محل ذبح كفّارة غير الصيد في عمرة التمتّع والمفردة 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1446


   ويؤيّده خبر علي بن جعفر «لكل شيء خرجت (جرحت) من حجك فعليك دم تهريقه حيث
شئت»(1).

   وأمّا الثاني :  وهو العمرة المفردة ففي صحيحة منصور بن حازم حكم بالتخيير بين مكّة ومنى وإن

كان التعجيل بالذبح في مكّة أفضل قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن كفّارة العمرة المفردة

أين تكون ؟ فقال : بمكّة إلاّ أن يشاء صاحبها أن يؤخرها إلى منى ، ويجعلها بمكّة أحب إليّ

وأفضل»(2)  فالتخيير حسب هذه الصحيحة ثابت في مورد العمرة المفردة في غير كفّارة الصيد ، لما

عرفت في المسألة السابقة أن كفّارة الصيد للعمرة المفردة تذبح بمكّة .

   وأمّا الثالث :  وهو عمرة التمتّع ، ففي صحيحة معاوية بن عمار حكم بالتخيير أيضاً قال : «سألته

عن كفّارة المعتمر أين تكون ؟ قال : بمكّة إلاّ أن يؤخرها إلى الحجّ فتكون بمنى ، وتعجيلها أفضل

وأحب إليّ» (3) . وهي واضحة الدلالة على أن موردها عمرة التمتّع بقرينة قوله «يؤخرها إلى الحجّ

فتكون بمنى» فانّ المفردة لا حج فيها ، فيظهر من هذه الصحيحة وصحيحة منصور أنّ الحكم بالتخيير

ثابت لطبيعي العمرة ، فحال عمرة التمتّع حال العمرة المفردة في الحكم بالتخيير ، ولكن المشهور لم

يعملوا بالصحيحتين ولم يلتزموا بالتخيير ، بل حكموا بلزوم الذبح في مكّة نظير كفّارة الصيد ، إلاّ أ نّه

لا موجب لسقوطهما عن الحجية بعد صحّة السند ووضوح الدلالة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 158 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 8 ح 5 .

(2) الوسائل 13 : 96 /  أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 4 .

(3) الوسائل 14 : 89 /  أبواب الذبح ب 4 ح 4 .

ــ[530]ــ

   يبقى الكلام في النسبة بين صحيحتي منصور ومعاوية بن عمار وبين موثقة إسحاق المتقدِّمة (1) ،

والظاهر تقدّم الموثقة على الصحيحين ، والنتيجة جواز الذبح في أيّ مكان شاء وإن أتى بموجب

الكفّارة في العمرتين ، بيان ذلك :

   إن موثق إسحاق وإن ذكر فيه الحجّ ولكن الظاهر أنّ السائل لا نظر له إلى خصوص الحجّ في مقابل

العمرة ، بل نظره إلى ما يرتكبه المحرم من المحرمات في مناسكه ، سواء كان في العمرة أو الحجّ فانّ

الظاهر من قوله : «يخرج من حجه» الخروج من أعماله ومناسكه وقد ارتكب محرماً ، فكلام السائل

في الحقيقة مطلق من حيث الحجّ والعمرة ، كما أ نّه مطلق من حيث سبب الدم ، فعلى ذلك لا بدّ من

تقديم الموثق على الصحيحين .

   وبعبارة اُخرى : السائل يسأل عن الاجزاء والاكتفاء بالذبح في أيّ مكان شاء بمعنى أنّ التخيير بين

مكّة ومنى المستفاد من الصحيحين هل يكتفى ويجتزأ به بالذبح في أيّ مكان شاء ، فيكون الموثق ناظراً

إلى الصحيحين وحاكماً عليهما ، وكذلك الحال بالنسبة إلى العمرة المفردة لأن المتفاهم ثبوت الحكم

لطبيعي العمرة ولا خصوصية لعمرة التمتّع .

   ومما يؤكّد ما ذكرناه ذيل موثقة إسحاق على ما في الكافي قال إسحاق : «وقلت لأبي إبراهيم (عليه

السلام) : الرجل يخرج من حجته ما يجب عليه الدم ولا يهريقه حتّى يرجع إلى أهله ؟ فقال : يهريقه في

أهله» (2) فان قوله : «ولا يهريقه» يوجب الاطمئنان بأن إسحاق كان يعلم بلزوم إهراق الدم في

مكّة أو منى ولكن لم يفعل ، ثمّ يسأل عن الاجتزاء والاكتفاء بالاهراق في أهله .

   وبعبارة اُخرى: كان يعلم بالوجوب ولكن يسأل عن أ نّه واجب تعييني أو تخييري هذا مضافاً إلى أنّ

المشهور أعرضوا عن الصحيحتين فما ذكره السيِّد في المدارك من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 527 .

(2) الوسائل 14 : 91 /  أبواب الذبح ب 5 ح 1 ، الكافي 4 : 488 /  4 .

ــ[531]ــ

جواز الذبح حيث شاء لعدم مساعدة الأدلّة على تعيين موضع خاص للذبح (1) هو الصحيح ،

ويؤيّده مرسلة أحمد بن محمّد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «من وجب عليه هدي في إحرامه فله

أن ينحره حيث شاء إلاّ فداء الصيد» (2) ولكنّه ضعيف بالارسال وبسهل بن زياد ، ولذا جعلناه

مؤيّداً .

   هذا كلّه بالنسبة إلى موثقة إسحاق بناءً على نسخة التهذيب (3) ، وأمّا بناءً على نسخة الكافي فقد

ذكر في الوافي أنّ الثابت في الرواية «يجرح» بالجيم قبل المهملتين بمعنى يكسـب (4) وقد صحّفه

بعض النسّـاخ ، فعلى ما ذكـره الوافي تكـون الموثقـة خاصّة بالحج ، إذ السؤال يكون عمن

ارتكب ما يوجب الدم في حجّته ، ولا يستفاد من ذلك ما استفدناه من قوله : «يخرج من حجّته» من

الخروج من مناسكه وأعماله الشامل للعمرة أيضاً ، فلا دليل على جواز تأخير الذبح إلى أهله في العمرة

إلاّ بأحد دعويين :

   أحدهما : إطلاق الحجّ على العمرة ، فانّ الحجّ له إطلاقان ، فانّه قد يطلق ويراد به خصوص الحجّ

المقابل للعمرة ، وقد يطلق ويراد به مجموع الحجّ والعمرة ، وسؤال السائل متمحض في التأخير

والاكتفاء به ولا نظر له إلى خصوص الحجّ أو العمرة ، بل نظره إلى أن من كان عليه الدم ولم يفعله

فهل يجتزي بأن يفعله في أهله وفي أيّ مكان شاء أم لا .

   ثانيهما :  أن جواز التأخير إذا ثبت في الحجّ يثبت في العمرة بطريق أولى ، لأهمية الحجّ من العمرة ،

وكلا الدعويين غير بعيد .

   وأمّا ما ذكره الوافي من أنّ الثابت «يجرح» بالجيم والحاء المهملة فهو اجتهاد منه ولا شاهد عليه ،

فان نسخ الكافي حتّى النسخة الّتي كانت موجودة عند صاحب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 8 : 405 .

(2) الوسائل 13 : 96 /  أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 3 .

(3) التهذيب 5 : 481 /  1712 .

(4) الوافي 13 : 773 /  13134 .

ــ[532]ــ

الوافي هي بالخاء المعجمة ثمّ الجيم ، بمعنى الخروج ، بل لم يستعمل الجرح في مطلق الكسب ، وإنّما

يراد به كسب خاص وهو الكسب الّذي فيه منقصة مجازاً ، باعتبار أنّ الجرح النفساني كالجرح

الجسماني ، ومن المجاز جرحه بلسانه اي سبه ، ومنه قوله تعالى (اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ)(1) أي كسبوا ما

يوجب منقصتهم ، وإتيان موجبات الكفّارة ليس كلّها مما يوجب المنقصة كالتظليل اضطراراً والصيد

خطأ .

   وكيف كان ، لم يثبت أنّ النسخة الصحيحة «يجرح» ولو كان «يجرح» ثابتاً لكان المناسب أن يقول

«في حجّه» لا «من حجته» فان حرف «من» يناسب الخروج لا الجرح ، كما أنّ الروايات الواردة في

باب من يحجّ عن غيره وردت كلمة الجرح مع «في» ففي موثقة إسحاق «في الرجل يحجّ عن آخر

فاجترح في حجّه» (2) فنسخة الشيخ لا معارض لها ونعتمد عليها .

   ولو تنزلنا عن ذلك كلّه يكفينا في بطلان مذهب المشهور نفس الروايات الواردة في كفّارة الصيد

الدالّة على التفصيل بين الذبح في مكّة أو منى ، فان دلالتها على وجوب ذبح الفداء المترتب على

الصيد في مكّة أو منى بالقضية الشرطية ، كقوله في صحيح زرارة «في المحرم إذا أصاب صيداً فوجب

عليه الفداء فعليه أن ينحره إن كان في الحجّ بمنى» الحديث . وفي صحيح ابن سنان «من وجب عليه

فداء صيد أصابه وهو محرم، فان كان حاجاً نحر هديه الّذي يجب عليه بمنى» الحديث(3) وبالمفهوم يدل

على أنّ الفداء غير المترتب على الصيد لا يثبت له هذا الحكم فلا يجب ذبح فداء غير الصيد في مكّة

أو منى .

 بقي هنا شيء :  وهو أنّ الصحيحة الواردة في العمرة المفردة وهي صحيحة منصور ابن حازم المتقدِّمة

(4) لا تخلو من اضطراب في المتن ، لأنّ العمرة المفردة ليس فيها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجاثية 45 : 21 .

(2) الوسائل 11 : 185 /  أبواب النيابة ب 15 ح 2 .

(3) الوسائل 13 : 95 /  أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 2 ، 1 .

(4) في ص 529 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net