وقد يفرض أنه لم يكن أمامه ميقات آخر ، أو تجاوز عنه أيضاً بلا إحرام ولا يتمكن من الرجوع إليه أيضاً ، أو سلك طريقاً لا يمر بميقات أصلاً فذكر في المتن تبعاً لغيره أنه يحرم من مكانه .
أقول : وجوب الإحرام عليه من مكانه مبني على وجوب العود والرجوع بالمقدار الممكن ، وأنه لو أمكنه الابتعاد بأي مقدار كان وجب ، فحينئذ متمكن من الابتعاد فيجب عليه الإحرام من مكانه ولا يجوز له التجاوز عنه بلا إحرام ، وأمّا إذا قلنا بعدم وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن ـ كما هو المخـتار لعدم الدليل عليه ـ فلا يجب عليه الإحرام من مكانه الذي ارتفع العذر فيه ، بل هو مخير في الإحرام من أيّ موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم ولو بأن يؤخِّر الإحرام من مكانه ، لأنّ العبرة بوقوع الإحرام في خارج الحرم ، سواء وقع الإحرام في مكان رفع العذر أو وقع قريباً إلى الحرم .
ثمّ إن المصنف ألحق بالناسي من ترك الإحرام من الميقات لعدم كونه قاصداً للنسك ولا لدخول مكّة ثمّ بدا له ذلك ، فإنه يرجع إلى الميقات مع الامكان وإلى ما أمكن مع عدمه .
أمّا إذا تمكن من الرجوع فلا كلام ، وأمّا إذا لم يتمكن من الرجوع فإن كان أمامه ميقات آخر فيحرم منه لنفس الدليل السابق ، بل المقام أولى من الفرض السابق الذي يقصد الحج وترك الإحرام من الميقات ، لأنّ المفروض في المقام عدم إرادة النسك فلم
ــ[346]ــ
يكن مأموراً بالإحرام من الميقات الأوّل ، وإنما قصد الحج بعد التجاوز عن الميقات فجواز الإحرام له من الميقات الأمامي أولى من الحكم بجواز الإحرام منه لقاصد الحج من الأوّل ، وإذا لم يكن أمامه ميقات آخر فالظاهر أن المعروف بينهم أنه يحرم من مكانه ، فحاله حال الناسي والجاهل . وربّما يستدل له بالاجماع ، وفيه ما لا يخفى .
وقد يستدل له بإطلاق صحيح الحلبي لقوله : «عن رجل ترك الإحرام» ، فإن ذلك صادق على غير مريد النسك أيضا .
وفيه : أن الظاهر من السؤال أنه ترك الوظيفة المعيّنة المقرّرة له ، والسؤال والجواب ناظران إلى من ترك الوظيفة الواجبة عليه فلا يشمل من ترك الإحرام لعدم قصده إلى الحج أصلا .
والصحيح أن يستدل له بوجهين آخرين :
الأوّل : دعوى الأولوية القطعية ، فإن المكلف بالحج إذا سقط عنه وجوب الإحرام من الميقات وجاز له الإحرام من غير الميقات ، فثبوت هذا الحكم لمن لم يكن مأموراً بالحج من الأوّل واقعاً لعدم المقتضى ، بطريق أولى .
الثاني : ذيل صحيح الحلبي ، فإن صدره وإن كان لا يشمل غير مريد النسك ـ كما عرفت ـ ولكن ذيله لا مانع من شموله له ، لقوله : «فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه» ، فإنه يستفاد منه جواز الإحرام من غير الميقات في كل مورد يخشى أن يفوت الحج منه ، والمفروض أن هذا الشخص قد وجب عليه الحج بالفعل ولا يجوز له التسويف ، وفرضنا أنه لا يتمكن من الذهاب إلى الميقات لضيق الوقت ونحوه من الاعذار ، فيحرم من غير الميقات ، فإن كان في الحرم وتمكن من الخروج إلى الحل يخرج ويحرم من الخارج ، وإن لم يتمكن من الخروج يحرم من مكانه ، وإن كان في خارج الحرم فيحرم من أي موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم .
وبالجملة : مورد السؤال وإن كان لا يشمل المقام ولكن تعليله بخشية فوت الحج شامل له ، فإن المستفاد من التعليل أن المدار في جواز الإحرام من الميقات بخوف فوت الحج الواجب عنه .
|