بدلية الاطعام عن البدنة للعاجز عنها 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1647


ــ[310]ــ

   مسألة 208 : من أصاب شيئاً من الصيد فان كان فداؤه بدنة ولم يجدها فعليه إطعام ستّين مسكيناً

لكل مسكين مد ، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً ، وإن كان فداؤه بقرة ولم يجدها فليطعم ثلاثين

مسكيناً ، فان لم يقدر صام تسعة أيّام وإن كان فداؤه شاة ولم يجدها فليطعم عشرة مساكين ، فان لم

يقدر صام ثلاثة أيّام (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

الاجماع فهو وإلاّ فاثباته بدليل غير ممكن ومقتضى الأصل عدم الوجوب ، بل يستشعر من بعض

الروايات عدم الوجوب ، لأنّ السائل يسأل عن قتل المحرم الأرنب والثعلب فيجيب (عليه السلام)

عن الأرنب ويسكت عن الثعلب (1) فاقتصاره (عليه السلام) في الجواب على الأرنب مشعر بعدم

وجوب شيء في الثعلب .

   نعم ، ورد في رواية واحدة ثبوت الدم على من قتل ثعلباً كالأرنب (2) ولكن الرواية ضعيفة سنداً

بطريقيها ، أحدهما بسهل وعلي بن أبي حمزة البطائني ، والآخر بالبطائني فانّه كذاب بل اختلق عدّة

روايات في الأموال ونسبها إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) إلاّ أنّ الظاهر تسالم الأصحاب على ثبوت

الشاة في قتله ، فالحكم مبني على الاحتياط .

   (1) البحث في هذه المسألة لبيان أبدال الكفّارة المتقدِّمة إذا عجز عنها ، سواء كانت بدنة أو بقرة

أو شاة .

   والبدل على قسمين : إمّا الاطعام أو الصوم .

   أمّا الأوّل :  فيقع الكلام في جهات :

   الاُولى :  إذا كان الواجب بدنة كما إذا قتل النعامة وعجز عنها فما هو الواجب عليه؟

   ورد في جملة من الروايات أ نّه يجب عليه صرف قيمة البدنة على إطعام ستّين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 17 /  أبواب كفارات الصيد ب 4 ح 1 .

(2) الوسائل 13 : 17 /  أبواب كفارات الصيد ب 4 ح 4 .

ــ[311]ــ

مسكيناً ، فان كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستّين مسكيناً لا تجب عليه الزيادة على إطعام ستّين

مسكيناً ويكون الباقي له ، وإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستّين مسكيناً لم يكن عليه إلاّ قيمة

البدنة ولا يجب عليه إطعام الستّين(1) وفي جملة منها اقتصر على إطعام ستّين مسكيناً ابتداءً من دون

ذكر قيمة البدنة(2) وعلى طبق هذه الروايات أفتى جملة من الفقهاء كابن بابويه(3) وابن أبي

عقيل(4) والمفيد(5) والسيِّد(6) والسلاّر(7) ، وهذا هو الصحيح .

   بيان ذلك : أن روايات التقويم دلّت على تقييد الاطعام على ستّين مسكيناً بما إذا كانت قيمة البدنة

وافية لذلك، وإلاّ فيقتصر على ما تمكن، ولكن صحيح علي بن جعفر (8) يدل على الاطعام على

ستّين مسكيناً على الاطلاق ابتداءً من دون نظر إلى القيمة ، والمتعين هو الأخذ باطلاق هذه الصحيحة

ونحوها ، ولا موجب لتقييدها بالروايات السابقة .

   والوجه في ذلك : أن مثل هذا الفرض ، وهو أن نعتبر قيمة البعير أقل من تكاليف الاطعام بستّين

مسكيناً مع فرض كفاية مد واحد لكل مسكين ، بعيد جدّاً ، نعم قد يحتمل ـ وإن كان من الفرض

البعيد ـ عدم وفاء قيمة البعير في زمان صدور الروايات فالمتعيّن هو العمل بالروايات المطلقة ولا

موجب للتقييد لعدم موضوع له .

   الثانية : هل يعتبر في البدنة أن تكون اُنثى ، أم يجزئ الأعم منها ومن الذكر ؟ قولان :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 11 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 9 ، 2 .

(2) الوسائل 13 : 12 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 3 و 6 و 12 .

(3) ، (4) المختلف 4 : 115 .

(5) المقنعة : 435 .

(6) جمل العلم والعمل : 71 .

(7) المراسم : 119 .

(8) الوسائل 13 : 10 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 6 .

ــ[312]ــ

   في مجمع البحرين أ نّها تقع على الجمل والناقة والبقرة عند جمهور أهل اللّغة وبعض الفقهاء ، وعن

بعض الأفاضل أن إطلاقها على البقرة مناف لما ذكره أئمة اللّغة من أ نّها من الإبل خاصّة (1) . انتهى

.

   واستشهد الحدائق على التعميم للذكر والاُنثى برواية أبي الصباح الكناني ، لاشتمالها على كلمة

جزور في قوله (عليه السلام) «وفي النعامة جزور» (2) والجزور أعم من الذكر والاُنثى (3) .

   ثمّ إن في التهذيب المطبوع بالطبعة الجديدة رواها عن أبي الفضيل عن أبي الصباح (4) ، وهو سهو

جزماً لعدم وجود رجل يكنى بأبي الفضيل يروي عن أبي الصباح ، بل الراوي عنه كما في النسخ

الصحيحة ابن الفضيل وهو محمّد بن الفضيل وهو مشترك بين الثقة وهو محمّد بن القاسم بن فضيل

وبين غيره وهو محمّد بن الفضيل ، وقد حاول الأردبيلي في جامع الرواة الاتحاد بين محمّد بن الفضيل

ومحمّد بن القاسم الفضيل ، فانّ الشخص قد ينسب إلى جدّه كثيراً واستشهد باُمور أطال
فيها(5) ، ولكن لا يوجب إلاّ الظن بالاتحاد لا الجزم ، فالرواية ساقطة سنداً .

   إذن إن ثبت ما عن المجمع من أنّ البدنة تشمل الذكر والاُنثى فالحكم ثابت للجامع ، وإلاّ فالمقام من

موارد الشك وينتهي الأمر إلى الأصل العملي ، ويختلف باختلاف المباني والمسالك بالنسبة إلى جريان

الأصل في الشك بين الأقل والأكثر الارتباطيين وأ نّه هل يجري أصل البراءة مطلقاً أو يجري الاشتغال

مطلقاً أو يفصّل بين الأجزاء والشرائط .

   فان قلنا بالاشتغال مطلقاً ، أو بالاشتغال في الشك في الشرط كما في المقام فلا بدّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البحرين 6 : 212 .

(2) الوسائل 13 : 6 /  أبواب كفارات الصيد ب 1 ح 3 .

(3) الحدائق 15 : 176 .

(4) التهذيب 5 : 341 / 1180 .

(5) جامع الرواة 2 : 183 .

ــ[313]ــ

من الاقتصار على الناقة ، وإن قلنا بالبراءة مطلقاً فيجزئ الأعم ، فان التكليف بالجامع وبالطبيعة

المهملة معلوم ولكن لا يعلم أن الواجب مطلق أو مقيّد بالاُنثى وحيث إنّ الاطلاق واسع فلا معنى

لجريان البراءة فيه فتجري في التقييد إذ فيه الكلفة والضيق .

   الثالثة :  قد عرفت أ نّه إذا عجز عن البدنة يتعين عليه إطعام ستّين مسكيناً للنصوص ، وعمدتها

صحيح علي بن جعفر (1) ومعاوية بن عمار (2) وبازائهما خبر داود الرقي قال : «إذا لم يجد بدنة

فسبع شياه فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً» (3) ولكن لم ينسب القول بمضمونه إلى أحد من فقهائنا

في مقام كفّارة الصيد .

   نعم ، ذهب إليه بعضهم في مقام آخر غير الصيد ممّا يجب عليه البدنة ، فالرواية شاذة مخالفة

للروايات المستفيضة فلا يمكن الحمل على التخيير ، لأنّ المفروض في كل من صحيح علي بن جعفر

وخبر داود الرقي صيام ثمانية عشر يوماً إذا عجز عن إطعام ستّين مسكيناً أو عجز عن سبع شياه ، ولو

كان وجوب سبع شياه عدلاً لاطعام ستّين مسكيناً كان اللاّزم انتقال الأمر إلى أحدهما عند العجز عن

الآخر لا الانتقال إلى الصيام رأساً ، فالروايتان صريحتان في الواجب التعييني ولا مجال لحملهما على

التخـييري ، فهما متنافيتان والترجيح للروايات المتقدِّمة كصحيح علي بن جعفر ، لشهرتها رواية

وعملاً وشذوذ رواية داود الرقي .

 على أنّ الروايات السابقة موافقة للكتاب، ورواية داود الرقي مخالفة له ، إذ لم يذكر سبع شياه في

الآية الكريمة (4) والمذكور فيها وجوب الحيوان المشابه المماثل لما قتل من النعم أو إطعام ستّين مسكيناً

أو صيام ثمانية عشر يوماً (5) على التخيير ، غاية الأمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 10 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 6 .

(2) الوسائل 13 : 13 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13 .

(3) الوسائل 13 : 9 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 4 .

(4) المائدة 5 : 95 .

(5) المذكور في القرآن هو الإطعام والصوم دون الستين وثمانية عشر .

ــ[314]ــ

الآية لا تدل على الترتيب ولكن الروايات المفسرة للآية الشريفة دلّت على الترتيب فهذه الكفّارة

مرتّبة لا مخيّرة ببركة النصوص ، هذا كلّه مضافاً إلى ضعف رواية داود الرقي سنداً ، لأ نّه لم تثبت

وثاقته ، وقد ضعّفه النجاشي (1) ، فلا عبرة بتوثيق غيره له .

   الرابعة :  وقع الكلام في جنس الطعام وكمه ، أمّا من حيث الجنس ، ففي الشرائع عبّر بالبر (2)

ومقتضاه عدم إجزاء غيره ، إلاّ أنّ العلاّمة صرح باجزاء كل طعام(3) كما في الآية الكريمة والروايات

، ولا يعرف انصراف الطعام إلى خصوص البر أو التبادر إليه .

   نعم ، ورد كلمة البر في الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) (4) وفي خبر الزهري(5) الضعيف

جدّاً ، فلا عبرة بهما .

   وأمّا الكم ومقدار الصدقة ، فقد ذهب جماعة إلى لزوم التصدق بمدّين كما هو أحد الأقوال في

كفّارة الافطار العمدي . وذهب آخرون إلى الاكتفاء بمدّ واحد ، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار ،

ففي صحيح معاوية بن عمار صرح بالمد (6) ، وفي صحيح أبي عبيدة صرح بنصف الصاع (7) وهو

مقدار مدين إلاّ أن ما دل على المدّين ظاهر في الوجوب ، وما دلّ على المدّ صريح في الاكتفاء به ،

ويرفع اليد عن ظهور ذلك بصراحة الآخر وبحمل ما دلّ على المدّين على الاستحباب .

   ولو وصل الأمر إلى الأصل العملي فالواجب أيضاً مدّ واحد ، لأ نّه واجب قطعاً ونشك في الزائد ،

والأصل عدمه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 156 .

(2) الشرائع 1 : 326 .

(3) لم نعثر عليه في كتبه بل هو صرح بالبرُ ، وأمّا في التذكرة ففي موضع لم يتعرّض لخصوصية 7 :

462  وفي موضع آخر عبّر بالبرُ  7 : 401 .

(4) فقه الرضا : 201 .

(5) الوسائل 10 : 367 /  أبواب بقيّة الصوم الواجب  ب 1 ح 1 .

(6) الوسائل 13 : 13 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13 .

(7) الوسائل 13 : 8 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 1 .

ــ[315]ــ

   عود على بدء :

   قد عرفت أن مقتضى إطلاق جملة من الروايات وكلمات الفقهاء (قدس سرهم) وجوب الإطعام

على ستّين مسكيناً ، سواء وفت قيمة البدنة لذلك أم لا ، ومقتضى إطلاق جملة اُخرى وجوب صرف

قيمة البدنة في الاطعام على ستّين مسكيناً إذا وفت القيمة وإلاّ فيكتفى بالأقل ، وحيث إن قيمة البدنة

تفي بالاطعام على الستّين قطعاً ودائماً ، لذا لم يتعرضوا للأقل واكتفوا بذكر الاطعام على ستّين مسكيناً

، ولكن بعض الروايات صريحة في الاعتبار بالقيمة والاجتزاء بالأقل من الستّين إذا كانت قيمة البدنة

أقل من إطعام ستّين مسكيناً ، وعدم وجوب الزائد ، وهي رواية جميل (1) على ما رواه الصدوق عنه

.

   والرواية صحيحة عندنا ، فان طريق الصدوق إلى جميل بن دراج وجميل بن صالح وإن كان لم يذكر

في المشيخة إلاّ أ نّه يظهر صحّة طريقه إليهما من طريق الشيخ إلى جميل بن دراج وإلى جميل بن صالح

ومحمّد بن الحسن بن الوليد (2) .

   فعليه لو فرضنا قيمة البدنة أقل من إطعام ستّين مسكيناً فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق روايات

الاطعام على ستّين مسكيناً .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 11 /  أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 9 . الفقيه 2 : 232 /  1110 .

(2) الفهرست : 44 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net