ــ[205]ــ
وعلى التعدّد يقدم ما تقدم سببه((1)) (1) إلاّ إذا كانت إحدى العدّتين بوضع الحمل ، فتقدم وإن كان سببها متأخراً ، لعدم إمكان التأخير حينئذ (2) .
ولو كانت المتقدمة عدّة وطء الشبهة ، والمتأخرة عدّة الطلاق الرجعي ، فهل يجوز الرجوع قبل مجيء زمان عدّته ؟ وهل ترث الزوج إذا مات قبله في زمان عدّة وطء الشبهة ؟ وجهان ، بل قولان ، لا يخلو الأوّل منهما من قوة (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكليني (قدس سره) .
إذن فهذه الرواية لا تصلح لإثبات عدم التداخل في المقام ، وعليه فلا بدّ من الرجوع إلى القاعدة وقد عرفت أنها إنّما تقتضي التداخل .
وبالجملة : فالذي يتحصل مما تقدم كلّه أنّ مقتضى ملاحظة النصوص والقاعدة في المقام ، هو الالتزام بالتداخل في فروض ثلاثة من فروض المسألة الأربعة ، وهي ما لو دخلت عدّة وطء الشبهة على عدّة الطلاق ، أو دخلت عدّة الطلاق على عدّة وطء الشبهة ، أو دخلت عدّة الوفاة على عدّة وطء الشبهة ، والالتزام في فرض واحد خاصّة ـ هو دخول عدّة وطء الشبهة على عدّة الوفاة ـ بعدم التداخل ولزوم التعدّد .
(1) أما تقديم عدّة الوفاة على عدّة وطء الشبهة فيما إذا دخلت الثانية على الاُولى فقد صرح به في بعض من النصوص المتقدمة . وأما تقديم غيرها مما تقدم سببه ، فهو وإن لم يرد فيه نص إلاّ أنّ الأمر فيه واضح ، فإنّ رفع اليد عن السبب الأوّل والانتقال إلى الثاني يحتاج إلى الدليل وهو مفقود .
وبعبارة اُخرى : إنّ المرأة بالوطء شبهة تدخل في العدّة ، فيجب عليها عدّ الأيام المعلومة وإتمامها . ومن هنا فإذا فرض تحقق سبب آخر للاعتداد ، فرفع اليد عن العدّة الاُولى التي وجب عليها إتمامها يحتاج إلى الدليل ، وبدونه يكون ذلك مما لا مبرر له .
(2) فيكون عدم إمكان التأخير ـ بعد فرض لزوم التعدّد ـ بنفسه دليلاً على تقديم ما سببه متأخر ، وتأخير ما سببه مقدم .
(3) وهو بناءً على ما اخترناه في الطلاق الرجعي ـ من أ نّه لا يوجب البينونة بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد عرفت أ نّه لا تعدّد إلاّ فيما إذا كان الوطء بشبهة في عدّة الوفاة ، ولا بدّ فيه من إتمام عدّة الوفاة أوّلاً ثمّ الاعتادد بعدّة الوطء بالشبهة .
ــ[206]ــ
ولو كانت المتأخرة عدّة الطلاق البائن ، فهل يجوز تزويج المطلق لها في زمان عدّة الوطء قبل مجيء زمان عدّة الطلاق ؟ وجهان ، لا يبعد الجواز((1)) (1) بناءً على أنّ الممنوع في عدّة وطء الشبهة وطء الزوج لها لا سائر الاستمتاعات بها كما هو الأظهر (2) .
ولو قلنا بعدم جواز التزويج حينئذ للمطلق ، فيحتمل كونه موجباً للحرمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزوج وزوجته من حين إنشاء الطلاق ، وإنّما هي مشروطة بشرط متأخر هو انقضاء العدّة ، نظير ما يذكر في اشتراط القبض في بيع الصرف ـ واضح ، فإنّها حينئذ زوجة حقيقة ، فله الرجوع قبل مجيء زمان عدتها ، كما ترثه لو مات في ذلك الوقت .
وأما بناءً على ما ذهب إليه المشهور ـ من حصول البينونة بينهما من حين الإنشاء غاية الأمر أنّ للزوج الرجوع في زمان العدّة ، نظير حق الفسخ في المعاملات ـ فقد يتخيّل أ نّه ليس للزوج الرجوع ، وأنّ المرأة لا ترثه لو مات .
إلاّ أ نّه باطل ، وذلك أما بالنسبة إلى جواز الرجوع فالأمر واضح ، فإنّ موضوع جواز الرجوع في النصوص إنّما هو عنوان (ما لم تنقض العدّة) ومن الواضح أنّ هذا العنوان صادق عليها ، سواء أ كانت في عدّة وطء الشبهة أم في عدّة الطلاق ، فإنّها لم تنقض عدّتها بل هي معتدّة من الطلاق بالفعل وإن كان زمانها متأخراً .
وأما بالنسبة إلى الإرث فالروايات وإن دلّ بعضها على أن الموضوع فيه هو (ما دامت في العدّة) ، ومن هنا فقد يقال بعدم إرثها لعدم تحقق الموضوع ، إلاّ أنّ في قبال هذه النصوص جملة من الأخبار المعتبرة على أنّ الموضوع فيه هو (ما لم تنقض عدتها) وحيث إنّ هذا العنوان متحقق في حقها ، فإنه يصدق عليها أنها لم تنقض عدّتها ـ على ما تقدم بيانه ـ فلا بدّ من الحكم بإرثها منه لو مات في تلك الفترة .
ومنه يتضح اتحاد موضوع جواز الرجوع والإرث .
(1) بل هو بعيد على ما سيأتي توضيحه .
(2) والوجه فيه أنّ الاعتداد بالنسبة إلى غير الزوج إنّما هو عبارة عن التربص والترقب وزجر النفس عن التزويج ، ويترتب على ذلك عدم جواز استمتاع الرجل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بل هو بعيد ، ولا يبعد جريان حكم التزويج في العدّة عليه .
ــ[207]ــ
بها بأي نحو من أنحاء الاستمتاعات ، بإعتبار كونها أجنبية بالقياس إليه .
وأما بالنسبة إلى الزوج فليس الاعتداد بمعنى عدم التزويج منها فإنها زوجته حقيقة ـ بحسب الفرض ـ فلا معنى للنهي عن التزوج بها ، وإنّما هو بمعنى الامتناع عن وطئها ومقاربتها كما هو واضح . ومن هنا فإنّ الزوج إنّما هو ممنوع بمقتضى أدلة لزوم الاعتداد من الوطء شبهة من وطئها ، أما سائر الاستمتاعات فلم يدلّ أي دليل على منعه منها ، فيجوز له الاستمتاع بها بجميع أشكاله ما عدا الوطء .
وبالجملة فإنّ العدّة بالقياس إلى الزوج تختلف عنها بالقياس إلى غيره ، فإنها بالنسبة إليه إنّما هي بمعنى لزوم ترك وطئها في تلك الفترة خاصة ، في حين إنّ معناها بالنسبة إلى غيره هو التربص بنفسها في أيام معدودة والامتناع فيها عن التزوج، الذي يكون من آثاره عدم جواز الاستمتاع بها في تلك الفترة .
وهذا هو المتفاهم عرفاً من كلمة العدّة ، ويمكن التمسك لإثبات ذلك بصحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها : «إنّما يستبرئ رحمها بثلاثة قروء وتحلّ للناس كلّهم» . فإنّ من الواضح أنّ استبراء الرحم من ماء الواطئ شبهة إنّما يتحقق بترك وطئها خاصة ، وأما سائر الاستمتاعات فلا تأثير لها في استبراء الرحم وعدمه . ومن هنا فإذا فرضنا أنّ الزوج لم يطلقها ، كان الواجب عليه الامتناع عن وطئها خاصة في تلك الفترة ، وأما سائر الاستمتاعات فلا دليل على منعه منها .
والحاصل : أنّ الذي يمنع منه الزوج عند اعتداد زوجته من الوطء شبهة إنّما هو وطؤها خاصة ، وأما سائر الاستمتاعات الجنسية من النظر واللمس وغيرهما فلا .
لكن من غير الخفي أنّ هذا كلّه لا يصلح أساساً للحكم بالجواز في المقام ، فإنّ جواز النكاح لا يتوقف على إثبات جواز الاستمتاع بالزوجة في عدّة وطء الشبهة بحيث لو لم نقل بجواز الاستمتاع بها لكان الالتزام بعدم جواز التزوج منها متعيناً ـ على ما هو ظاهر عبارة الماتن (قدس سره) ـ بل الزواج صحيح بناءً على الالتزام به للانصراف أو غيره ، سواء أقلنا بجواز الاستمتاع بها أم لم نقل ، فإنّ صحته لا تتوقف على جواز الاستمتاع ولو بغير الوطء .
ولو فرضنا أنّا تنزلنا وقلنا باعتبار جواز استمتاعه منها شيئاً ما ، فإنّما هو بالقياس إلى جميع الأزمنة لا زمان معيّن . وعليه فلا ينافي صحة النكاح عدم جواز استمتاعه
ــ[208]ــ
الأبديّة أيضاً ، لصدق التزويج في عدّة الغير . لكنه بعيد ، لانصراف أخبار التحريم المؤبد عن هذه الصورة (1) . ــــــــــــــــــــ
منها في فترة خاصة ، فإنّ الزواج أمر اعتباري أجنبي عن جواز الاستمتاع .
إذن فالمتحصل مما تقدم أنه لا وجه لبناء جواز النكاح ثبوتاً وعدماً على جواز الاستمتاع بها وعدمه ، كما هو ظاهر المتن .
(1) دعوى الانصراف هذه لا تخلو من مجازفة ، فإنّه لم يظهر لنا وجهه بعد أن كانت نصوص الحرمة الأبدية مطلقة ، فإنها بالطلاق البائن تصبح أجنبية على حد سائر الاجنبيات ، وحيث إنّها ذات عدّة فيكون التزوج منها مشمولاً لأحكام التزوج بذات العدّة ، لصدق العنوان عليه .
ولذا فلو فرض أنه لا عدّة عليها من الطلاق ـ كما لو كانت غير مدخول بها ـ لم يحتمل جواز التزوج بها في عدّة وطء الشبهة ، باعتبار انصراف الأخبار عما لو كانت مسبوقة بالزوجية ، فإنّ ذلك إنما يكشف عن عدم تمامية دعوى الانصراف .
والحاصل أ نّه لا فرق في صدق التزوج بذات العدّة ، الموجب لترتب الأحكام الخاصة عليه في عدّة وطء الشبهة ، بين كونها مسبوقة بالزوجية وعدمه .
إذن فالصحيح في المقام هو الالتزام بعدم جواز التزوج منها حالها حال سائر ذوات العدّة .
|