاً فساد ما نسب إلى الدروس من بطلان النذر وعدم انعقاده أصلاً ، إذ لا وجه له بعدما عرفت أن متعلق النذر هو الجامع وهو مقدور له .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net