فروع نذر الحجّ ماشياً أو حافياً أو راكبا 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1761

 

ــ[361]ــ

   [ 3133 ] مسألة26 : إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحب انعقد مطلقاً حتى في مورد يكون الركوب أفضل ، لأنّ المشي في حدّ نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات ، فإنّ أرجحيّته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه ، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً ولو مع الإغماض عن رجحان المشي لكفاية رجحان أصل الحجّ في الانعقاد ، إذ لا يلزم أن يكون المتعلق راجحاً بجميع قيوده وأوصافه ، فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه له ، وأضعف منه دعوى الانعقاد في أصل الحجّ لا في صفة المشي فيجب مطلقاً ، لأنّ المفروض نذر المقيد فلا معنى لبقائه مع عدم صحّة قيده (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ذكر في هذه المسألة أمرين :

   الأوّل : إذا نذر المشي في الحجّ الواجب أو المستحب انعقد لأن المشي في الحجّ محبوب وراجح في نفسه لجملة من الأخبار (1) ، وقد حج الحسن (عليه السلام) ماشياً مراراً وتساق معه الرحال والمحامل ، وإن كان الركوب في بعض الموارد أفضل من جهات اُخر ، فإن المعتبر في النذر أن يكون متعلقه راجحاً في نفسه وإن كان غيره أفضل وأرجح منه ، فإن أرجحية غيره لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه .

   الثاني : أن ينذر الحجّ ماشياً مطلقاً فانه ينعقد أيضاً ولو فرضنا أن المشي في الحجّ غير راجح أصلاً ، لأن متعلق النذر ليس هو المشي ليلاحظ رجحانه وإنما المتعلق حصة خاصة من الحجّ وهي راجحة في نفسها وإن كان وجود غيرها أرجح ، نظير ما إذا نذر أن يصلي ركعتين في غرفته فإنه ينعقد وإن كان إتيان الصلاة في الغرفة من حيث هو لا رجحان فيه أصلاً ، إلاّ أنه لا ريب في أن إيقاع الصلاة في أي مكان راجح في نفسه وإن كان إتيانها في المسجد أو الحرم أفضل ، وبالجملة : لا بدّ من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 78 / أبواب وجوب الحجّ ب 32 .

ــ[362]ــ

   [ 3134 ] مسألة 27 : لو نذر الحجّ راكباً انعقد ووجب ولا يجوز حينئذ المشي وإن كان أفضل لما مرّ من كفاية رجحان المقيد دون قيده . نعم ، لو نذر الركوب في حجّه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد ، لأن المتعلق حينئذ الركوب لا الحجّ راكباً ، وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين ، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ حافيا (1)

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة الرجحان في متعلق النذر بنفسه ، ولا يعتبر كونه أفضل من غيره ، ولذا لو نذر زيارة مسلم بن عقيل (عليه السلام) ينعقد وإن كان زيارة الحسين (عليه السلام) أفضل بكثير ، وكذا لو نذر أن يعطي درهماً لشخص ينعقد وإن كان إعطاؤه لشخص آخر أفضل لفقره ونسبه وحسبه .

   والحاصل ، لا يعتبر في انعقاد النذر ورجحـان متعلقه ملاحظة جميع خصـوصياته بل يكفي رجحان أصل المنذور وإن كان غيره أفضل .

   وهنا قولان آخران : أحدهما أن النذر ينعقد بالنسبة إلى أصل الطبيعة وأصل الحجّ ، وأما بالنسبة إلى الخصوصية وصفة المشي فلا ينعقد فيكون الحجّ واجباً والمشي إليه غير واجب ، وفيه : أن الأمر يدور بين صحته وبطلانه وأما التبعيض فلا وجه له لأن نذر الحجّ ماشياً التزام واحد وليس من قبيل تعدد النذر وانحلاله ، كما أن القول الآخر وهو البطلان برأسه لا وجه له أيضاً .

   (1) قد يتعلّق النذر بالحجّ راكباً فلا ريب في صحّته وانعقاده وإن لم يكن الحجّ راكباً أرجح من جميع الجهات ، فلا يجوز المشي حينئذ وإن كان أفضل لما عرفت من كفاية رجحان المقيد دون قيده وكفاية رجحان ما في متعلقه ، وقد يتعلق بالركوب في حجّه ، فإن لم يكن الركوب في مورد راجحاً لم ينعقد لتعلق النذر بخصوصية غير راجحة ، كما لو نذر أن يصلي صلاة الفجر دائماً في البيت . نعم ، لو تعلق النذر بالطبيعي وكان راجحاً ينعقد وإن وجد في ضمن خصوصية غير راجحة كما لو نذر أن يصلي ركعتين في غرفته .

ــ[363]ــ

وما في صحيحة الحذاء من أمر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بركوب اُخت عقبة بن عامر ـ مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت الله حافية ـ  قضية في واقعة ((1)) يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها أو غير ذلك .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وبالجملة : لا بدّ من ملاحظة المتعلق فإنه إذا كان راجحاً ينعقد النذر وإن كان غيره أفضل ، وإن لم يكن راجحاً لا ينعقد . وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ كل يوم أو فرسخين أو نذر أن يمشي يوماً دون يوم . والحاصل : لا فرق في انعقاد النذر وصحّته بين تعلّقه بالمشي في الحجّ إذا كان المشي راجحاً في نفسه وبين تعلّقه بالحجّ ماشياً .

   وأمّا نذر الحفاء في الحجّ فلا ريب في انعقاده لأنه من مصاديق المشي الراجح ، كما لا ريب في انعقاده لو تعلّق بالحجّ حافياً ، هذا على حسب ما تقتضيه القاعدة ، وأمّا ما في صحيحة الحذاء من أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بركوب اُخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت الله حافية (2) فقد استدلّ به على عدم انعقاد نذر الحفاء في الحجّ .

   وقد أجاب عنه غير واحد بحمل الصحيحة على قضية شخصية وأنها قضية في واقعة ، يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها أو غير ذلك فلا يصح الاستدلال بها ، ولكن الظاهر من استشهاد الإمام (عليه السلام) في حكم نذر الرجل المشي حافياً بأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) بيان حكم كلي مشترك غير مختص بمورده ، وإلاّ لكان جواب الإمام (عليه السلام) أجنبياً لا يناسب السؤال . وبالجملة : لا ينبغي الريب في ظهور الصحيحة في عدم انعقاد نذر الحفاء في الحجّ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرواية ظاهرة في أنها في مقام بيان حكم كلي لكنها معارضة بصحيحة رفاعة وحفص فالمرجع هو عموم وجوب الوفاء بالنذر .

(2) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 4 .

ــ[364]ــ

   وربما يُقال بأنّ الصحيحة معارضة برواية سماعة وحفص(1) الدالّة على انعقاد النذر بالمشي حافياً ، والجمع بينهما يقتضي حمل الرواية على الاستحباب ، وفيه : أن الحمل على الاستحباب لا معنى له في أمثال المقام ، لأن الكلام في الانعقاد وعدمه وصحّة النذر وعدمها ، ولا معنى للحمل على الاستحباب في الحكم الوضعي ، فمقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى دليل آخر . على أن رواية سماعة وحفص بكلا طريقيها ضعيفة السند ، لأنّ أحمد بن عيسى يرويها عن سماعة وحفص تارة وعن محمّد بن قيس اُخرى ، ولا ريب في سقوط الوسائط بينه وبين الرواة .

   والصحيح أن يقال : إن صحيحة الحذاء يعارضها صحيحة رفاعة وحفص المروية في كتاب النذر ، قال : «سألت ـ قالا سألنا ـ  أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافياً ، قال : فليمش فإذا تعب فليركب»(2) ، فالمرجع هو عموم وجوب الوفا بالنذر(3) .

   وللمجلسي (قدس سره) كلام في المقام لا بأس بنقله وحاصله : أن المستفاد من صحيح رفاعة وحفص الوارد في باب النذر بطلان النذر بالحفاء ، فإن قوله (عليه السلام) : «فليمش» معناه أنه يمشي مشياً متعارفاً متنعلاً بلا حفاء ، فهذه الخصوصية ساقطة لا أصل المشي كما اختاره في الدروس(4) وصحيحة الحذاء أيضاً دالّة على مرجوحية الحفاء وبطلان النذر بالنسبة إليه ، فالروايتان متفقتان على سقوط خصوصية الحفاء وبطلان النذر بالنسبة إليه ، وأما المشي المتعارف فيقع التعارض بين صحيح الحذاء وصحيح رفاعة ، لأنّ المستفاد من صحيح الحذاء مرجوحية المشي أيضاً ، لأمره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اُخت عقبة بن عامر بالركوب وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإن الله غني عن مشيها وحفاها. وأمّا صحيح رفاعة فيدلّ على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 88 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 10 .

(2) الوسائل 23 : 307 / كتاب النذر ب 8 ح 2 .

(3) كقوله تعالى في سورة الحجّ 22 : 29 : (وليوفوا نذورهم ) .

(4) الدروس 1 : 318 .

ــ[365]ــ

   [ 3135 ] مسألة 28 : يشترط في انعقاد النذر ماشياً أو حافياً تمكّن الناذر وعدم تضرّره بهما فلو كان عاجزاً أو كان مضرّاً ببدنه لم ينعقد . نعم ، لا مانع منه ((1)) إذا  كان حرجاً لا يبلغ حدّ الضرر لأنّ رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة ، هذا إذا كان حرجياً حين النذر وكان عالماً به وأمّا إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطاً للوجوب (1) .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سقوط الحفاء فقط وبقاء المشي على رجحانه لقوله (عليه السلام) : «فليمش» ، وبعد التعارض لا يمكن الرجوع إلى الأدلة العامة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر ، لأن المفروض أن النذر مقيد بالحفاء والمنذور هو المشي حافياً والعمل ببعض المنذور دون البعض الآخر لا دليل عليه ، فلم يبق موضوع للوفاء بالنذر فالنتيجة سقوط النذر .

   هذا كلّه بناء على ما ذكره المجلسي (قدس سره) من حمل قوله (عليه السلام) : «فليمش» في صحيح رفاعة على المشي المتعارف بلا حفاء ، وأما إذا كان المراد من المشي الذي أمر به هو المشي الخاص المقيد بالحفاء الذي تعلق به النذر فمعناه : أنه إذا نذر المشي حافياً فليمش حافياً حسب نذره وفاء له وإذا تعب فليركب ، فيكون صحيح رفاعة معارضاً لصحيح الحذاء الدال على مرجوحية المشي حافياً ويتساقطان والمرجع حينئذ الأدلّة العامّة لوجوب الوفاء بالنذر ، وهذا المعنى الذي ذكرناه ممّا احتمله المجلسي أيضاً ولكن قال : إنه بعيد ، والظاهر أنه لا بعد فيه بل هذا هو المتفاهم عرفاً .

   فالنتيجة : إنعقاد النذر بالمشي حافياً لعموم وجوب الوفاء بالنذر . ثمّ لا يخفى أنّ مورد صحيحة الحذاء تعلق النذر بالمشي حافياً ولا تشمل تعلق النذر بالحج حافياً ومورد كلام المصنف (قدس سره) هو الثاني فالصحيحة أجنبية عن مورد كلامه .

   (1) يعتبر في متعلق النذر كونه مقدوراً للناذر ، فلو تعلق بأمر غير مقدور له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر عدم الوجوب في هذه الصورة أيضاً .

ــ[366]ــ

لا ينعقد ، لأنّ النذر هو الالتزام بشيء على نفسه ، فلو كان الشيء غير مقدور له لا يمكن أن يلتزم به على نفسه ، وأما لو كان المتعلق ضررياً وقلنا بحرمة تحمل الضرر مطلقاً شرعاً ، أو بحرمة تحمل الضرر الموجب للهلاك ونحوه وكان الضرر الموجود في البين كذلك فلا ينعقد النذر أيضاً ، لأنّ المتعلق حينئذ بمنزلة غير المقدور فلا رجحان فيه ، فإن الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، والمفروض أن النذر لا يحلل الحرام وأمّا إذا لم نقل بحرمة الاضرار بالنفس مطلقاً كما هو المختار عندنا فحاله حال الحرج وأمّا إذا كان المتعلق حرجياً فيتصور على نحوين :

   أحدهما : ما إذا كان الحرج متحققاً حين النذر وهو عالم به .

   ثانيهما : ما إذا طرأ الحرج بعد النذر ولا يعلم به حين النذر .

   أمّا الثاني : فلا ريب في شمول دليل نفي الحرج له ، لأنه التزم بالمتعلق من دون التفات إلى الحرج الطارئ ، والشارع ينفيه فحاله حال بقية الأحكام الحرجية المرتفعة بدليل نفي الحرج .

   وأمّا الأوّل : فالمعروف بينهم انعقاد النذر ، وعلّله المصنف بأن رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة ، ومقتضى دليل نفي الحرج نفي اللّزوم ، لأنّ اللّزوم هو الذي يؤدي إلى الحرج ، وأمّا المحبوبية والمطلوبية فباقية فلا مانع من الانعقاد .

   وفيه : أنّ الكلام في نفي الحرج وأنه من باب الرخصة لا العزيمة إنما يبحث عنه في موارد الأحكام الشرعية إذا طرأها الحرج كما إذا توضأ أو اغتسل بالوضوء أو الغسل الحرجيين ، فقد وقع الكلام في صحته وبطلانه واختاروا الصحّة بدعوى أنّ المنفي هو الوجوب ، وأمّا أصل المطلوبية والرجحان فباق على حاله لأنّ ذلك ممّا يقتضيه الامتنان ، ولكن قد ذكرنا غير مرة أن الأحكام الشرعية بسائط ولا تنحل إلى حكمين ، فإذا ارتفع الوجوب يرتفع الحكم كلية ، وضم دليل نفي الحرج إلى دليل الحكم لا يقتضي بقاء المطلوبية والرجحان . على أنّ ما ذكروه لا يفيد المقام ، لأنّ مقتضى شمول الرفع له ارتفاع وجوب الوفاء بالنذر ولازمه عدم انعقاد النذر ، مع أنهم ملتزمون بانعقاد النذر في مورد الحرج ومعنى انعقاده وجوب الوفاء به ، فلا فرق بين

ــ[367]ــ

   [ 3136 ] مسألة 29 : في كون مبدأ وجوب المشي أو الحَفاء بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال الحجّ أقوال ، والأقوى أنه تابع للتعيين أو الإنصراف ومع عدمهما فأوّل أفعال الحجّ إذا قال : للهِِ عليَّ أن أحجّ ماشياً (1) ومن حين الشروع في السفر إذا قال : للهِِ عليَّ أن أمشي إلى بيت الله  أو نحو ذلك ، كما أنّ الأقـوى أن منتهـاه مع عدم التعيين

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كون رفع الحرج على نحو الرخصة أو العزيمة ، فإن مقتضى الرفع على كل تقدير منهما عدم وجوب الوفاء بالنذر وعدم انعقاده ، فابتناء المقام على أن النفي في الحرج من باب الرخصة لا العزيمة مما لا محصل له أصلاً ، بل هذه المسألة أعني : شمول نفي الحرج للنذر الحرجي وعدمه مبتنية على أمر آخر وهو أن دليل نفي الحرج هل يختص بالأحكام الأصلية الابتدائية أو يعم الأحكام الثانوية الالتزامية ؟

   ربما يقال بالاختصاص بالأحكام الأصلية ، لأن دليل نفي الحرج امتناني ومفاده أن الله تعالى لم يجعل في حق أحد حكماً حرجياً ، وأما إذا التزم المكلف بنفسه بما هو حرجي عليه فلم يكن الحرج ناشئاً من حكم الشارع وجعله ، بل نشأ من التزام المكلّف .

   وفيه : أن الوقوع في الحرج في موارد الالتزام والنذر مستند إلى إلزام الشارع أيضاً ، فإن الشيء مستند إلى الجزء الأخير من العلّة التامّة ، فوجوب المشي في نذر المشي إلى الحجّ إنما نشأ من الشارع والحرج آت من قبله ، ونذر المكلف والتزامه بشيء مقدّمة لإلزام الشارع ، لأن التزامه من دون ضمّ إلزام الشارع لا أثر له .

   وبما ذكرنا يظهر الحال في الضرر غير المحرم ، والحاصل : أن حديث نفي الضرر أو الحرج يرفع الوجوب بحذافيره .

   (1) اختلف الأصحاب في مبدأ وجوب المشي أو الحفاء ومنتهاه ، أمّا المبدأ فهل هو من بلد النذر أو بلد الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات ، أو أنّ المبدأ هو الشروع في السفر أو أفعال الحجّ ؟ أقوال وآراء .

ــ[368]ــ

رمي الجمار لجملة من الأخبار((1)) لا طواف النساء كما عن المشهور ولا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والظاهر أنه يتبع قصد الناذر ، وليس في البين دليل تعبدي يرجع إليه بل المتبع قصد الناذر ، ولو فرض أنه لم يقصد إلاّ مفهـوم هذا اللفظ فيختلف الحكم ، فإن قال : للهِِ عليَّ أن أحجّ ماشياً ، فالمبدأ أوّل أعمال الحجّ وأفعاله ، ولو قال : للهِِ عليَّ أن أمشي إلى بيت الله ، فالمبدأ أوّل زمان الشروع من أي بلد كان ، فإن المفهوم العرفي يختلف حسب اختلاف الألفاظ .

   وأمّا المنتهى أعني آخر المشي فقد اختلف فيه أيضاً ، فذهب المصنف (قدس سره) إلى أن منتهاه مع عدم التعيين رمي الجمار لا طواف النساء ، لأن طواف النساء وإن كان واجباً ولكنه عمل مستقل خارج عن أعمال الحجّ وأفعاله ، ولذا لا يضرّ تركه عمداً في الحجّ وإن ترك واجباً ، وذهب بعضهم إلى أن المنتهى طواف النساء ، وذهب آخرون إلى أنه الافاضة من عرفات .

   والصحيح أنه تابع لقصده أيضاً ، فإن كان قصده المشي إلى بيت الله الحرام فالوصول إليه كاف ولا يلزم عليه أن يأتي ببقية الأعمال ماشياً ، وإن كان قصد المشي في جميع ما وجب عليه في الحجّ حتى طواف النساء فينعقد النذر حسب التزامه وقصده ، وأما إذا لم يقصد إلاّ معنى هذا اللفظ فالظاهر أنه يعتبر المشي في جميع أعمال الحجّ أعني إلى تمام رمي الجمار ، وأما إلى طواف النساء فلا ، لأنه خارج من أعمال الحجّ .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحكم وإن كان كما ذكره (قدس سره) إلاّ أنه ليس في الأخبار ما يدل على ذلك وإنما هي بين ما تدل على أن منتهاه رمي جمرة العقبة وبين ما تدل على أنه الإفاضة وهي تسقط بالمعارضة فيرجع إلى ما تقتضيه القاعدة من كون المنتهى هو رمي الجمار .

ــ[369]ــ

   [ 3137 ] مسألة 30 : لا يجوز لمن نذر الحجّ ماشياً أو المشي في حجّه أن يركب البحر لمنافاته لنذره ، وإن اضطر إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره ، كما أنه لو كان منحصراً فيه من الأوّل لم ينعقد ، ولو كان في طريقه نهر أو شط لا يمكن العبور إلاّ بالمركب فالمشهور((1)) أنه يقوم فيه لخبر السكوني والأقوى عدم وجوبه ، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب والتمسك بقاعدة الميسور لا وجه له ، وعلى فرضه فالميسور هو التحرك لا القيام (1) .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمّ إنّ المصنف ذكر أن الانتهاء برمي الجمار يسـتفاد من جملة من الأخبار(2) والظاهر أنّ الأخبار على قسمين :

   أحدهما : ما لم يذكر فيه رمي الجمار وإنما المذكور فيه الجمرة وهي تنطبق على العقبة وغيرها ، وفي بعضها ذكر رمي جمرة العقبة ولكنه ضعيف السند .

   ثانيهما : ما ذكر فيه أن المنتهى هو الافاضة من عرفات ، وكلاهما على خلاف القاعدة ، لأنها تقتضي العمل بالنذر حسب ما قصده الناذر ، وأما إمضاء النذر بمقدار وإسقاطه بمقدار آخر فيحتاج إلى الدليل ، نظير التبعيض في الصوم فإن القاعدة تقتضي التكميل ، والروايات من الجانبين صحيحة فتقع المعارضة بينها وتسقط ، فيرجع إلى ما تقتضيه القاعدة من كون المنتهى هو رمي الجمار لأنه ممّا التزم به على نفسه ، فالصحيح ما ذكره المصنف ، لا للأخبار بل للقاعدة .

   (1) لو اتفق له في طريقه الاحتياج إلى السفينة فالمشهور أنه يقوم فيها ولا يجلس واستدلّوا له بوجهين :

   الأوّل : قاعدة الميسور ، لأن القيام ميسور المشي الذي يصدر حال القيام . وفيه : ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما ذهب إليه المشهور هو الأقوى ، والخبر غير ضعيف .

(2) الوسائل 11 : 89 / أبواب وجوب الحج ب 35 .

ــ[370]ــ

   [ 3138 ] مسألة 31 : إذا نذر المشي فخالف نذره فحج راكباً فإن كان المنذور الحجّ ماشياً من غير تقييد بسنة معيّنة وجب عليه الإعادة ولا كفارة إلاّ إذا تركها أيضاً ، وإن كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً وجب عليه القضاء ((1)) والكفارة ، وإذا كان المنذور المشي في حج معيّن وجبت الكفارة دون القضاء لفوات محل النذر والحجّ صحيح في جميع الصور خصوصاً الأخيرة ((2)) لأن النذر لا يوجب شرطية المشي في أصل الحجّ ، وعدم الصحّة من حيث النذر لا يوجب عدمها من حيث الأصل فيكفي في صحته الإتيان به بقصد القربة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذكرناه مراراً من كون قاعدة الميسور مخدوشة كبرى وصغرى ، فإن القيام ليس بميسور المشي بل هو أمر مغاير له وإن كان المشي يلازم القيام .

   الثاني : خبر السكوني : «أنّ عليّاً (عليه السلام) سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فعبر في المعبر ، قال : فليقم في المعبر قائماً حتى يجوزه»(3) وأورد عليه المصنف بضعف الخبر ، ولكن قد ذكرنا غير مرّة أن الخبر معتبر لأنّ السكوني موثق وإن كان عامياً ، وكذلك النوفلي لأنه من رجال كامل الزيارات ، فلا بأس بالعمل بالخبر تعبداً خصوصاً مع عدم إعراض الأصحاب عنه ، فما ذهب إليه المشهور هو الأقوى .

   (1) يقع الكلام من ناحيتين :

   الاُولى : من حيث القضاء والكفّارة .

   الثانية : من حيث صحّة الحجّ الذي أتى به راكباً ، ويظهر حكمهما من بيان الصور المذكورة في المتن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم الكلام فيه [ في المسألة 3115 التعليقة 3 ] .

(2) الظاهر أنه من سهو القلم ، والصحيح أن يقال : حتى الأخيرة .

(3) الوسائل 11 : 92 / أبواب وجوب الحجّ ب 37 ح 1 .

ــ[371]ــ

   الصورة الاُولى : ما إذا تعلق النذر بالحج ماشياً في سنة ما من غير تقييد بسنة معيّنة فخالف فحج راكباً . ذكر المصنف أنه يجب عليه الاعادة ولا كفارة عليه .

   أمّا وجوب الاعادة والاتيان عليه فواضح لأنه لم يأتِ بالمنذور ، فيجب عليه إتيان الحجّ ماشياً وفاء لنذره ، ولا يخفى أن التعبير بالإعادة فيه مسامحة واضحة ، لأنّ الإعادة وجود ثانوي للأوّل لخلل فيه ومقامنا ليس كذلك ، لأنه إنما يجب عليه الاتيان لعدم إتيانه بالمنذور أصلاً ، نظير ما لو نذر إعطاء درهم لزيد فأعطاه إلى عمرو ، فإنه يجب عليه إعطاء الدرهم لزيد وفاء لنذره وليس ذلك من الإعادة ، فالصحيح أن يقال : إنه لو نذر المشي فخالف وحج راكباً يجب عليه إتيان الحجّ ماشياً في السنين المقبلة ، ولا يجزئ ما حجّه راكباً عن الحجّ ماشياً .

   وأمّا عدم الكفارة فلعدم الحنث لأن المفروض عدم تقييد الحجّ بسنة خاصّة . نعم لو أخّره إلى أن عجز عن الاتيان يجب عليه الكفارة لتحقق الحنث حينئذ .

   الثانية : ما إذا كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً ذكر (رحمه الله) أنه يجب عليه القضاء والكفارة ، أمّا الكفّارة فللحنث ، وأمّا وجوب القضاء فمبني على ما تقدّم من وجوب قضاء الحجّ المنذور .

   الثالثة : ما إذا كان المنذور المشي في حجّ معيّن كالحجّ النيابي أو الحجّ الاستحبابي فخالف وحجّ راكباً وجبت الكفارة لحصول الحنث ، وأمّا القضاء فغير واجب لفوات محل النذر وسقوط الحجّ المعيّن بالإتيان به فلا موضوع للقضاء والتدارك ، هذا كلّه من ناحية القضاء والكفّارة .

   وأمّا من ناحية صحّة الحجّ الذي أتى به راكباً فقد ذكر (قدس سره) أنّ الحجّ صحيح في جميع الصور خصوصاً الأخيرة ، وعللها بأن النذر لا يوجب تقييد الواجب ، والتخلّف في النذر لا يوجب التخلف في الحجّ ، كما أن عدم الصحّة من حيث النذر لا يقتضي بطلان أصل الحجّ فيكفي في صحته الاتيان به بقصد القربة وإن كان مخالفاً لنذره .

ــ[372]ــ

   وقد يتخيّل البطلان ((1)) من حيث إنّ المنوي وهو الحجّ النذري لم يقع وغيره لم يقصد ، وفيه : أن الحجّ في حدّ نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف ، ألا ترى أنه لو صام أياماً بقصد الكفارة ثمّ ترك التتابع لا يبطل الصيام في الأيام السابقة أصلاً وإنما تبطل من حيث كونها صيام كفارة ، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآناً أو ذكراً .

   وقد يستدلّ للبطلان إذا ركب في حال الإتيان بالأفعال بأن الأمر بإتيانها ماشياً موجب للنهي عن إتيانها راكباً ، وفيه : منع كون الأمر بالشيء نهياً عن ضـده ومنع استلزامه البطلان على القول به ، مع أنه لا يتم فيما لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ولا بالفورية لبقاء محل الإعادة .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وأظنّ أنّ كلمة «خصوصاً» سهو من قلمه الشريف ، إذ لا خصوصية للصورة الأخيرة من حيث الصحّة ، والصحيح أن يقال : حتى الأخيرة .

   أمّا الصحّة في الصورة الاُولى وهي ما إذا كان المنذور طبيعي الحجّ من حيث السنة ومن حيث أنواع الحجّ ، فلا ينبغي الريب في الصحّة ولا موجب لتوهم الفساد أصلا .

   وأمّا الثانية وهي ما إذا قيّد المشي بسنة معيّنة وحج راكباً فيحكم بصحّته أيضاً فإن الحجّ في نفسه محبوب ومأمور به ولا موجب لبطـلانه من جهة مخالفة النذر وسيأتي الكلام فيما استدل به على البطلان .

   وأمّا الثالثة فربما يتخيّـل فيها البطلان ، لأنّ نذره تعلّـق بالمشي في حجّ خاص والنذر يوجب تقييد الواجب ، وما أتى به مخالف للمأمور به فيقع فاسداً ، نظير ما لو نذر أن يصلّي جماعة أو في المسجد فخالف وصلّى فرادى أو في بيته ، فإنهم حكموا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا مورد لهذا التخيل في المقام حتى مع قطع النطر عمّا ذكره (قدس سره) إلاّ فيما إذا ركب أثناء العمل وكان المنذور هو الحجّ ماشياً ، بل لا مورد له فيه أيضاً فان الأمر النذري في طول الأمر بالحج وهو مقصود من الأوّل ، والفرق بينه وبين قصد صوم الكفارة ونحوه ظاهر .

ــ[373]ــ

ببطلان الصلاة لأنه لم يأتِ بالمأمور به وما أتى به لم يؤمر به .

   وفيه: أنّ الحجّ الذي أتى به كالحجّ النيابي واجب مطلق ، كالأمر بالصلاة فإنه أيضاً مطلق من حيث الجماعة والفرادى ، والنذر لا يوجب تقييداً في متعلق الوجوب كما أنه لا يمنع من انطباق الطبيعي على المأتي به وإن كان مخالفاً لنذره ، فالقاعدة تقتضي الحكم بالصحة لانطباق الطبيعي عليه .

   فتحصّل : أنّ الحجّ في جميع الصور الثلاثة محكوم بالصحّة ، وإنما يتخيل البطلان في الصورة الأخيرة ولكنه فاسد كما عرفت .

   ثمّ إنه قد استدلّ لبطلان الحجّ الصادر منه راكباً في جميع الصور المتقدِّمة بوجهين آخرين :

   الأوّل : أن الأمر بإتيان الحجّ ماشياً موجب للنهي عن إتيانه راكباً والنهي يقتضي الفساد .

   وفيه  أوّلاً : منع كون الأمر بالشيء مقتضياً للنهي .

   وثانياً : أن النهي تبعي ودلالته على الفساد ممنوعة .

   وثالثاً : أنه لا يجري هذا الدليل في الصورة الاُولى فهو أخص من المدعى ، لتعلّق النذر فيها بطبيعي الحجّ وفي سنة ما من دون تقييد بسنة معيّنة ، فليس الحجّ راكباً ضدّاً للطبيعي ، فلا مضادّة بين المأمور به وبين ما أتى به أصلا .

   الثاني : أن المنوي وهو الحجّ النذري لم يقع وغيره لم يقصد . وبعبارة اُخرى : لا ينطبق المنوي على الموجود الخارجي ، والموجود الخارجي لم يكن منوياً . وأجاب عنه في المتن : من أن الحجّ في نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف ، نظير ما لو صام أياماً بقصد الكفارة ثمّ ترك التتابع فلا يبطل صيامه في الأيام السابقة وإنما يبطل من حيث كونه كفارة ، فيقع صوماً مستحباً قربياً في نفسه ، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآناً وأذكاراً ودعاء .

ــ[374]ــ

   أقول : لا وجه أصلاً لتنظير المقام بصوم الكفارة إذا أبطل تتابعه ، لأن المفروض في المقام أنه قصد الحجّ راكباً من أوّل الأمر ، ولم يأت به بداعي الوفاء بالنذر ، بخلاف صوم الكفارة فإنه من الأوّل قصد صوم الكفارة ، ولكن في الأثناء أبطل التتابـع فحينئذ يصح أن يقال : إن صومه السابق يقع مستحباً في نفسه أو يقع باطلاً ، ويجري فيه الكلام المعروف  ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، إلاّ أن هذا الكلام لا مجال لجريانه في مقامنا ، إذ لا يمكن أن يقال : إن المنوي غير واقع ، بل المنوي واقع في الخارج لأنّ المفروض أنه قصد الحجّ راكباً وهو واقع خارجاً ، نظير ما لو نذر أن يصلي في المسجد فخالف وصلّى في داره ، فإن المنوي واقع وإن لم يأت بما كان واجباً عليه ، فالمنوي وما وقع في الخارج متّحدان ومغايران لما وجب عليه بالنذر ، فلو قلنا بالبطلان فإنما هو لأجل المخالفة ، لا لأنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، وتحقق التخالف بين المنوي وما وقع في الخارج وبين ما وجب عليه بالنذر لا يوجب بطلان المأتي به ، وإنما يلزم عليه الاتيان بما وجب عليه بالنذر ، وأمّا كون المأتي به صحيحاً أم لا فهو أجنبي عن هذه القضية  ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، بل ما قصد وقع وما وقع قصد .

   نعم ، لو حج من أوّل الأمر ماشياً ثمّ ركب في أثناء العمل يمكن أن يقال إن ما وقع لم يكن منوياً وما نواه لم يقع لاختلاف المنوي أوّلاً بما في الواقع ، إلاّ أن الصحيح أنه لا مجال لهذا الكلام في هذه الصورة أيضاً ، لأن الأمر النذري أمر توصلي في طول الأمر العبادي وليس في قباله فإن الأمر العبادي في مرتبة سابقة على الأمر النذري ، ولا يقاس المقام بصوم الكفارة والصوم المستحب في نفسه فإن أحدهما في عرض الآخر بخلاف المقام لأن الأمر النذري في طول الأمر العبادي ، وقد قصدهما معاً من أوّل الأمر على الفرض ، نظير النذر المتعلق بصلاة اللّيل ونحوها من المستحبات النفسية التي يصليها لداعيين ولأمرين ، الأمر النفسي العبادي والأمر النذري التـوصلي وتخلف الأمر النذري لا يضر بالأمر النفسي العبادي المتعلق بالصلاة ويحكم بصحتها وكذا لو نذر أن يصلّي بكيفية خاصة أو في مكان خاص وخالف فصلى في غير ذلك

ــ[375]ــ

   [ 3139 ] مسألة 32 : لو ركب بعضاً ومشى بعضاً فهو كما لو ركب الكل لعدم الإتيان بالمنذور(1)، فيجب عليه القضاء((1)) أو الإعادة ماشياً

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المكان فإنه من الأوّل قاصد لصلاة الليل فلا يصح أن يقال : ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، وكذلك التخلف في نذر الحجّ ماشياً بأن خالف وحج راكباً ، فإن الأمر بالحجّ مقصود من الأوّل وإنماتخلف الأمر النذري وهو غير ضائر في الحكم بصحته .

   وبالجملة : إذاكان الأمران طوليين وقصدهما معاً فالمأتي به مقصود من أوّل الأمر غاية الأمر في الأثناء حصل التخلف ، فلا مجال للكلام المعروف  ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، فإنه إنما يختص بما إذا لم يأتِ بالشيء من الأوّل طبقاً لقصده .

   ولو فرضنا أن المنوي لم يقع وسلمنا جريان هذا الكلام فإنه إنما يتم في غير الصورة الأخيرة ولا يتم فيها ، لأنّ متعلّق النذر فيها من المشي في طبيعي الحجّ وهو مقصود من الأوّل وإنما التخلف حصل في فعل آخر وهو المشي المتعلق للنذر ، ولا ربط له بفساد الحجّ والأعمال الصادرة منه ، فإن المشي فعل أجنبي عن الحجّ وتركه لا يضر بالعمل المأتي به بدعوى أن المنوي لم يقع والواقع لم يقصد ، بل هنا أمران مستقلاّن أحدهما الأمر بالحجّ والآخر الأمر بالمشي وأحدهما أجنبي عن الآخر والتخلّف في أحدهما لا يوجب بطلان الآخر .

   فتحصّل ممّا ذكرنا :  أنه لا فرق في الصحّة بين نذر المشي في الحجّ وبين نذر الحجّ في جميع الصور المتقدمة ، والتخلف في النذر لا يوجب بطلان الحجّ الصادر منه حتى لو قيل ببطلان صوم الكفارة إذا أخل بالتتابع .

   (1) ويكون آثماً إذا كان النذر مقيداً بسنة خاصّة ، ويجب عليه القضاء والكفارة على ما تقدم ، وأما إذا كان النذر مطلقاً من حيث الزمان فيجب عليه الاتيان ماشياً في السنين الآتية ولا يكتفي بما أتى به ملفقاً من المشي والركوب .

   وربما قيل بأنه يقضي ويمشي مواضع الركوب فيحصل المشي في سفره إلى الحجّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم الكلام عليه [ في المسألة 3115 التعليقة 3 ] .

ــ[376]ــ

والقول بالإعادة والمشي في موضع الركوب ضعيف لا وجه له .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالتلفيق بين السنة الماضية واللاّحقة ، فلا يجب عليه المشي في تمام سفره في الحجّ الثاني . وفيه ما لا يخفى ، لعدم صدق الحجّ ماشياً على الملفّق .

   ثمّ إنّ هنا رواية معتبرة وهي رواية إبراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سأله عباد بن عبدالله البصري عن رجل جعل لله عليه نذراً على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام فمشى نصف الطريق أو أقل أو أكثر، فقال: ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فيتصدق به»(1) .

   وربما يستفاد منها عدم وجوب الاتمام إذا مشى بعض الطريق ، ويتصدق بنفقة الحجّ من ذلك الموضع . واُجيب عن ذلك بأن الرواية مهجورة لا مجال للعمل بها ، وقد ذكرنا مراراً وكراراً أن العبرة باعتبار الرواية ولا يضر هجرها ، والرواية معتبرة ورجال السند كلهم ثقات حتى عبدالرحمن بن حماد فإنه من رجال كامل الزيارات .

   والصحيح أن يقال : إن الرواية لا تدل على ما قيل من عدم وجوب الاتمام وجواز الترك اختياراً والاكتفاء بالتصدق ، بل الظاهر منها أنها نظير الرواية التي دلت على وجوب صرف جَمله ونفقة حجّه وزاده في الإحجاج عن مالك هذه الاُمور إذا مات في بعض الطريق(2) ، والفرق أن مورد تلك الرواية فيما له جمل ومورد روايتنا هذه ما لا جمل له ، وبالجملة : المستفاد من الرواية أنه لو مات الناذر في بعض الطريق يتصدق بنفقته ، ولا تدل على جواز ترك الحجّ اختياراً بمجرد المشي في بعض الطريق والتصدق بنفقة الحجّ ، ويدل على ذلك قوله : «ينظر» فإنه ظاهر في أن المتصدق غير الناذر فالمراد أن الناذر مات وينظر شخص آخر في نفقته ، وإلاّ لو كان المراد وجوب التصدق على نفس الناذر لقال : يتصدق بنفقته ، وعلى كل لا دلالة للرواية على مخالفة النذر في مورد السؤال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 23 : 323 / كتاب النذر ب 21 ح 2 .

(2) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 2 .

ــ[377]ــ

   [ 3140 ] مسألة 33 : لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكنه منه أو رجائه سقط ، وهل يبقى حينئذ وجوب الحجّ راكباً أو لا بل يسقط أيضاً ؟ فيه أقوال : (1) .

   أحدها : وجوبه راكباً مع سياق بدنة . الثاني : وجوبه بلا سياق . الثالث : سقوطه إذا كان الحجّ مقيداً بسنة معينة أو كان مطلقاً مع اليأس عن التمكّن بعد ذلك ، وتوقع المكنة مع الإطلاق وعدم اليأس . الرابع : وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الإطلاق ، وتوقّع المكنة مع عدم اليأس . الخامس : وجوب الركوب إذا  كان بعد الدخول في الإحرام ، وإذا  كان قبله فالسقوط مع التعيين وتوقّع المكنة مع الإطلاق، ومقتضى القاعدة وإن كان هو القول الثالث((1)) إلاّ أنّ الأقوى بملاحظة جملة من الأخبار هو القول الثاني بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسياق الهدي على الاستحباب

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لو نذر المشي في الحجّ وكان عاجزاً عنه من الأوّل وغير متمكن منه فلا ينعقد لاعتبار القدرة في متعلقه ، وإن كان متمكناً من المشي حين النذر ثمّ طرأ العجز فلا ريب في سقوط المشي للعجز عنه ، وهل يبقى حينئذ وجوب الحجّ راكباً أم يسقط ذلك أيضاً ؟ فيه أقوال خمسة مذكورة في المتن ، وذكر المصنف (قدس سره) أن مقتضى القاعدة هو القول الثالث ، ولكن مقتضى جملة من الأخبار هو القول الثاني ، فيقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة واُخرى فيما تقتضيه الأخبار .

   أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة هو القول الخامس مع زيادة فيه . بمعنى أنه إذا  كان النذر مقيّداً بسنة معيّنة وطرأ العجز عن المشي قبل الاحرام يفسد النذر لعدم القدرة على متعلقه ، وإن كان مطلقاً ينتظر المكنة ، وإن طرأ العجز عن المشي بعد الاحرام يتمّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل مقتضى القاعدة هو القول الخامس ، لكن مع ذلك لا يحكم بالإجزاء إذا تمكّن بعد ذلك من الحجّ ماشياً إذا  كان المنذور غير مقيّد بسنة معيّنة .

ــ[378]ــ

إحرامه راكباً ولا يجوز له رفع اليد عن الاحرام لوجوب إتمام الحجّ والعمرة كتاباً (1) وإجماعاً ، وقد ذكرنا أن النذر لا يوجب تقييداً في الأمر بالحجّ ، بل هنا أمران :

   أحدهما : الأمر التوصلي الدال على الوفاء بالنذر .

   ثانيهما : نفس الأمر الحجي ، وله أن يأتي بداعي الأمر الحجّي وإجزاؤه عن الأمر النذري المتعلّق بالحجّ ماشياً يحتاج إلى الدليل .

   والحاصل : إذا  كان النذر مقيّداً بسنة معيّنة وطرأ العجز بعد الاحرام يسقط الأمر النذري للعجز وإن وجب عليه إتمام الحجّ راكباً ، وإن كان مطلقاً يجب عليه الاتيان بالحج ثانياً مشياً في السنين اللاّحقة ، فالنذر سواء كان مقيّداً بسنة خاصّة أو كان مطلقاً يجب عليه إتمام الحجّ الذي شرع فيه ، ولا يكتفى به عن الحجّ النذري ، لأنّ الحجّ النذري كما عرفت إمّا يسقط وإمّا يجب إتيانه في العام القابل .

   وأمّا الثاني : أعني ما تقتضيه الروايات فهي مختلفة .

   منها : ما دلّ على وجوب الحجّ راكباً مع سياق بدنة أو الهدي كصحيح الحلبي (2) : «رجل نذر أن يمشى إلى بيت الله وعجز عن المشي ، قال : فليركب وليسق بدنة فإن ذلك يجزئ عنه» وفي صحيح ذريح المحاربي «عن رجل حلف ليحجَن ماشياً فعجز عن ذلك فلم يطقه ، قال : فليركب وليسق الهدي» (3) .

   ومنها : ما دلّ على وجوب الحجّ راكباً بلا سياق ولا هدي كصحيح رفاعة : «رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله ، قال : فليمش ، قلت : فإنه تعب ، قال : فليركب»(4) ، ومنها : صحيح محمّد بن مسلم قال : «سألته عن رجل جعل عليه مشياً إلى بيت الله فلم يستطع ، قال : يحج راكباً» ، ومنها : صحيحه الآخر بمضمونه(5) ، وأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن محمّد بن مسلم وسماعة وحفص وخبر محمّد بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في قوله تعالى : (وأتموا الحج والعمرة لله ) البقرة 2 : 196 .

(2) ، (3) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 3 ، 2 .

(4) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 1 .

(5) الوسائل 23 : 307 / كتاب النذر ب 8 ح 1 ، 3 .

ــ[379]ــ

قيس(1) فكلّها ضعيفة ، وذلك لأنّ أحمد بن محمّد بن عيسى لا ريب في الفصل بينه وبينهم .

   وكيف كان ، لا ريب في تعارض الطائفتين ، وذكر المصنف وغيره أن الجمع العرفي يقتضي حمل ما دل وجوب السياق على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في صحيح رفاعة الذي هو في مقام البيان ، فإن السكوت في مقام البيان ظاهر في عدم الوجوب . وبعبارة اُخرى : لا ريب في أن صحيح رفاعة ومحمّد بن مسلم يدلاّن على عدم الوجوب فيعارض الصحيحين المتقدِّمين ومقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحين على الاستحباب .

   وفيه : أن السكوت في مقام البيان وإن كان ظاهراً في عدم الوجوب إلاّ أنه لا يزيد على الاطلاق اللفظي ، وهو لا ينافي التقييد بدليل آخر فكيف بالسكوت . وبالجملة : الظهور اللفظي بلغ ما بلغ من القوّة قابل للتقييد ، نظير قوله (عليه السلام) : «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجنتب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء»(2) مع ورود التقييد على ذلك بسائر المفطرات ، فمقتضى القاعدة هو الالتزام بالتقييد والعمل بالصحيحين ولا إجماع على الخلاف .

   هذا كلّه مع قطع النظر عن رواية عنبسة (3) ، وأمّا بالنطر إليها فالقول الثاني هو الأقوى لظهور الرواية في الإستحباب وعدم وجوب السياق لقوله : «إني اُحب إن كنت موسراً أن تذبح بقرة» والرواية معتبرة لأن الشيخ رواها في كتاب النذر بطريق صحيح ، وعنبسة ثقة لكونه من رجال كامل الزيارات ، فلا بدّ من حمل الصحيحين على الاستحباب لصراحة الرواية في الاستحباب وجواز الترك .

   ثمّ إنه لا فرق في ذلك بين عروض العجز عن المشي في الأثناء أو حدوثه من الأوّل ، ومن غير فرق بين أن يكون العجز قبل الدخول في الاحرام أو بعده ، ومن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 88 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 9 ، 10 .

(2) الوسائل 10 : 31 / أبواب يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1 .

(3) الوسائل 23 : 308 / كتاب النذر ب 8 ح 5 .

ــ[380]ــ

غير فرق بين كون النذر مطلقاً أو مقيداً بسنة معيّنة وكان اليأس حاصلاً بالفعل لإطلاق النصوص .

   وأمّا إذا لم يكن مأيوساً فسيأتي الكلام فيه عن قريب إن شاء الله تعالى .

   فالمتحصل من روايات المقام أمران :

   أحدهما : ما إذا كان متمكناً من المشي ثمّ طرأ العجز عنه في الأثناء أو حدث مانع آخر فإنه ينعقد نذره وينتقل الأمر إلى البدل وهو الحجّ راكباً ، وهذا هو القدر المتيقن من الروايات .

   ثانيهما : من يرجو التمكن من المشي ويتوقع المكنة منه فمشى ثمّ انكشف الخلاف وظهر أنه كان عاجزاً من الأوّل فإن القاعدة تقتضي بطلان النذر ، لأن العبرة في انعقاده بالواقع وبالقدرة في ظرف العلم فإذا ظهر العجز في وقت العمل ينكشف بطلانه من الأوّل ، ولكن مقتضى إطلاق الروايات عدم البطلان وانتقال الواجب إلى البدل وهو الحجّ راكباً ، فلا موجب لاختصاص الروايات بالأوّل لا سيما مثل إطلاق صحيح الحلبي: «رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز عن المشي، قال: فليركب»(1)، فإن الظاهر من قوله : «وعجز عن المشي» أنه مشى مقداراً ثمّ عجز عنه ولا أقل من الاطلاق ، فإنه يشمل مورد الرجاء وتوقع المكنة من المشي وكشف الخلاف وظهور العجز من الأوّل ولا يختص بالعجز الطارئ ، ولا مانع من التعبد بظاهر الروايات ولا موجب لرفع اليد عن ذلك ، نظير قضاء نذر الصوم المعيّن إذا صادف مانعاً من الموانع . نعم ، لو علم بالعجز من الأوّل ولم يكن راجياً أصلاً للتمكن من المشي فلا ريب في بطلان النذر ، لعدم إمكان الالتزام على نفسه بشيء غير مقدور ، فإن النذر هو الالتزام بشيء لله ولا بدّ أن يكون متعلقه مقدوراً أو متوقع القدرة ، وأما إذا كان غير مقدور بالمرّة فلا يصح الالتزام به .

   ثمّ إنّ المصنف (رحمه الله) احتاط بالإعادة فيما إذا كان النذر مطلقاً ولم يكن مأيوساً من المكنة بل كان يرجو التمكن من المشي وكان ذلك قبل الشروع في الذهاب والسفر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 3 .

ــ[381]ــ

بقرينة السكوت عنه ((1)) في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان ، مضافاً إلى خبر عنبسة الدالّ على عدم وجوبه صريحاً فيه ، من غير فرق في ذلك بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده وقبل الدخول في الإحرام أو بعده ، ومن غير فرق أيضاً بين كون النذر مطلقاً أو مقيّداً بسنة مع توقع المكنة وعدمه ، وإن كان الأحوط ((2)) في صورة الإطـلاق مع عدم اليأس من المكنة وكونه قبل الشروع في الذهاب الإعادة اذا حصلت المكنة بعد ذلك لاحتمال انصراف الأخبار عن هذه الصورة ، والأحوط إعمال قاعدة الميسور أيضاً بالمشي بمقدار المكنة ، بل لا يخلو عن قوّة للقاعدة ((3)) . مضافاً إلى الخبر «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافياً ، قال (عليه السلام) : فليمش فإذا تعب فليركب» ويستفاد منه كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وإن لم يصل إلى حدّ العجز ، وفي مرسل حريز : «إذا حلف الرجل أن لا يركب أو نذر أن لا يركب فإذا بلغ مجهوده ركب» .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومع ذلك سافر راكباً ثمّ برأ وتمكن من المشي في السنة الآتية .

   أقول : الاحتياط في محله ، بل لا مقتضي للإجزاء فيجب عليه الحجّ ماشياً في السنة التي تمكن منه ، لعدم شمول الروايات الدالّة على الإجزاء والانتقال إلى الحجّ راكباً لهذه الصورة وانصرافها عنها ، وذلك لأن موضوع الروايات هو العجز عن المشي وعدم الاستطاعة منه وهو غير حاصل في المقام ، لأنّ المنذور على الفرض مطلق وغير مقيّد بسنة معيّنة ، والمفروض أنه قد حصل له التمكّن في السنة الآتية ، ولم يكن اليأس عن المشي حاصلاً له في هذه السنة ، بل كان يرجو زوال العذر ويتوقع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السكوت في مقام البيان وإن كان ظاهراً في عدم الوجوب إلاّ أنه لا يزيد على الظهور اللفظي الإطلاقي في أنه لا يعارض المقيّد ، والعمدة رواية عنبسة التي رواها الشيخ بطريق صحيح ، وعنبسة ثقة على الأظهر .

(2) بل الأظهر ذلك .

(3) القاعدة لا أساس لها ، والعمدة هو الخبر المذكور الصحيح .

ــ[382]ــ

المكنة من المشي فلا موجب للإجزاء أصلاً .

   والحاصل : ما لم يتحقق الموضوع ولم يحرز موضوع سقوط الواجب لا مجال للإجزاء ، من دون فرق بين كون الرجاء حاصلاً قبل الشروع في السفر أو بعده ، ولذا ذكرنا في التعليقة أن الأظهر هو الاعادة .

   نعم ، لو اعتقد أ نّه غير قادر وأنه عاجز عن المشي أو قامت أمارة على ذلك فحج راكباً ثمّ انكشف الخلاف ، يبتني الإجزاء وعدمه على القاعدة المعروفة من أن الأمر الظاهري أو الخيالي يجزئ عن الأمر الواقعي أم لا ؟ وقد حقق في محلّه عدم الإجزاء فإنه على خلاف الأصل ويحتاج إلى الدليل ، وموضوع الروايات الدالة على الإجزاء إنما هو العجز لاخياله .

   وببيان آخر : أنّ الذي يظهر من الروايات إجزاء الحجّ الذي أتى به راكباً عن الحجّ المنذور مشياً ، لأن الظاهر منها كونها في مقام بيان الامتثال وكيفيته وأنه كيف يفي بنذره بعد حصول العجز ، فإن قوله (عليه السلام) : «فليمش فإذا تعب فليركب» ظاهره أنه مشى مقداراً ثمّ تعب فأمره بالركوب ، فالأمر بالركوب ليس عملاً مستقلاًّ بل هو بيان لكيفية الامتثال والاجتزاء بما أتى به ، وليس المراد أنه يتمّ عمله هذا ثمّ يأتي بالحج ماشياً في السنة اللاحقة ، وأوضح من ذلك قوله (عليه السلام) في معتبرة عنبسة : «فبلغ جهده» أو «فبلغ فيه مجهوده فلا شيء عليه» فإن الظاهر من ذلك أن المكلّف أعمل قدرته وجهده وأتى بالمشي بمقدار إمكانه وجهده ولكنه شق عليه إتمامه فأمره (عليه السلام) بالاقتصار على ما فعله والاجتزاء به ، فيظهر من ذلك كله أنه لو طرأ العجز بعد الشروع في السفر يجزئ عمله وإن كان يرجو الزوال ، وأما لو طرأ العجز قبل الشروع في السفر في صورة الإطلاق وكان عدم اليأس حاصلاً قبل الشروع في الذهاب فالروايتان منصرفتان عن هذه الصورة ولا تشملانها وإنما تشملان ما إذا مشى وعجز عن المشي . فالصحيح ما ذكره المصنف (رحمه الله) من التفصيل .

ــ[383]ــ

   فرع : لو تمكن من المشي بمقدار فهل يجب عليه ذلك أم يسقط المشي بالمرّة ؟ وجهان ، اختار المصنف الأوّل لوجهين :

   أحدهما : قاعدة الميسور .

   ثانيهما :  النص وهو خبر رفاعة (1) ومرسل حريز (2) .

   أقول :  أمّا قاعدة الميسور فقد ذكرنا كراراً ومراراً أنها مخدوشة كبرى وصغرى ومقتضى القاعدة هو سقوط المشي بالمرّة والانتقال إلى الركوب ، كما يقتضيه صحيح الحلبي المتقدِّم (3) ، وأما الخبر الذي استدل به فهو خبر رفاعة الذي ذكره صاحب الوسائل تارة عن سماعة وحفص في باب الحجّ ، وذكر المعلّق على الوسائل أنه رفاعة بدل سماعة إلاّ أن الخبر ضعيف للفصل بين أحمد بن محمّد بن عيسى ورفاعة ، واُخرى في باب النذر بسند صحيح عن رفاعة وحفص(4) «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافياً ، قال : فليمش فإذا تعب فليركب» ، وكل من الخبرين لا يفيده ، لأنّ موردهما الحفاء وقد تقدم الكلام في نذر الحفاء ، وأما خبر حريز فضعيف لإرساله .

   فالأولى أن يستدل بصحيحة اُخرى لرفاعة لم يذكر فيها الحفاء قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله قال : فليمش ، قلت : فإنه تعب قال : فإذا تعب ركب»(5) وبمعتبرة عنبسة المتقدِّمة .

   ثمّ إنه يستفاد من النص كفاية الحرج والمشقة في الانتقال إلى الركوب ، لأن التعبير بالتعب في صحيح رفاعة والجهد في معتبرة عنبسة ظاهر في كفاية المشقة فلا يختص الانتقال إلى الركوب بمورد العجز عن المشي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 23 : 307 / كتاب النذر  ب 8 ح 2 .

(2) الوسائل 11 : 89 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 12 .

(3) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 3 .

(4) الوسائل 23 : 307 / كتاب النذر ب 8 ح 2 .

(5) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 1 .

ــ[384]ــ

   [ 3141 ] مسألة 34 : إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي من مرض أو خوف أو عدو أو نحو ذلك فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا ، لكون الحكم على خلاف القاعدة ؟ وجهان ، ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدوّ باختيار الأوّل في الأوّل والثاني في الثاني ، وإن كان الأحوط الإلحاق مطلقاً (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الروايات الواردة في المقام مختلفة ، ففي بعضها ذكر عنوان التعب كما في صحيح رفاعة ، وهذا العنوان لا يشمل العدو في الطريق أو الحر أو البرد الشديدين ونحو ذلك من الموانع ، وذكر في بعضها الآخر عنوان العجز وعدم الاستطاعة كما في صحيح الحلبي وابن مسلم المتقدِّمين ، وهذا العنوان يشمل عدم التمكّن من المشي من أي سبب كان ، سواء كان لضعف في بدنه أو كسر أو جرح أو وجع يمنعه من المشي وإن كان قويّاً في بدنه ولا يتعب من المشي في نفسه وإنما يعجز عنه الأسباب خارجية كالجرح والكسر ونحو ذلك ، للصدق العرفي في جميع هذه الموارد ، وكذا يشمل ما إذا لم يتمكن من المشي لوجود بحر أو نهر في الطريق لا يمكنه العبور منه أو وجود مانع آخر في الأرض كالشوك أو الحر الشديد بحيث يمنع من وضع قدمه على الأرض .

   نعم ، لو فرض أن المرض لا يمنعه من المشي وإنما يبطؤ برؤه أو يحدث له مرض آخر بسبب المشي وإلاّ فهو متمكن من المشي بالفعل ، وكذا لو لم يتمكّن من المشي لخوف العدو في الطريق ، فلا يصدق عنوان العجز أو التعب أو عدم الطاقة المأخوذ في النصوص على هذه الموارد ولا أقل من الشك في صدقه . نعم ، معتبرة عنبسة تشمل جميع هذه الموارد لقوله (عليه السلام) : «فبلغ جهده» فإنّ المستفاد من ذلك أنّ الميزان بلوغ هذا المقدار من الجهد فيشمل جميع الموانع عن المشي ، فنلتزم بسقوط وجوب المشي خاصّة وبقاء أصل وجوب الحجّ المنذور ، وبالجملة : لا مانع من شمول بعض الروايات الدالة على عدم سقوط الحجّ بالمرّة لجميع هذه الموارد .

ــ[385]ــ

   بانتهاء بحثنا عن وجوب الحجّ وشرائطه والحجّ الواجب بالنذر نكون قد أكملنا طباعة الجزء الأوّل من كتاب معتمد العروة  وسنبدأ بعونه تعالى في الجزء الثاني من البحث عن النيابة في الحجّ ، وإلى الله القدير أضرع أن يوفِّقني لطباعة بقية الأجزاء لإكمال هذا البحث القيِّم ، ومن الله أسأل أن يديم ظلّ سيِّدنا الاُستاذ الإمام الخوئي متّعنا بطول بقائه الشريف لمواصلة تدريسه لبقية البحوث الفقهية ، إنّه سميع مجيب وصلّى الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين .

 رضا الموسوي الخلخالي     

20 ربيع الأوّل سنة 1405 هـ

 

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net