انقسام الحج إلى تمتع وقِران وإفراد - حدّ البُعد الّذي يوجب التمتّع 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1491


ــ[167]ــ


أقسام الحجّ

   مسألة 143 : أقسام الحجّ ثلاثة : تمتع وإفراد وقران (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

جواز الخروج .

   ومن ثمّ حمل المشهور الروايات الواردة في المقام على الاستحباب ومراتب الفضل بالنسبة إلى البقاء

إلى هلال ذي الحجّة أو إلى يوم التروية ، وذكروا أن من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحجّ يستحب له

البقاء إلى الحجّ ، وإذا بقي إلى هلال ذي الحجّة يتأكّد له الإتيان بالحج بنفس العمرة الّتي أتى بها ، وإذا

بقي إلى يوم التروية يكون الإتيان بالحج آكد .

   ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين الحجّ الواجب والندب ، لأنّ الرّوايات مطلقة تشمل من وجب عليه

الحجّ أيضاً .

   (1) بلا خلاف أجده فيه بين علماء الإسلام ، بل إجماعهم بقسميه عليه كما في الجواهر(1) مضافاً

إلى النصوص المتواترة أو القطعيّة ، بل قيل إنّه من الضروريات .

   أمّا النصوص فمن جملتها صحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول :

الحجّ ثلاثة أصناف : حج مفرد وقران وتمتع بالعمرة إلى الحجّ (2) وبها أمر رسول الله (صلّى الله عليه

وآله وسلّم) والفضل فيها ولا نأمر الناس إلاّ بها» (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 18 : 2 .

(2) وجه التسمية : أمّا التمتّع فهو لغة : التلذذ والإنتفاع ، وإنّما سمي هذا النوع بهذا الإسم لما يتخلّل

بين عمرته وحجّه من التحلّل المقتضي لجواز الانتفـاع والالتذاذ بما كان محرماً عليه حال الإحرام .

وأمّا الإفراد : فلانفصاله عن العمرة وعدم ارتباطه بها . وأمّا القِران : فلاقتران الإحرام بسياق الهدي .

(3) الوسائل 11 : 211 /  أبواب أقسام الحجّ ب 1 .

ــ[168]ــ

والأوّل فرض من كان البعد بين أهله والمسجد الحرام أكثر من ستّة عشر فرسخاً(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) يقع الكلام في موردين :

   أحدهما : في بيان الحدّ الموجب للتمتع .

   ثانيهما : في أنّ الحد المذكور هل يلاحظ بين أهله ومكّة أو بين أهله والمسجد الحرام علماً بأنّ هناك

مسافة معتداً بها بين أوّل مكّة والمسجد الحرام ، خصوصاً وأنّ البلدان تأخذ بالتوسع بمرور الزمن .

   أمّا الأوّل :  فقد اختلف الأصحاب في حدّ البعد المقتضي لتعيين التمتّع على البعيد على قولين :

   أحدهما وهو المشهور : أ نّه عبارة عن ثمانية وأربعين ميلاً من كل ناحية أي ستّة عشر فرسخاً من كل

جانب .

   ثانيهما : أ نّه عبارة عن إثني عشر ميلاً من كل جانب .

   والمعتمد هو القول الأوّل ، ويدل عليه صحيح زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت لأبي

جعفر (عليه السلام) : قول الله عزّ وجلّ في كتابه : (... ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ا لْمَسْجِدِ ا

لْحَرَامِ ...) قال : يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة ، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ، ذات

عرق وعسفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية ، وكلّ من كان أهله وراء ذلك

فعليهم المتعة» (1) .

   ويؤيّد بخبر آخر عن زرارة قال «سألته عن قول الله : (... ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ا

لْمَسْجِدِ ا لْحَرَامِ ...) قال : ذلك أهل مكّة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة قال قلت : فما حد ذلك ؟

قال : ثمانية وأربعين ميلاً من جميع نواحي مكّة دون عسفان ودون ذات عرق» (2) ولكن الخبر

ضعيف لجهالة طريق الشيخ إلى علي بن السندي الّذي أسند الشيخ الخبر إليه ، وبعلي بن السندي فإنّه

لم يوثق ، ولا عبرة بتوثيق نصر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 295 /  أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 3 .

(2) الوسائل 11 : 260 /  أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 7 ، التهذيب 5 : 492 / 1766 .

ــ[169]ــ

ابن الصباح له لأن نصر بنفسه لم يوثق . فالعمدة هي الصحيحة الاُولى .

   وقد استدلّ للقول الثّاني ، وهو كون الحد الموجب للتمتع إثني عشر ميلاً من كل جانب بوجوه :

   الأوّل :  إطلاق ما دلّ على وجوب التمتّع على كل مكلّف ، كما جاء في صحيحة الحلبي «فليس

لأحد إلاّ أن يتمتع» (1) فإنّ القدر المتيقن الخارج من المطلقات من كان دون الحد المذكور ، فمن كان

فوق الحد تشمله الإطلاقات .

   والجواب :  أنّ المطلقات ناظرة إلى حكم البعيد في قبال العامّة القائلين بجواز الإفراد أو القِران لكلّ

أحد حتّى البعيد ، ولا نظر لها إلى وجوب المتعة على كل أحد .

   مضافاً إلى أ نّه يمكن تقييدها بما دلّ على التحديد بثمانية وأربعين ميلاً كصحيحة زرارة المتقدّمة ، فلا

مجال للعمل بالمطلقات .

   الثّاني :  أنّ المستفاد من الآية الشريفة أنّ موضوع التمتّع غير الحاضر وموضوع الإفراد والقِران هو

الحاضر ، وهو يقابل المسافر ، فالتمتع وظيفة من صدق عليه المسافر ، والإفراد وظيفة الحاضر ، فلا بدّ

من ملاحظة حدّ السفر الموجب للقصر ، ومن المعلوم أنّ حدّ السفر أربعة فراسخ من كل جانب وهي

إثنا عشر ميلاً .

   وفيه :  أنّ الحضور المذكور في الآية الشريفة لا يراد به الحضور المقابل للسفر ، بل المراد به بالنسبة

إلى الحضور في مكّة والغياب عنها .

   وبعبارة اُخرى : المستفاد من الآية الشريفة وجوب التمتّع على من لم يكن ساكناً في مكّة ، ووجوب

الإفراد والقِران على من كان ساكناً وكان أهله حاضري المسجد الحرام ، إلاّ أنّ النصوص حددت

البعد بثمانية وأربعين ميلاً وجعلت العبرة بذلك في وجوب التمتّع خاصّة ، وإذا كان البعد أقل ممّا ذكر

فوظيفته الإفراد أو القِران.

   الثّالث :  أنّ عنوان الحضور المأخوذ في الآية الشريفة المعلّق عليه غير التمتّع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 223 /  أبواب أقسام الحجّ ب 3 ح 2 .

ــ[170]ــ

عنوان عرفي ، وهو لا يصدق على من كان بعيداً عن مكّة بإثني عشر ميلاً ، بل يصدق عليه أ نّه ممّن لم

يكن أهله حاضري المسجد الحرام فيجب عليه التمتّع .

   والجواب عنه :  أنّ العرف وإن كان لا يرى صدق الحاضر على من بعد من مكّة بإثنى عشر ميلاً ،

ولكن لا يرى أيضاً صدق الحاضر على من كان مسكنه دون إثني عشر ميلاً ، ولذا قلنا لو كنّا نحن

والآية الشريفة لالتزمنا بوجوب التمتّع على كلّ من لم يكن من سكنة مكّة ، سواء كان قريباً منها أو

بعيداً ، وإنّما قلنا بإختصاص التمتّع لمن كان بعيداً عن مكّة بمقدار ثمانية وأربعين ميلاً لصحيحة زرارة

المتقدّمة (1) .

   والرّابع :  أنّ الآية الشريفة دلّت على وجوب التمتّع على من لم يكن من سكنة مكّة المكرّمة لقوله

تعالى : (... ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ا لْمَسْجِدِ ا لْحَرَامِ...)(2) و «ذلك» إشارة إلى التمتّع ،

ولكن اُلحق بسكنة مكّة جماعة اُخرى ممّن ليسوا من سكنتها بالإجماع القطعي إلحاقاً حكمياً كأهالي مر

وأهالي سرف كما في صحيحة الفضلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «ليس لأهل مكّة ولا لأهل

مر ولا لأهل سرف متعة» (3) فإنّ المستفاد من الآية المباركة وجوب المتعة على جميع المكلّفين عدا

أهالي مكّة وأهالى مر وسرف ، ومقتضى القاعدة هو الاقتصار على القدر المتيقن في الخروج من وجوب

المتعة ، ولازم ذلك عدم وجوب التمتّع على أهالي مكّة وأهالى مر وسرف خاصّة ، وأمّا غيرهم

فالواجب عليهم التمتّع وإن بعدوا عن مكّة بإثني عشر ميلاً .

   ويرد عليه :  أ نّه لا يتم ما ذكر بالنظر إلى صحيحة زرارة المتقدّمة (4) الّتي حدّدت البعد بثمانية

وأربعين ميلاً ، ولا مجوّز لرفع اليد عنها بعد صحّة سندها وظهور دلالتها . وحملها على الجوانب

الأربعة من تقسيط ثمانية وأربعين ميلاً على الجوانب الأربعة كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 168 .

(2) البقرة 2 : 196 .

(3) الوسائل 11 : 258 /  أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 1 .

(4) في ص 168 .

ــ[171]ــ

عن ابن إدريس (1) بعيد جدّاً .

   ثمّ إنّ هنا رواية معتبرة دلّت على أ نّه لا متعة على من كان بعيداً عن مكّة بثمانية عشر ميلاً ، وهي

صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في قول الله عزّ وجلّ: (... ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ

حَاضِرِي ا لْمَسْجِدِ ا لْحَرَامِ ...) قال : من كان منزله ثمانية عشر ميلاً من بين يديها ، وثمانية عشر ميلاً

من خلفها ، وثمانية عشر ميلاً عن يمينها وثمانية عشر ميلاً عن يسارها ، فلا متعة له مثل مر وأشباهه»

(2) ويظهر منها وجوب المتعة على من بعد من مكّة بأزيد من ثمانية عشر ميلاً ، فتكون منافية لصحيحة

زرارة المتقـدِّمة (3) الدالّة على وجوب المتعة على من بعد عن مكّة بثمانية وأربعين ميلاً .

   وصاحب الوسائل دفع التنافي بينهما حيث قال : هذا ـ أي صحيح حريز ـ غير صريح في حكم ما

زاد عن ثمانية عشر ميلاً فهو موافق لغيره فيها وفيما دونها ، فيبقى تصريح حديث زرارة وغيره

بالتفصيل سالماً عن المعارض(4) . ولكن الظاهر أنّ الصحيحة في مقام التحديد ، ويظهر منها قصر

الحكم بخصوص هذا الحد فتكون منافية لخبر زرارة .

   والصحيح أن يقال : إنّ خبر حريز مضافاً إلى معارضته بصحيحة زرارة المشهورة لا قائل ولا عامل

بمضمونه أبداً فلا بدّ من طرحه ورد علمه إلى أهله .

   وقد ورد في خبرين آخرين أنّ العبرة في الحضور بما دون الميقات لا بما دون ثمانية وأربعين ميلاً .

   أحدهما : خبر الحلبي «في حاضري المسجد الحرام ، قال : ما دون المواقيت إلى مكّة فهو حاضري

المسجد الحرام وليس لهم متعة» (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر 1 : 519 .

(2) الوسائل 11 : 261 /  أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 10 .

(3) في ص 168 .

(4) الوسائل 11 : 262 .

(5) الوسائل 11 : 260 /  أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 4 .

ــ[172]ــ

والآخران فرض من كان أهله حاضري المسجد الحرام ، بأن يكون البعد بين أهله والمسجد الحرام أقل

من ستّة عشر فرسخاً (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   ثانيهما : صحيح حماد «في حاضري المسجد الحرام قال : ما دون الأوقات إلى مكّة» (1) .

   ولكن حال هذين الخبرين حال خبر حريز من الطرح والسقوط ، لعدم العامل بهما ومخالفتهما

للمتسالم عليه بين الأصحاب .

   وأمّا المورد الثّاني :  وهو أنّ الحد المذكور هل يلاحظ بين أهله ومكّة ، أو بين أهله والمسجد الحرام

، وجهان والصحيح هو الثّاني ، بيان ذلك : أنّ الظاهر من صحيحة زرارة المتقدِّمة (2) المفسّرة للآية

الشريفة المشتملة على ذكر المسجد الحرام كون العبرة في التحديد بالمسجد الحرام وأ نّه هو المبدأ

والمنتهى لا بلدة مكّة ، وكم فرق بينهما فإنّ بلدة مكّة واسعة جدّاً فتختلف المسافة قلّة وكثرة بلحاظ

نفس المسجد أو بلدة مكّة كما أشرنا إليه في أوّل المسألة .

   ولو شكّ في ذلك واحتمل أنّ التحديد بإعتبار نفس البلدة بإعتبار وجود المسجد الحرام فيها فتكون

الرّواية مجملة ، لعدم ظهورها في كون التحديد بلحاظ المسجد أو البلد ، فاللاّزم الإقتصار على المتيقن

في الخروج عن العمومات المقتضية للتمتع على جميع المكلّفين ، وذلك يقتضي كون العبرة بنفس

المسجد الحرام .

   (1) يدل على ذلك نفس الآية الشريفة (... ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المَسْجِدِ الْحَرَامِ ...)

لعود الضمير إلى التمتّع المذكور في صدر الآية ، فإذا لم يكن التمتّع وظيفة للقريب فطبعاً تكون وظيفته

الإفراد أو القِران .

 ويدل عليه أيضاً النصوص المستفيضة النافية للمتعة عن أهل مكّة وعمّن بعد عن مكّة دون ثمانية

وأربعين ميلاً كصحيحة زرارة المتقدّمة (3) المفسّرة للآية الشريفة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 260  / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 5 .

(2) في ص 168 .

(3) في ص 168 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net