صور الجهل أو الغفلة بالاستطاعة - تحقق الاستطاعة بالبذل 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1948


ــ[51]ــ

   مسألة 42 : إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ لكنّه معتقد بعدمه ، أو كان غافلاً عنه ، أو كان

غافلاً عن وجوب الحجّ عليه غفلة عذر لم يجب عليه الحجّ وأمّا إذا كان شاكّاً فيه أو كان غافلاً عن

وجوب الحجّ عليه غفلة ناشئة عن التقصير ثمّ علم أو تذكر بعد أن تلف المال فلم يتمكّن من الحجّ ،

فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) قد يجهل المكلّف عن كونه مستطيعاً جهلاً مركباً كالقاطع والمعتقد بالخلاف وقد يغفل عن

وجود المال بمقدار مصارف الحجّ ، وقد يغفل عن وجوب الحجّ عليه غفلة عذر لا يلتفت إلى وجوبه

عليه لعدم معرفته بالأحكام الإسلاميّة وقلّة المسلمين في البلد الّذي يسكنه وهو جديد عهد بالإسلام

مثلاً ، وقد يكون جاهلاً جهلاً بسيطاً يحتمل الخلاف كالشاك ، وقد يكون غافلاً عن وجوب الحجّ

غفلة ناشئة عن التقصير ، ثمّ إنّه بعد تلف المال يتذكّر ويعلم بوجوب الحجّ عليه ، فهل يستقر عليه

الحجّ أم لا ؟ .

   ذهب السيِّد في العروة إلى استقرار وجوب الحجّ عليه في جميع الصور، لأنّ الجهل والغفلة لا يمنعان

عن الاستطاعة الواقعيّة، غاية الأمر أ نّه معذور في ترك ما وجب عليه ، وعدم التمكّن من جهة الغفلة

والجهل لا ينافي الوجوب الواقعي، والعلم شرط في التنجيز لا في ثبوت أصل التكليف(1).

   وذهب المحقق القمي في جامع الشتات إلى عدم الوجوب في جميع الصور ، لأ نّه لجهله لم يكن مورداً

للتكليف ، وبعد التفاته وتذكره لم يكن له مال ليحج به فلا يستقر عليه الوجوب (2) .

 والصحيح هو التفصيل ـ كما في المتن ـ بين الجهل البسيط والمركب ، فإن كان الجهل جهلاً بسيطاً

وكان شاكّاً فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه ، لما حقق في محلِّه (3) من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 2 : 240 / 3022 .

(2) جامع الشتات 1 : 281 / 416 .

(3) مصباح الاُصول 2 : 265 .

ــ[52]ــ

   مسألة 43 : كما تتحقّق الاستطاعة بوجدان الزاد والرّاحلة تتحقّق بالبذل (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

أن رفع الحكم في مورده حكم ظاهري لا ينافي وجوب الحجّ واسـتقراره عليه واقعاً إذ العلم

بالاستطاعة لم يؤخذ في موضوع وجوب الحجّ ، ولا مانع من توجّه التكليف إليه لتمكّنه من الإتيان به

ولو على سبيل الإحتياط .

   وبعبارة اُخرى : في مورد الجهل البسيط الّذي كان يتردد ويشك في أ نّه مستطيع أم لا ، إذا  كان

اعتماده على أصل شرعي يعذره عن ترك الواقع ما دام جاهلاً به ، إذا انكشف الخلاف وبان أ نّه

مستطيع تنجز عليه التكليف الواقعي كسائر موارد انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهريّة . بخلاف ما

لو كان جاهلاً بالجهل المركب وكان معتقداً للخلاف ، فإنّ التكليف الواقعي غير متوجّه إليه لعدم تمكّنه

من الإمتثال حتّى على نحو الإحتياط ، فإن من كان قاطعاً بالعدم لا يمكن توجّه التكليف إليه لعدم

القدرة على الإمتثال .

   وما يقال من أنّ الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل فإنّما هو في مورد الجهل البسيط الّذي يتمكّن

من الإمتثال في مورده لا الجهل المركّب والقطع بالخلاف الّذي لايتمكّن من الإمتثال أصلاً، ففي هذه

الصورة الحق مع المحقق القمي من عدم الوجوب لأ نّه لجهله لم يكن مورداً للتكليف وبعد علمه لم يكن

له مال ليحجّ به .

   وكذلك الحال في موارد الغفلة فإنّها إن كانت الغفلة مستندة إلى تقصير منه كترك التعلّم عمداً

فالظاهر إستقرار وجوب الحجّ عليه ، فإنّ الغفلة لا تمنع عن الاستطاعة الواقعيّة ولا تنافي الوجوب

الواقعي .

   وأمّا إذا لم تكن ناشـئة عن تقصير منه فالرفع في حقّه رفع واقعي والحكم غير ثابت في حقّه واقعاً

فلا يستقر عليه الحجّ ، لعدم ثبوت التكليف في حقّه في فرض الغفلة ، وفي فرض الإلتفات وإن أمكن

تكليفه ولكن المفروض أ نّه لا مال له بالفعل فلا موجب لوجوب الحجّ عليه .

   (1) إجماعاً ونصوصاً ، منها : صحيحة العلاء عن محمّد بن مسلم ، على ما رواه

ــ[53]ــ

ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الباذل واحداً أو متعدداً (1)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

الصدوق في كتاب التوحيد ، قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ (... وَللهِِ

عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ...) قال : يكون له ما يحجّ به ، قلت : فمن عرض عليه

الحجّ فاستحيى ، قال : هو ممّن يستطيع» (1) .

   ومنها : صحيحة معاوية بن عمار في حديث قال : «فإن كان دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيى فلم يفعل

، فإنّه لا يسعه إلاّ أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر» (2) .

   وربما يناقش في الإستدلال بالنصوص ، لدلالتها على وجوب الحجّ ولو مع العسر والحرج وهذا ممّا

لا يمكن الإلتزام به .

   والجواب عن ذلك أنّ الظاهر منها ـ  خصوصاً من صحيحة معاوية بن عمار  ـ وجوب الحجّ عليه

مع المشقّة والتسكع في مورد استقرار الحجّ بالبذل ورفضه بعد البذل ، فالأمر بتحمّل المشقّة والحجّ

متسكعاً في هذه النصوص بعد فرض استطاعته بالبذل ، فإنّ المستفاد من النصوص أنّ مورد الأسئلة

رفض الحجّ بعد البذل ، فحينئذ يستقر الحجّ في ذمّته ولا بدّ من الخروج عن عهدته ولو متسكعاً حتّى

على حمار أجدع أبتر ، فيعلم من ذلك أنّ البذل كالملك يحقق الاستطاعة فلا تختص الاستطاعة بالملك .

   بل يمكن استفادة كفاية الاستطاعة البذليّة من نفس الآية الشريفة ، لدلالتها على وجوب الحجّ بمطلق

الاستطاعة وهي تتحـقق بالبذل وعـرض الحجّ أيضاً . نعم الرّوايات الخاصّة فسّرت الاستطاعة

بقدرة خاصّة وهي التمكّن من الزاد والرّاحلة وتخلية السرب وصحّة البدن ، وهذه الاُمور كما تحصل

بالملك تحصل بالبذل أيضاً .

   (1) لإطلاق النصوص .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 33 /  أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 2 ، التوحيد : 349 / 10 .

(2) الوسائل 11 : 40 /  أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 3 .

ــ[54]ــ

وإذا عرض عليه الحجّ والتزم بزاده وراحلته ونفقة عياله وجب عليه الحجّ، وكذلك لو أُعطي مالاً

ليصرفه في الحجّ وكان وافياً بمصارف ذهابه وإيابه وعياله (1) . ولا فرق في ذلك بين الإباحة والتمليك

(2) . ولا بين بذل العين وثمنها (3) .
ــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) لصدق البذل وعرض الحجّ بذلك أيضاً ، وأمّا نفقة العيال فالنصوص خالية عنها فلا بدّ من

الرّجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، فإن كان له عيال تجب عليه نفقتهم وكان سفر الحجّ مانعاً عن الإنفاق

عليهم فيدخل المقام في باب التزاحم ويقدم الأهم ولا يبعد أن يكون الإنفاق على العيال أهم لكونه

من حقوق الناس ، فلا يجب الحجّ لو لم يبذل نفقة عياله إلاّ إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود ،

وكذا لا يجب الحجّ إذا  كان عدم الإنفاق حرجيّاً عليه . نعم ، لو لم يتمكّن من الإنفاق عليهم حتّى مع

عدم السفر بحيث كان الإنفاق عليهم متعذِّراً عليه حج أو لم يحجّ ، حينئذ يقدِّم الحجّ لعدم المزاحمة .

   (2) لإطلاق الرّوايات وصدق العرض بكل من الإباحة والتمليك ، ولا وجه للقول بالإختصاص

بصورة التمليك ، بل صورة الإباحة أظهر دخولاً في إطلاق الرّوايات لأنّ قوله : «دعاه قوم أن

يحجوه» أو قوله : «فإن عرض عليه الحجّ» ظاهر في الإباحة ، فإنّ الغالب التزام الباذل بمصارف الحجّ

لا بذل عين المال على نحو التمليك .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net