13 ـ الكذب والسب 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1436


ــ[429]ــ


13 ـ  الكذب والسّب

   مسألة 249 : الكذب والسّب محرّمان في جميع الأحوال ، لكن حرمتهما مؤكّدة حال الإحرام ،

والمراد من الفسوق في قوله تعالى : (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِيْ الْحَجِّ ) هو الكذب والسّب ،

أمّا التفاخر ، وهو إظهار الفخر من حيث الحسب أو النسب ، فهو على قسمين :

   الأوّل : أن يكون ذلك لاثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحط من شأن الآخرين وهذا  محرّم في

نفسه .

   الثاني : أن يكون ذلك لاثبات فضيلة لنفسه من دون أن يستلزم إهانة الغير وحطّاً من كرامته ،

وهذا لا بأس به ، ولا يحرم لا على المحرم ولا على غيره (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) أجمع العلماء كافّة على تحريم الكذب والسب في الحجّ وغيره ، والأصل فيه بالنسبة إلى الحجّ

قوله تعالى: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِيْ ا لْحَجِّ)(1) وقد فسّر الفسوق في صحيح معاوية بن

عمار بالكذب والسباب (2) وهذا ممّا لا كلام فيه .

   وإنّما الكلام في المراد بالفسوق وتفسيره ، فعن الشيخ (3) والصدوقين (4) أ نّه الكذب خاصّة ،

بل نسب هذا القول إلى المشهور واختاره في الحدائق(5) . وعن القاضي أ نّه الكذب على الله تعالى

وعلى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى الأئمة (6) (عليهم السلام) ولكن لا موجب لهذا

التخصيص بعد إطلاق الأدلّة . وعن ابن الجنيد أ نّه الكذب والسباب (7) كما في صحيح معاوية بن

عمار .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 31 .

(2) الوسائل 12 : 463 /  أبواب تروك الاحرام ب 32 ح 1 .

(3) المبسوط 1 : 320 .

(4) المقنع : 224 ، المختلف 4 : 109 .

(5) الحدائق 15 : 456 .

(6) المهذب 1 : 221 .

(7) حكاه في المختلف 4 : 109 .

ــ[430]ــ

 وعن الشيخ في التبيان أنّ المراد به جميع المعاصي الّتي نهي المحرم عنها (1) . وهذا اجتهاد منه في مقابلة

النصوص المفسرة للفسوق ، فانّ الاجتناب عن المعاصي بل عن كل رذيلة وإن كان ممدوحاً في نفسه

خصوصاً في حال الاحرام ولكن لا وجه لحمل الفسوق على ذلك ، بعد تفسيره في النصوص المعتبرة

بالكذب والسباب أو المفاخرة .

   وفي صحيح علي بن جعفر فسّر الفسوق بالكذب والمفاخرة (2) فان قلنا بأنّ المفاخرة لا تنفك عن

السباب ، فانّ المفاخرة إنّما تتم بذكر فضائل لنفسه وسلبها عن المخاطب ، أو يسلب رذائل عن نفسه

ويثبتها لخصمه ، وهذا هو معنى السباب كما عن العلاّمة في المختلف(3)، فلا معارضة بين صحيحة

معاوية بن عمار المتقدِّمة وصحيحة علي بن جعفر، لارجاع المفاخرة إلى السباب المذكور في صحيحة

معاوية بن عمار، وإن لم يكن عنوان المفاخرة داخلاً في عنوان السب كما إذا افتخر على المخاطب

بذكر فضائل لنفسه أو دفع رذيلة عنها من دون أن يمس كرامة المخاطب ومن دون تعريض لنفي فضيلة

عنه أو إثبات رذيلة عليه، فيقع التعارض بين صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة علي بن جعفر، لأن

صحيح معاوية بن عمار فسّر الفسوق بالكذب والسباب وصحيح علي بن جعفر فسّره بالكذب

والمفاخرة.

   وذكر صاحب الحدائق أنّ الصحيحين تعارضا فيما عدا الكذب فيتساقطان ويؤخذ بالمتفق عليه منهما

وهو الكذب خاصّة ، فيطرح المختلف فيه من كل من الجانبين وهو السب والمفاخرة (4) ويؤيّده

تفسير الفسوق بالكذب خاصّة في روايات ضعيفة كمرسلة العياشي في تفسيره(5) ورواية الصدوق

عن المفضل بن صالح عن زيد الشحام(6) ، فانّها ضعيفة بالمفضل بن صالح ، والفقه الرضوي (7) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التبيان 2 : 164 .

(2) الوسائل 12 : 465 /  أبواب تروك الاحرام ب 32 ح 4 .

(3) المختلف 4 : 110 .

(4) الحدائق 15 : 459 .

(5) ، (6) لاحظ الوسائل 12 : 467 /  أبواب تروك الاحرام ب 32 ح 9 ، 8 .

(7) فقه الرضا : 217 .

ــ[431]ــ

   وكذا السيِّد في المدارك اختار أنّ المراد بالفسوق هو الكذب فقط (1) ، بدعوى أنّ الجمع بين

صحيح معاوية بن عمار وصحيح علي بن جعفر يقتضي المصير إلى أنّ الفسوق هو الكذب خاصّة ،

لاقتضاء صحيح معاوية بن عمار نفي المفاخرة وصحيح علي بن جعفر نفي السباب، فيؤخذ بالمتفق عليه

منهما وهو الكذب ويتساقطان بالنسبة إلى السب والمفاخرة .

   وهذا من مثله عجيب ، وذلك فلأنّ التعارض إنّما هو بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر، لأن

منطوق صحيح معاوية بن عمار يدل على تفسير الفسوق بالكذب والسباب وبالمفهوم المستفاد من

الحصر يدل على عدم المنع من المفاخرة ، وكذا صحيح علي بن جعفر بالمنطوق يدل على حرمة

الكذب والمفاخرة وبمفهوم الحصر يدل على عدم كون السب من تروك الاحرام، فمفهوم كل منهما

يدل على جواز السباب والمفاخرة ، وحيث إن دلالة المفهوم بالظهور ودلالة المنطوق بالصراحة فيرفع

اليد عن ظهور كل منهما بصراحة المنطوق في كل منهما ، فالنتيجة حرمة الجميع وأنّ السب والكذب

والمفاخرة من الفسـوق . بل لو فرضنا أنّ الروايات الضعيفة المفسرة للفسوق بالكذب خاصّة كانت

معتبرة ، كانت القاعدة تقتضي ما ذكرناه .

   ثمّ إنّ المفاخرة إن اُخذ في عنوانها نفي الفضيلة عن المخاطب وإثبات منقصة ورذيلة عليه ، فلا ريب

في الحرمة ودخولها في صحيح علي بن جعفر ، وإن لم تستلزم ذلك ولا تمس كرامة أحد وإنّما يثبت

المحرم فضيلة لنفسه أو ينفي رذيلة عنها من دون تعريض لمؤمن آخر ومن دون أن يمس كرامة أحد من

المؤمنين ، فان لم يصدق عنوان المفاخرة على ذلك فهو ، وإن صدق عليه فلابدّ من إخراجه عن المفاخرة

الممنوعة في صحيح علي بن جعفر، لعدم احتمال حرمة هذا النحو من المفاخرة ، ويكون إطلاق

المفاخرة المذكورة في الصحيح غير شامل لهذا النوع من المفاخرة ، لأن رواية علي بن جعفر في مقام

تفسير الفسوق والخروج عن الجادة المستقيمة ، وهذا النوع من المفاخرة ليس من الفسوق ، فلا ينطبق

عليه عنوان الفسوق والخروج عن الحدود الشرعية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 7 : 341 .

ــ[432]ــ

   وبعبارة اُخرى : مجرّد الافتخار ما لم يستوجب منقصة على أحد من المؤمنين لا محذور فيه شرعاً ، فلا

يصدق عليه عنوان الفسوق .

   وأمّا بالنسبة إلى الكفّارة ، فالمعروف عدمها سوى الاستغفار ، بل ذكر صاحب الجواهر (قدس سره)

أ نّه لم يجد من ذكر للفسوق كفّارة ، بل قيل ظاهر الأصحاب لا كفّارة فيه سوى الاستغفار(1) .

   ولكن صاحب الوسائل ذهب إلى وجوب الكفّارة لقوله : باب أ نّه يجب على المحرم في تعمد

السباب والفسوق بقرة (2) .

   وذهب صاحب الحدائق إلى وجوب الكفّارة أيضاً عند اجتماع السباب والكذب ولا تجب عند

انفراد كل منهما عن الآخر (3) .

   وما ذكره المشهور هو الصحيح ، لصحيح الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال :

«قلت : أرأيت من ابتلي بالفسوق ما عليه ؟ قال : لم يجعل الله له حدّاً يستغفر الله ويلبي» (4) .

   ورواه الصدوق أيضاً بطريقه إلى محمّد بن مسلم والحلبي جميعاً (5) ، وطريق الصدوق إلى محمّد بن

مسلم وإن كان ضعيفاً ولكن طريقه إلى الحلبي صحيح .

   ثمّ إن صاحب الوسائل بعد ما روى الرواية الاُولى في الباب الثاني من أبواب بقيّة كفارات الاحرام

عن الكليني ، قال : ورواه الصدوق وابن إدريس كما مرّ ، وذكر المعلّق أيضاً ورواه الصدوق وابن

إدريس كما مرّ ، إلاّ أنّ الّذي مرّ في الباب الثاني والثلاثين من تروك الاحرام (6) ما رواه الصدوق عن

الحلبي ، ولكن لم يذكر منه كفّارة الفسوق .

   نعم ، كفّارة الفسوق مذكورة في صحيحة الحلبي كما في الفقيه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 20 : 425 .

(2) الوسائل 13 : 148 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 2 .

(3) الحدائق 15 : 460 .

(4) الوسائل 13 : 149 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 2 ح 2 .

(5) الفقيه 2 : 212 /  968 .

(6) الوسائل 12 : 464 /  أبواب تروك الاحرام ب 32 ح 2 .

ــ[433]ــ

   وبالجملة : هاتان الصحيحتان دلّتا على عدم الكفّارة للفسوق ، وصاحب الوسائل حملهما على

الجاهل، لما ثبت من عدم وجوب الكفّارة على غير المتعمد واختار وجوب الكفّارة على العامد ،

لصحيح سليمان بن خالد قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : ـ في حديث ـ وفي

السباب والفسوق بقرة» (1) .

   ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد وليس من الجمع العرفي بين الروايتين المتنافيتين ، لأن الظاهر من قول

السائل : من ابتلي بالفسوق ما عليه ؟ والظاهر من جواب الإمام (عليه السلام) : «لم يجعل الله له حدّاً

يستغفر الله» أ نّه لم يجعل في الشريعة المقدّسة لذلك حدّاً وشيئاً أصلاً ، لا أ نّه جعل له شيئاً ورفعه عند

الجهل خاصّة .

   وبعبارة اُخرى : ما ذكره صاحب الوسائل يبتني على أن تكون الكفّارة مجعولة عند الفسوق ولكن

الشارع رفعها عند الجهل ، والظاهر من الصحيحة أنّ الكفّارة غير مجعولة للفسوق أصلاً ، وأ نّها غير

ثابتة في الشريعة المقدّسة برأسها .

   وأمّا ما صنعه في الحدائق من أنّ الكفّارة ثابتة على الجمع بين السباب والكذب(2) ففيه : أنّ الظاهر

من الرواية ثبوت الكفّارة لكل من السباب والفسوق ، والمقام من باب ذكر العام بعد الخاص، وهذا

النحو من الاستعمال شائع في القرآن وغيره، فمن ذكر الخاص بعد العام قوله تعالى : (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ

وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)(3) ومن ذكر العام بعد الخاص قوله عزّ وجلّ : (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ

نَخِيل وَأَعْنَاب تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ا لاَْنْهَارُ  لَهُ  فِيهَا مِنْ  كُلِّ الثَّمَرَاتِ)(4) وقوله تعالى: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ

الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَا لاَْعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)(5) .

   وبالجملة : الفسوق عام ذكر بعد الخاص والظاهر من الرواية ثبوت الكفّارة لكل من السباب

والفسوق .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 148 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 2 ح 1 .

(2) الحدائق 15 : 460 .

(3) الرّحمن 55 : 68 .

(4) البقرة 2 : 266 .

(5) النّحل 16 : 11 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net