جواز رجوع الباذل عن بذله - إعطاء الزّكاة على أن تُصرف في الحج 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1552


ــ[61]ــ

   مسألة 54 : يجوز للباذل الرّجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام أو بعده(1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   وفي التهذيب عكس الأمر ، ووافق المشهور فإنّه ذكر أوّلاً صحيح معاوية بن عمار الدال على

الإجزاء «قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل لم يكن له مال فحجّ به رجل من إخوانه أيجزئه

ذلك عنه عن حجّة الإسلام أم هي ناقصة ؟ قال : بلى ، هي حجّة تامّة» ثمّ ذكر صحيح الفضل وحمله

على الاستحباب (1) .

   ولا ريب أن ما ذكره في التهذيب هو الصحيح كما عليه المشهور ، لأنّ صحيح معاوية لم يكن

مقتصراً بالحكم بالصحّة حتّى لا ينافي الوجوب مرّة ثانية ، بل هو صريح في الإجزاء عن حجّة الإسلام

، فلا محيص من حمـل صحيح الفضل على الاستحباب إذ لا يمكن الالتزام بالوجوب مرّة ثانية ، لأنّ

حجّ الإسلام في العمر مرّة واحدة كما صرّح بذلك في صحيح هشام «وكلفهم حجّة واحدة وهم

يطيقون أكثر من ذلك» (2) ، فإذا قضى المكلّف حجّة الإسلام فليس بعد ذلك إلاّ الندب .

   (1) أمّا الرّجوع قبل الدخول في الإحرام فلا ينبغي الرّيب في جوازه في نفسه مع قطع النظر عن

أسباب اُخر لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم ، ولا موجب لعدم جواز الرّجوع ، ومجرّد الوعد

والقول بالبذل لا يوجب عدم جواز الرّجوع عن بذله وأمّا جوازه بعد تلبس المبذول له بالإحرام ففيه

كلام .

   فربما يقال بعدم جوازه لوجوب إتمام العمل على المبذول له ، فإذا وجب عليه الإتمام فليس للباذل

الرّجوع لاسلتزامه تفويت الواجب عليه وعدم قدرته من الإتمام ، نظير من أذن لغيره الصلاة في ملكه

فإنّه بعد الشروع في الصلاة ليس للمالك الرّجوع عن إذنه لأ نّه يستلزم قطع الصلاة وهو محرم شرعاً

.

   والجواب عنه أوّلاً :  بأ نّه يتوقّف على الإلتزام بوجوب الإتمام على المبذول له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 5 : 7 .

(2) الوسائل 11 : 19 /  أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 1 .

ــ[62]ــ

لكن إذا رجع بعد الدخول في الإحرام وجب على المبذول له إتمام الحجّ إذا كان مستطيعاً فعلاً (1)

وعلى الباذل ضمان ما صرفه للإتمام (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

وهو ممنوع لأنّ الاسـتطاعة شرط في وجوب الحجّ حدوثاً وبقاءً ، فإذا ارتفعت الاستطاعة بعد

الإحرام كما إذا فقد ماله أو رجع الباذل عن إذنه وامتنع من الإنفاق انكشف أ نّه غير مستطيع من

أوّل الأمر فلا يجب عليه الحجّ ، وإذا لم يكن واجباً عليه لا يجب عليه الإتمام ، والمفروض أ نّه لم يأت به

ندباً حتّى يتمّه ، وإنّما دخل في الإحرام بعنوان أ نّه مستطيع وبعنوان حجّة الإسلام ، ثمّ انكشف أ نّه لم

يكن ثابتاً عليه ، وأمّا إتمام العمل لا بعنوان حجّ الإسلام فأمر يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فله رفع اليد

عن إحرامه والرّجوع إلى بلاده .

   وثانياً :  لو فرضنا وجوب الإتمام على المبذول له فإنّما هو وجوب مخاطب به نفس المبذول له ،

وذلك لا يرتبط بالباذل ولا يوجب استمرار البذل على الباذل وصرف المال من كيسه على ذلك

الرّجل بعد أن رجع عن إذنه ، فالصحيح جواز الرّجوع للباذل عن بذله قبل الإحرام وبعده .

   وأمّا تنظير المقام بباب الإذن في الصّلاة ، ففيه : أنّ الكلام في المقيس عليه ، لأنّ عدم جواز رجوع

المالك عن إذنه في الصّلاة يتوقّف على وجوب إتمامها وحرمة قطعها على الإطلاق وهو أوّل الكلام ،

إذ لا دليل على حرمة قطع الصلاة سوى الإجماع والقدر المتيقّن منه غير هذا المورد ، فحينئذ إذا رجع

المالك عن إذنه كان بقاء الرّجل ومكثه في الدار غصباً ومعه تبطل الصلاة .

   (1) لحصول الاستطاعة الملفّقة من البذلية والملكية ، وقد عرفت الاكتفاء بذلك في ثبوت الوجوب

.

   (2) لأنّ الإذن في الإحرام إذن في الإتمام ، فإنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه لقيام السيرة العقلائيّة

على أنّ كلّ عمل يقع بأمر الغير وإذنه يقع مضموناً عليه ، ولكن ثبوت الضمان عليه لا ينافي جواز

رجوع الباذل عن بذله ، فإنّ ضمان العمل شيء وعدم

ــ[63]ــ

وإذا رجع الباذل في أثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

جواز رجوع الباذل شيء آخر .

   وبما ذكرنا يظهر أ نّه لا مجال للتمسّك بقاعدة الغرور لعدم جواز رجوع الباذل عن بذله ، لأنّ

أقصى ما تدل عليه قاعدة الغرور إنّما هو ضمان الغار لمصاريف العمل الّذي وقع بأمره ، فيجوز

للمغرور الرّجوع إلى الغار فيما يصرفه في سبيل العمل الواقع حسب أمره وإذنه ، ولا يثبت بها عدم

جواز رجوع الباذل عن بذله ، فيمكن له الرّجوع إلى شخص ماله ولكن يضمن ما يصرفه المبذول له ،

فلا منافاة بين ثبوت الضمان على الباذل وجواز رجوعه عن بذله . هذا مضافاً إلى أنّ قاعدة الغرور لم

تثبت على الإطلاق ، وإنّما وردت في موارد خاصّة ، ولا دليل عليها سوى النّبوي المرسل في الكتب

الفقهيّة .

   نعم ، وردت في باب تدليس المرأة رواية فيها لفظ الغرور «وعلى الّذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه

موالي الوليدة كما غرّ الرّجل وخدعه» (1) والرّواية ضعيفة بمحمّد بن سنان .

   على أنّ الغرور في المقام غير صادق ، لأ نّه يتوقّف على علم الغار وجهل المغرور وكون الغار قاصداً

لايقاع المغرور في خلاف الواقع ، وأمّا ما نحن فيه فالباذل لم يكن عالماً بالرّجوع عن البذل من باب

الإتّفاق ، لعدم وفاء ماله بالبذل أو لأغراض وجهات اُخر .

   فظهر أنّ مقتضى القواعد جواز الرّجوع إلى ماله ، ولكن يضمن ما يصرفه المبذول له في سبيل إتمام

العمل للسيرة العقلائيّة .

   (1) لأنّ السفر وقع بإذنه وأمره ، والإذن في الشيء إذن في لوازمه حسب السيرة العقلائيّة كما

قلناه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 220 /  أبواب العيوب من كتاب النّكاح ب 7 ح 1 .

ــ[64]ــ

   مسألة 55 : إذا اُعطي من الزّكاة من سهم سبيل الله على أن يصرفها في الحجّ وكان فيه مصلحة

عامّة وجب عليه ذلك (1) وإن اُعطي من سهم السادة أو من الزّكاة من سهم الفقراء واشترط عليه

أن يصرفه في سبيل الحجّ لم يصحّ الشرط فلا يجب عليه الحجّ (2) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) لصدق عرض الحجّ على ذلك ، وقد ذكرنا في محلِّه أنّ المراد بسبيل الله كلّ أمر قربي فيه

مصلحة عامّة راجعة إلى المسلمين، كبناء القناطر والمساجد والمدارس ونحوها من الجهات العامّة ، لا كلّ

طاعة ولو كانت شخصيّة لقصور الأدلّة عن ذلك وإلاّ لجاز إعطاء الزّكاة لغني من باب إدخال السرور

في قلب المؤمن ، أو إعطاء الزّكاة له على أن يزوّج ابنه ونحو ذلك فيشكل الحكم بالوجوب ، فلا بدّ

في المقام من مراعاة المصلحة العامّة للمسلمين ، وإلاّ فلا يجوز له الإعطاء من باب سبيل الله ليحج به .

   (2) بيان ذلك يتوقف على توضيح معنى الشرط ولو إجمالاً وحاصله : أنّ الشرط بحسب مفهومه

ليس مجرّد الإلتزام ، وإنّما هو نحو ربط بينه وبين الشرط ، والرّبط بينهما يتصّور على وجوه :

   الأوّل :  تعليق المنشأ بأمر متوقع الحصول كتعليق البيع على مجيء مسافره أو نزول المطر ونحو ذلك

، ففي الحقيقة على تقدير يبيع وعلى تقدير لا يبيع ، وهذا هو التعليق المجمع على بطلانه .

   الثّاني :  تعليق المنشأ على الإلتزام بشيء لا على نفس ذلك الشيء ، كما إذا باع شيئاً واشترط على

المشتري التزامه بخياطة ثوبه ، فإنّ البيع معلق على التزام المشتري بالخياطة لا على نفس الخياطة ، وهذا

التعليق لا بأس به عند الفقهاء لأ نّه تعليق على أمر حاصل ، لفرض التزام المشتري بذلك ، نظير تعليق

البيع على أن يكون هذا اليوم يوم الجمعة مع العلم بكونه يوم الجمعة ، وأثر هذا الإشتراط وجوب

الوفاء على المشتري فقط عملاً بقوله : «المؤمنون عند شروطهم» (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 276 /  أبواب المهور ب 20 ح 4 .

ــ[65]ــ

   الثّالث :  تعليق التزام البائع بيعه على فعل صادر من المشتري كالخياطة لا تعليق البيع ، ومرجع هذا

التعليق إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الخياطة .

   وشيء ممّا ذكر من الأقسام غير جار في المقام ، لأنّ تعليق المنشأ على شيء إنّما يتصوّر في الاُمور

الإعتباريّة كالملكية ونحوها ، وأمّا الاُمور الخارجيّة التكوينيّة كالضرب والأكل ومنها الإعطاء الخارجي

فغير قابلة للتعـليق ، بل إمّا أن تقع وإمّا لا تقع ، فلا معنى لأن يأكل شيئاً على أن يكون ملك نفسه

مثلاً ، أو يضربه بشرط أن يكون زيداً ، ومن هذا القبيل إعطاء الخمس له فإنّه كالأكل فإنّه إمّا يتحقق

في الخارج أم لا ، فلا معنى لأن يقال إن لم يحجّ به فالإعطاء غير واقع ، والمفروض صدور الاعطاء منه

في الخارج . وأمّا الملكية الشرعيّة وإن كانت قابلة للتعليق لأ نّها من الاُمور الإعتباريّة ، ولكنّها ليست

بيد المكلّف وإنّما هي بيد الشارع المقدّس وقد ملّكها للفقراء والسادة ، وليس للمالك أزيد من

الإعطاء وتفريغ ذمّته وقد وقع منه .

   وأمّا تعليق الإلتزام بالإعطاء على الحجّ ، بمعنى أ نّه يلتزم المالك بأن يعطيه الخمس أو الزكاة معلقاً

على الحجّ به ، فقد عرفت أنّ مرجع ذلك إلى جعل المالك لنفسه حق الخيار والرّجوع إلى المال ، إذا لم

يصدر المعلّق عليه من الطرف المقابل ، إلاّ أ نّه لا يمكن الإلتزام بذلك في المقام ، لأنّ المالك ليس له

الرّجوع فيما كان لله تعالى كما في النص(1) فإنّ ما أعطاه زكاة أو خمساً وانطبق عليه ذلك ، فليس

للمالك الرّجوع عن عطائه فإنّ ما كان لله لا يعود . فليس في البين إلاّ التزام الفقير الآخد للمال بصرفه

في الحجّ ، ولا أثر لالتزامه فإنّه يرجع إلى الوعد الإبتدائي الّذي لا يجب العمل فيه .

   ولو تنزّلنا عن جميع ذلك ، وقلنا بإمكان التعليق في المقام ، ولكن ليس لمن عليه الزكاة أو الخمس

هذا الإشتراط وهذه السلطنة ، لعدم الولاية له على مثل ذلك ، وإنّما اللاّزم عليه الأداء والإعطاء إلى

أهله وإبراء ذمّته من الدّين ، نعم له حق التطبيق في الدفع والأداء إلى مستحقه ، وله أن يختار خصوص

الفقير الفلاني أو السيِّد الفلاني وليس له أزيد من ذلك ، ولو جاز له أزيد من ذلك لجاز له أن يشترط

اُموراً اُخر على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 231 /  أبواب الهبات ب 3 ح 1 ، 2 و ب 6 ح 3 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net