استنابة الحي العاجز - حكم تعذّر الاستنابة - حكم التبرّع بالحج عن الحي العاجز عن المباشرة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1633


ــ[74]ــ

   مسألة 62 : يجب على المستطيع الحجّ بنفسه إذا كان متمكّناً من ذلك ، ولا يجزئ عنه حج غيره

تبرّعاً أو بإجارة (1) .

   مسألة 63 : إذا استقرّ عليه الحجّ ولم يتمكّن من الحجّ بنفسه ، لمرض أو حصر أو هرم أو كان ذلك

حرجاً عليه ، ولم يرج تمكّنه من الحجّ بعد ذلك من دون حرج وجبت عليه الإستنابة ، وكذلك من

كان موسراً ولم يتمكّن من المباشرة أو كانت حرجيّة عليه (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) لظهور الأدلّة في المباشرة ، ومع التمكّن من ذلك لا يجزئ عنه حج غيره ، سواء حجّ عنه تبرّعاً

أو بإجارة ، وهذا واضح جدّاً .

   (2) تشتمل هذه المسألة على موردين لوجوب الاستنابة :

   المورد الأوّل :  من استقرّ عليه الحجّ وسوّف وأهمل حتّى مرض أو كبر وضعف من أداء الحجّ بنفسه

، أو كان أداؤه حرجاً عليه بحيث لا يتمكّن من مباشرة الحجّ بنفسه فهل تجب الاستنابة أم لا ؟

   المعروف بين الفقهاء وجوب الاستنابة ، بل في الجواهر أنّ الاستنابة حينئذ واجبة قولاً واحداً حكاه

عن الروضة والمسالك (1) فترديد بعضهم في الوجوب أو الجزم بعدمه كما عن آخر لا وجه له .

ويدل عليه جملة من الأخبار الصحيحة :

   منها : صحيح عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إنّ أمير المؤمنين (صلوات الله

عليه) أمر شيخاً كبيراً لم يحجّ قط ولم يطق الحجّ لكبره ، أن يجهّز رجلاً يحجّ عنه» (2) .

   ومنها : صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إنّ عليّاً (عليه السلام) رأى

شيخاً لم يحجّ قط ولم يطق الحجّ من كبره ، فأمره أن يجهّز رجلاً فيحج

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 17 : 282 ،  الروضة 2 : 167 ، المسالك 2 : 138 .

(2) الوسائل 11 : 65 /  أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 6 .

ــ[75]ــ

عنه» (1) .

   ومنها : صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال : «وإن كان موسراً وحال بينه

وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره الله فيه ، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له» (2)

.

   وربما يناقش في دلالة الأخبار على الوجوب لوجهين :

   الأوّل :  أ نّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهور الأخبار في الوجوب وحملها على الاستحباب ، لاشتمالها

على اُمور لم يلتزم بها الفقهاء ككون النائب رجلاً صرورة فإنّه لا إشكال في جواز نيابة المرأة عن الرّجل

، وكذلك لم يلتزموا بنيابة الصرورة فيكون ذلك قرينة على حمل الأخبار على الاستحباب .

   وفيه أوّلاً : أ نّه لو سلمنا عدم التزام المشهور بمضامين الرّوايات فاللاّزم إلغاء القيد خاصّة والالتزام

بأصل وجوب الاستنابة ، ولا مانع من التفكيك بين القيد والمقيّد .

   وثانياً: لا نرى مانعاً من الالتزام بالقيد وكون النائب عن الحي رجلاً صرورة، وأمّا ما اشتهر من

جواز كون النائب امرأة وغير صرورة فإنّما هو في النيابة عن الميّت . وكيف كان لا إشكال في أنّ

الأحوط وجوباً ـ لو لم يكن أقوى ـ استنابة الرّجل الصرورة إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً ، عملاً

بظاهر هذه الأخبار .

 الثّاني :  أ نّه يستفاد من بعض الرّوايات الحاكية لحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) استحباب النيابة في

مفروض كلامنا لتعليقها على مشيئة الرّجل واختياره ، إذ لا معنى لتعليق الحكم الوجوبي على اختيار

المكلّف ومشيئه ، والظاهر أنّ الرّوايات المتقدّمة وهذه الرّواية حكاية لواقعة واحدة فلا مجال للقول

بالوجوب ، ففي خبر عبدالله بن ميمون أنّ عليّاً (عليه السلام) قال لرجل كبير لم يحجّ قط «إن شئت أن

تجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك»(3) ، وفي خبر سلمة أبي حفص «إنّ رجلاً أتى عليّاً (عليه السلام) إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 63 /  أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 1 .

(2) الوسائل 11 : 63 /  أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 2 .

(3) الوسائل 11 : 65 /  أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 8 .

ــ[76]ــ

أن قال له : إن شئت فجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك» (1) .

   والجواب عن ذلك أمّا أوّلاً فبضعف الرّوايتين سنداً ، أمّا الاُولى فبسهل بن زياد وبجعفر بن محمّد

الأشعري وهو ممّن لم يوثق ، ولم يثبت كونه جعفر بن محمّد بن عبدالله الّذي هو من رجال كامل

الزيارات . وأمّا الثّانية : فبسلمة أبي حفص .

   وأمّا ثانياً : فإنّ المعلّق على المشيئة تفريغ الذمّة وخلاص المكلّف ممّا وجب عليه يعني إذا أردت

خلاص نفسك من هذا الواجب والتكليف فافعل كذا ، وليس المعلّق الحكم بوجوب الاستنابة حتّى

يقال بأ نّه لا معنى لتعليقه .

   المورد الثّاني :  أنّ من كان موسراً ومستطيعاً من حيث المال في هذه السنة ، ولكن لايتمكّن من

المباشرة لعروض مانع من الموانع كمرض أو حصر أو نحوهما، فالمشهور أيضاً وجوب الاستنابة . وعن

جماعة كإبني إدريس وسعيد والعلاّمة في بعض كتبه(2) عدمه .

   والصحيح ما نسب إلى المشهور ، فإنّ مورد بعض الرّوايات وإن كان من استقرّ عليه الحجّ

كالروايتين الواردتين في الشيخ الكبير الّذي لم يحجّ قط ، ولكن صحيح الحلبي مطلق يشمل حتّى من

استطاع في هذا العام ولم يتمكّن من المباشرة ، فإنّ قوله : «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ

مرض» يعم من استطاع في هذه السنة، لصدق كونه موسراً أو حال بينه وبين الحجّ مرض أو نحوه .

   فتحصل :  أنّ المستفاد من الرّوايات المتقدّمة أنّ الاستنابة واجبة على من تعذّر من مباشرة الحجّ

وكان مستطيعاً ، سواء كان مستطيعاً سابقاً واستقرّ عليه الحجّ ، أو استطاع في هذا العام ولم يتمكّن من

المباشرة .

   ثمّ إنّ المشهور بين الفقهاء اختصاص وجوب الاستنابة بصورة اليأس من زوال العذر كما في المتن ،

ولا يخفى أنّ الأخبار الواردة في المقام لم يذكر فيها اليأس من زوال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 64 /  أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 3 .

(2) السرائر 1 : 516 ،  الجامع للشرائع : 173 ، المختلف 4 : 39 .

ــ[77]ــ

ووجوب الاستنابة كوجوب الحجّ فوري (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

العذر أو رجاء الزوال ، بل موردها عدم التمكّن من الحجّ والحيلولة بينه وبين الحجّ لمرض ونحوه ،

وعدم الطاقة للحج بإعتبار كونه شيخاً كبيراً ، ويستفاد من ذلك كلّه أنّ الموضوع لوجوب الاستنابة

عدم القدرة على الحجّ وعدم الاستطاعة على الحجّ واقعاً ، فلا بدّ من إحراز هذا الموضوع ليترتب

عليه الحكم بوجوب الاستنابة .

   والظاهر أنّ اليأس عن زوال العذر طريق عقلائي لثبوت العجز عن الإتيان بالحج ومعذّر في مقام

العمل ، وبه يحصل الإطمئنان بعدم القدرة على المباشرة ، فإن أحرز المكلّف الموضوع باليأس عن زوال

العذر تجب عليه الإستنابة ، ولكن الحكم الثابت حينئذ حكم ظاهري نظير الحكم الثابت في الأعذار

المسوّغة للتيمم ، ويترتب على هذا أ نّه لو ارتفع المانع في السنين اللاّحقة لا يسقط وجوب الحجّ عنه

لعدم إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي ، والحكم الواقعي باق على حاله ويجب على المكلّف امتثاله

كما هو الحال في جميع موارد الطرق الّتي ينكشف الخلاف فيها ، وأمّا صحيح ابن مسلم «لو أنّ رجلاً

أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطيع الخروج ، فليجهّز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه

مكانه»(1) فهو وإن كان مطلقاً من حيث حصول اليأس وعدمه ، ولكن مورده الحجّ التطوّعي بقرينة

قوله «أراد الحجّ» فلا يشمل الحجّ الواجب على المكلّف الّذي غير منوط بإرادة المكلّف .

   (1) لأنّ المستفاد من الأدلّة الأوّليّة وجوب الحجّ على المكلّف مباشرة ، ولكن بعد عروض المانع

تنقلب وظيفته من المباشرة إلى الاستنابة ، فالّذي يسقط في البين مباشرة المكلّف ينفسه وأمّا سائر

الأحكام فلا موجب لسقوطها ، فاللاّزم ترتيب جميع أحكام الحجّ ـ من حرمة التسويف والإهمال في

الحجّ ووجوب المبادرة ـ على الحجّ الصادر من النائب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 64 /  أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 5 .

ــ[78]ــ

   مسألة 64 : إذا حجّ النائب عمّن لم يتمكّن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر أجزأه حجّ

النائب وإن كان الحجّ مستقرّاً عليه(1) . وأمّا إذا اتّفق ارتفاع العذر قبل الموت فالأحوط أن يحجّ هو

بنفسه عند التمكّن(2) وإذا كان قد ارتفع العذر بعد أن أحرم النائب وجب على المنوب عنه الحجّ

مباشرة ولا يجب على النائب إتمام عمله (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) هذا ممّا لا ينبغي الشك فيه ، فإنّ الميت قد عمل بوظيفتـه وهي الإسـتنابة والمفروض أنّ

المنوب عنه مات ولم يرتفع العذر ، فيكون العمل مجـزئاً فلا موجب للقضاء عنه.

   (2) لما عرفت أنّ الحكم بوجوب الاسـتنابة عند اليأس من زوال العذر حكم ظاهري ولا نقول

بإجزائه عن الحكم الواقعي ، فإنّ موضوع وجوب الاستنابة كما تقدّم قريباً عدم قدرة المكلّف واقعاً

على المباشرة ، فإذا اُحرز هذا بالطرق العقلائيّة وأتى النائب بالأعمال ثمّ انكشف الخلاف كان الإجزاء

محتاجاً إلى الدليل ، لبقاء الحكم الواقعي على حاله فلا بدّ من امتثاله ولا موجب لسقوطه .

   (3) إن قلنا بعدم الإجزاء بعد ارتفاع العذر وبعد تمام الأعمال فالقول بعدم الإجزاء في المقام أولى ،

ولو قلنا بالإجزاء هناك لا نقول به هنا ، لإنفساخ الإجارة وانكشاف عدم مشروعيّة الاستنابة واقعاً ،

كما ذكرنا أنّ موضوع وجوب الاستنابة والإجارة هو عدم التمكّن من الحجّ مباشرة ، والمفروض

حصول التمكّن بالفعل ، وإنّما احتمل التمكّن وتخيّل بقاء العذر ، وما لم يحرز الموضوع لا تصحّ

الإجارة فتنفسخ قهراً .

   وبعبارة أوضح : يحكم بفساد الإجارة لوقوعها على عمل غير مشروع ، لتعلّقها على عمل الحي

الّذي يتمكّن من الحجّ مباشرة ولا تجوز الإجارة على ذلك ، ويتبعه فساد العمل من النائب فتجب

المباشرة على المنوب عنه بنفسه ولا يجب على النائب إتمام عمله .

ــ[79]ــ

   مسألة 65 : إذا لم يتمكّن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب ، ولكن يجب القضاء عنه بعد موته

إن كان الحجّ مستقرّاً عليه ، وإلاّ لم يجب (1) ، ولو أمكنه الاستنابة ولم يستنب حتّى مات وجب

القضاء عنه (2) .

   مسألة 66 : إذا وجبت الاستنابة ولم يستنب ولكن تبرّع متبرّع عنه لم يجزئه ذلك ووجبت عليه

الاستنابة (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) لو تعذّرت الاستنابة على المكلّف أيضاً ، إمّا لعدم وجود النائب أو وجوده ولكن لا يرضى

بالنيابة إلاّ بأخذ مال يبلغ حدّ الاجحاف أو يتضرّر به المنوب عنه تضرراً أزيد من المتعارف ، ففي مثله

يسقط وجوب الاستنابة لعدم القدرة أو لنفي الضرر والحرج ، فلو مات والحال هذه يجب القضاء عنه

إذا كان الحجّ مستقرّاً عليه وأهمل في الإتيان ، إذ لا موجب لسقوطه بعد الإستقرار وإهماله في الإتيان ،

ومجرّد عدم التمكّن من أدائه في زمان حياته لا يوجب سقوط القضاء عنه ، فهو في الحقيقة قد مات

وعليه حجّة الإسلام .

   وأمّا إذا لم يكن الحجّ مستقرّاً عليه كما إذا مات في عام الاستطاعة فالظاهر عدم وجوب القضاء ،

لسقوط التكليف عنه مباشرة على الفرض وعدم وجوب الاستنابة عليه في زمان حياته لعدم القدرة

عليها ، فلا يجب عليه الحجّ لا مباشرة ولا نيابة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه .

   (2) لو ترك الاستنابة مع التمكّن منها فلا ريب في أ نّه عصى بناءً على وجوب الاستنابة ، ولو مات

يجب القضاء عنه لاستقرار الحجّ عليه بالتمكّن من الاستنابة .

   (3) لأنّ العمل ما لم يصدر منه مباشرة أو لم يكن بأمره وتسبيبه لا يستند إليه ، فلا موجب لسقوطه

عنه بمجرّد إتيان العمل في الخارج تبرّعاً من الغير . مضافاً إلى أنّ المستفاد من الرّوايات(1) لزوم

الإرسال والإحجاج والتجهيز إليه ، وذلك غير صادق على فعل الغير تبرّعاً ولا أقل من الشك في

السقوط والأصل عدمه . وبعبارة اُخرى :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدِّمة في ص 74 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net