17 ـ الادهان 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1745


ــ[456]ــ


17 ـ  الإدهان

   مسألة 257 : لا يجوز للمحرم الإدهان ، ولو كان بما ليست فيه رائحة طيّبة ويستثنى من ذلك ما

كان لضرورة أو علاج (1)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

المحارم وعن الأجانب .

   (1) المشهور حرمة الادهان للمحرم ، وعن المفيد(1) وابن أبي عقيل(2) وأبي الصلاح(3)

وسلاّر(4) الجواز مع الكراهة ، للأصل ولبعض الروايات الّتي نتعرض إليها أثناء الكلام ، والصحيح

ما ذهب إليه المشهور ، لعدّة من الروايات المعتبرة الدالّة على المنع :

   منها : صحيح الحلبي الّذي جوّز الادهان حين [ إرادة ] الاحرام وحرّمه بعد الاحرام «وادهن بما

شئت من الدهن حين تريد أن تحرم ، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتّى تحل» (5) فلا مجال

للأصل بعد النص .

   أمّا الروايات الدالّة على الجواز فهي على طائفتين :

   الاُولى :  ما دلّ على جواز الادهان قبل الغسل وبعده ومعه ، ففي معتبرة ابن أبي يعفور «ما تقول

في دهنه بعد الغسل للاحرام ؟ فقال : قبل وبعد ومع ليس به بأس الحديث» (6) .

   ولكن هذه الروايات غير ناظرة إلى المحرم ، وإنّما تدل على جواز الادهان قبل الغسل وبعده ومعه ،

فموردها أجنبي عن المقام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقنعة : 432 .

(2) حكاه في المختلف 4 : 99 .

(3) الكافي في الفقه : 203 .

(4) المراسم : 106 .

(5) الوسائل 12 : 458 /  أبواب تروك الاحرام ب 29 ح 1 .

(6) الوسائل 12 : 461 /  أبواب تروك الاحرام ب 30 ح 6 .

ــ[457]ــ

   الثانية :  ما دلّ على جواز الادهان للعلاج والتداوي كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه

السلام) قال : «إذا خرج بالمحرم الخراج أو الدمل فليبطّه وليداوه بسمن أو زيت» كما في نسخة

التهذيب(1) وفي الكافي «فليربطه وليتداو بزيت أو سمن»(2) وفي صحيحة ابن مسلم «عن محرم

تشققت يداه ، قال فقال : يدهنها بزيت أو سمن أو إهالة» (3) إهالة : الشحم المذاب .

   ولايخفى أنّ الاستدلال بهذه الروايات ضعيف جدّاً ، لأن موردها العلاج والتداوي والضرورة ولا

مانع من الالتزام بذلك ، وكلامنا في مطلق الاستعمال ولو في غير حال العلاج ، فلا مجال لرفع اليد

عن الروايات المصرّحة بالمنع كصحيحة الحلبي المتقدِّمة وصحيح معاوية بن عمار وغيرهما من المعتبرات .

   إيقاظ :  ذهب المحقق في الشرائع في باب المحظور الثاني من كفارات الاحرام إلى وجوب الشاة جزماً

على من تطيب ، ثمّ ذكر بعد المحظور السابع أن من استعمل دهناً طيباً في إحرامه ولو في حال الضرورة

كان عليه شاة على قول (4) ، فيظهر منه التردد في المورد الثاني .

   أقول : لا ريب في حرمة استعمال الدهن الطيب لما دلّ من النصوص على حرمة الادهان ، وأمّا

الكفّارة فغير ثابتة عنده ، فيعلم منه (قدس سره) أنّ الادهان بالدهن الطيب ليس من استعمال الطيب

المتعارف المسمى في عرفنا بالعطور ، فانّ الطيب اسم لجسم خاص تكون فائدته الاشتمام والتطيب به ،

وليس مجرد وجود رائحة طيبة في جسم موجباً لدخوله في عنوان الطيب والعطور ، وإلاّ لكان أكثر

الأجسام الّتي لها رائحة طيبة داخلة في العطور كالسفرجل والتفاح والاُترنج ، ونحو ذلك ، وهذا باطل

قطعاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 5 : 304 /  1036 ، الوسائل 12 : 462 / أبواب تروك الاحرام ب 31 ح 1 .

(2) الكافي 4 : 359 /  6 .

(3) الوسائل 12 : 462 /  أبواب تروك الاحرام ب 31 ح 2 .

(4) الشرائع 1 : 341 ، 343 .

ــ[458]ــ

   فإذن يقع الكلام في تقييد الدهن بكونه طيباً في كلام المحقق فنقول :

   إنّ الدهن على قسمين : قسم لا يعد للأكل بل يتنفر منه الطبع ، وإنّما يستعمل للإسراج به أو

العلاج والتدليك به ونحو ذلك ، كدهن الخِرْوَع والدهون المتخذة من النفظ ، وقسم يعد للأكل وله

رائحة طيبة لطيفة كدهن الحر ودهن الزيت ، ونحو ذلك من الدهون المعدة للأكل الّتي يقبلها الطبع ،

ولكن مع ذلك لا يدخل بذلك في عنوان الطيب والعطور ، فالمراد بالدهن الطيب هو الّذي يستعمل

في الأكل ، ويشهد لما ذكرنا قوله (عليه السلام) : في صحيح معاوية بن عمار «إنّه يكره للمحرم

الادهان الطيبة إلاّ المضطر إلى الزيت أو شبهه يتداوى به» (1) فانّ الظاهر أنّ الاستثناء متصل ، فيكون

الزيت من الدهن الطيب ، فاطلاق الطيب على الزيت وشبهه باعتبار استعداده للأكل ، مع أ نّه لم يكن

من العطور .

   وإن كان المراد من كلامه الدهن الصادق عليه عنوان الطيب ، يعني استعمال الدهن الطيب ، أي

الدهن الّذي فيه رائحة طيبة ، فيسأل ما الوجه في تقييد الدهن بذلك ، مع أن خبر معاوية بن عمار

ذكر فيه دهن البنفسج (2) ، وليس من الطيب قطعاً ، بل المعروف عند عامّة الناس أنّ الدهن

المستعمل في العلاج كلّ ما فسد وصار عتيقاً كان للعلاج أفيد ، فدهن البنفسج إذا كان جديداً قد

تكون فيه رائحة طيبة ، وأمّا إذا صار عتيقاً وفسد يستعمل في التداوي فلا موجب لهذا التقييد ، فان لم

نلتزم برواية معاوية ابن عمار المقطوعة فالكفارة غير ثابتة على الاطلاق، ولو عملنا برواية معاوية بن

عمار فمقتضى الاحتياط الالتزام بالكفّارة على الاطلاق، سواء كان للدهن رائحة طيبة أم لا.

   فرع :  هل يجوز الادهان قبل الاحرام بحيث يبقى أثره بعد الاحرام ، أو أنّ المحرّم كون البدن مدهناً

حال الاحرام ، ولو بالادهان قبله ؟ .

   وبعبارة اُخرى : الممنوع المعنى المصدري والاحداث بعد الاحرام ، أو أنّ الممنوع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 12 : 444 /  أبواب تروك الاحرام ب 18 ح 8 .

(2) الوسائل 13 : 151 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 4 ح 5 .

ــ[459]ــ

   مسألة 258 : كفّارة الادهان شاة إذا كان عن علم وعمد ، وإذا كان عن جهل فاطعام فقير على

الأحوط في كليهما (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

الاسم المصدري ، وكون البدن مدهناً وإن كان الادهان قبل الاحرام ؟ تقدّم(1) في البحث عن الطيب

أنّ الممنوع هو كون البدن أو لباسه متطيباً ، فلا يجوز استعمال الطيب قبل الاحرام إذا يبقى أثره بعد

الاحرام ، ولذا تجب إزالته عن البدن أو الثوب إذا كان فيه الطيب ، فهل الادهان كذلك لا سيما إذا

كان الفصل قليلاً ، أم أنّ الممنوع مجرد إحداث الادهان بعد الاحرام ؟

   مقتضى إطلاق ما دلّ على جواز الادهان بعد الغسل هو الجواز حتّى فيما إذا يبقى أثره بعد الاحرام

، بل خصوص صحيح الحلبي يدل على الجواز بوضوح لقوله (عليه السلام) : «وادهن بما شئت من

الدهن حين تريد أن تحرم» (2) فانّ التدهين حين إرادة الاحرام يلازم بقاء أثره بعد الاحرام غالباً ، ولا

يزول أثر الدهن في هذا القدر من الزمان خصوصاً إذا كان الدهن غليظاً ، هذا ولكن في صحيح ابن

مسلم «وكان يكره الدهن الخاثر الّذي يبقى» (3) الخاثر : الثخين الغليظ الّذي استعمله قبل الغسل

وبعده ، إلاّ أ نّه لا بدّ من حمل هذه الكراهة على الكراهة المصطلحة المقابلة للحرمة ، لدلالة صحيح

الحلبي المتقدِّم على جواز ذلك صريحاً ، وقد عرفت أ نّه لا ينفك أثر الدهن بالتدهين بعد الغسل وحين

الاحرام ، بل يبقى الأثر طبعاً بعد الاحرام . وبالجملة : الممنوع هو الاحداث لا الابقاء .

   (1) هل في الادهان كفّارة ؟

   عن جماعة أ نّها دم شاة ، ومقتضى الأصل العدم ، ولا نص عن المعصوم (عليه السلام) في ذلك .

وما عن معاوية بن عمار من ثبوت الكفّارة فلم يعلم أ نّه رواية عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ فانّه لم يتقدّم سابقاً .

(2) الوسائل 12 : 458 /  أبواب تروك الاحرام ب 29 ح 1 .

(3) الوسائل 12 : 460 /  أبواب تروك الاحرام ب 30 ح 3 .

ــ[460]ــ

الإمام (عليه السلام) (1) .

   وقد عرفت غير مرّة أن مقتضى خبر علي بن جعفر «لكل شيء خرجت (جرحت) من حجك

فعليك دم تهريقه» ثبوت الكفّارة لكل مورد من موارد التروك ، كما قد عرفت ضعف الخبر سنداً

ودلالة(2).

   وقد يستدل كما في الجواهر لوجوب الكفّارة بخبر محمّد بن عمر بن يزيد الوارد(3) في تفسير قوله

تعالى : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَىً مِّنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك)(4) والنسك

دم شاة ، المستفاد منه ثبوت الكفّارة المخيرة بين هذه الاُمور الثلاثة لكل من عرض له أذىً أو وجع

فتعاطى وصدر منه ما لاينبغي للمحرم إذا كان صحيحاً ، وهذا عام يشمل جميع الموارد، فيدل الخبر

على أن كل ما لايجوز ارتكابه اختياراً إذا اضطرّ إليه جاز له ارتكابه لكن مع الكفّارة (5).

   وفيه أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف سنداً بمحمّد بن عمر بن يزيد فانّه لم يوثق .

   وثانياً بالجزم ببطلان مدلول هذه الرواية ، إذ لم ينسب إلى أحد من الفقهاء ثبوت الكفّارة في موارد

الخلاف بهذا النحو من الكفّارة المخيرة ، إلاّ في مورد حلق الرأس في المورد المذكور في الآية .

   وأمّا الآية الشريفة فأجنبية عن المقام بالمرّة فانّها واردة في المحصور لقوله تعالى : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا

اسْتَيْسَرَ مِنَ ا لْهَدْي ، وَلاَ تَحْلِقُوْا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَىً

مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك) فانّ الآية المباركة في مقام بيان أن من أحصر لا يحلق

رأسه حتّى يبلغ الهدي محلِّه ، فان كان مضطرّاً إلى حلق رأسه ولا يتمكّن من الصبر إلى بلوغ الهدي

محلِّه لأذى في رأسه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 151 /  أبواب بقية الكفّارات ب 4 ح 5 .

(2) في ص 407 ـ 408 .

(3) الوسائل 13 : 166 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب14 ح2 .

(4) البقرة 2 : 196 .

(5) الجواهر 20 : 430 .

 
 

ــ[461]ــ

أو لمرض آخر فليحلق رأسه قبل بلوغ الهدي محلِّه ، ولكن يكفّر بأحد الاُمور الثلاثة وهذه الكفّارة

الخاصّة المخيرة لم تثبت في غير هذا المورد ، وتعميمه لكل مورد لا ينبغي صدوره من المحرم ، ضعيف

جدّاً .

   وأمّا ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار «في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج

، قال : إن كان فعله يجهالة فعليه طعام مسكين ، وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه» (1) والدلالة

واضحة على ثبوت الكفّارة بالتفصيل المذكور .

   ولكن الّذي يهوّن الخطب أن مدلول الرواية لم يكن منقـولاً عن الإمام (عليه السلام) بل الظاهر

أن ذلك فتوى لمعاوية بن عمار ولم ينسبه إلى الإمام (عليه السلام) فتكون الرواية مقطوعة لا مضمرة .

ودعوى الجزم بأن معاوية بن عمار لا يفتي إلاّ بما سمعه عن الإمام (عليه السلام) ولا يخبر إلاّ عنه،

عهدتها على مدعيها، لاحتمال اجتهاده أو أ نّه سمع ممن ينقل عن الإمام (عليه السلام) ولم تثبت وثاقته

عندنا ، وعمل المشهور لو قلنا بجبره للخبر الضعيف لا يفيد في المقام ، إذ لم يعلم أ نّه رواية حتّى يجبرها

عمل المشهور .

   تنبيه :  أن جملة من الأصحاب قد التزموا بالكفّارة بدم شاة في العامد ، استناداً إلى رواية معاوية بن

عمار «وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه» (2) ولم يلتزموا بالكفّارة بطعام مسكين في صورة الجهل ،

إعراضاً عن جملة «وإن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين» لاشتمالها على وجوب الكفّارة على

الجاهل مع اتفاق الأصحاب والأخبار على أنّ الجاهل لا كفّارة عليه إلاّ في الصيد خاصّة كما تقدّم ،

فانّ الرواية مشتملة على أمرين : الشاة على العامد ، وطعام مسكين على الجاهل ، ولم يقل أحد بالثاني

.

   ولا يخفى أن موضوع الرواية وموردها هو المعذور ومن يستعمل الدهن للعلاج والتداوي ، فإذن لا

فرق بين العلم والجهل ، فانّ الادهان حينئذ جائز جزماً ، سواء قلنا بالكفّارة أم لا ، فليس في البين

حكم تشريعي تحريمي حتّى يقال بأنّ المحرم قد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 151 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 4 ح 5 ، التهذيب 5 : 304 / 

1038 .

(2) المتقدِّم مصدرها أعلاه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net