الأقوال في الكشف - الردّ على مختار المصنف 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2918


   وأما الكشف الانقلابي ، بمعنى انقلاب العقد بعد الإجازة وثبوت الجواز من السابق ، فهو ـ مضافاً إلى أنه لا دليل عليه ـ غير معقول في نفسه ، لأن الشيء لا ينقلب عما وقع عليه والزمان المعدوم لا يمكن إيجاده ثانياً ، بلا فرق بين الاُمور التكوينية والاُمور الاعتبارية ، فإنه محال فيهما معاً .

   ومن هنا فيتعين القول بالكشف الحكمي ، فيحكم بنفوذ العقد من حينه من الآن .

   ولتوضيحه نقول : إنّ الشيء قد يكون موجوداً بالوجود الحقيقي الذي لا يختلف باختلاف الأنظار ، وقد يكون موجوداً بالوجود الاعتباري ، كالأحكام الوضعية والتكليفية . والأوّل ينقسم إلى قسمين : فإن الموجود بالوجود الحقيقي قد يكون موجوداً في الخارج كالأعيان ، وقد يكون موجوداً في النفس خاصة كمتعلق العلم فإنه موجود حقيقة غير إنّ وعاء وجوده إنما هو النفس دون الخارج .

   والفرق بين الوجود الاعتباري والوجود الذهني هو أن الأوّل موجود في الخارج فإنه يتعلق بما هو موجود في الخارج لكن بالوجود الفرضي . في حين أنّ الثاني لا وجود له في الخارج ، بل ينحصر وجوده في الذهن خاصة ، فإنّ العلم لا يتعلق بما هو في الخارج ، وإنما يتعلق بصورته الحاضرة في الذهن ، كما هو واضح .

   وأما الفرق بينهما وبين الوجود الخارجي الحقيقي ، فهو كامن في أن الثاني لا ينفك عن الموجود في الخارج إلاّ بالاعتبار ، فإذا كان الوجود موجوداً فالماهية موجودة أيضاً ، كما أنه لو كانت الماهية موجودة كان الوجود موجوداً لا محالة . وهذا بخلاف الوجود الذهني والوجود الاعتباري ، فإنهما من الممكن أن يتعلقا بأمر سابق كموت زيد قبل شهر ، أو بأمر متأخر كطلوع الشمس غداً .

   وإن كان التعبير بتعلق الوجود الذهني بالأمر السابق أو اللاحق لا يخلو من مسامحة ، باعتبار أنه إنما يتعلق بالصورة الذهنية وهي موجودة بالفعل، غاية الأمر أن الصورة صورة لأمر متقدِّم أو متأخِّر ، لكنّه مع ذلك يعبر بما تقدّم ، فيقال إنّ العلم متعلِّق بمتقدِّم أو متأخِّر . وهذا بخلاف الاعتبار ، حيث إنه يتعلّق بالمتقدِّم أو المتأخِّر

ــ[23]ــ

حقيقة ، فيبيع المالك داره من قبل شهر أو بعد شهر ، من دون أن يكون في تعلقه بهما أي محذور .

   نعم ، إنهما غير ممضيين شرعاً ، لعدم جواز التعليق في البيع أو غيره ، غير إنّ ذلك لا يعني عدم صحّة تعلقه بهما .

   إذا اتضح ذلك يظهر أنه لا مانع في المقام من تعلق الاعتبار ـ الإجازة ـ بالملكية السابقة من الآن ، فإنه من الاعتبار المتعلِّق بالأمر المتقدم ، وقد عرفت أنه لا مانع منه ، لكن لا على نحو الانقلاب أو الشرط المتأخِّر ، فيحكم بالصحّة حينئذ نظير تعلّقه بالأمر المتأخر ، كما هو الحال في متعلِّق الاعتبار في التدبير والوصيّة ، حيث إن متعلقه إنما هو الحرية والملكية بعد موت المالك .

   وبعبارة اُخرى : إنّ الاُمور الاعتبارية قوامها باعتبار من بيده الأمر ، وليس لها واقع سوى الجعل والاعتبار وهو أمر خفيف المؤنة ، فيصح تعلقه بأمر متقدِّم أو متأخِّر على حدّ جواز تعلّقه بأمر موجود بالفعل ، وعليه فإذا اعتبر من بيده الأمر ترتّب عليه آثاره لا محالة .

   ومن هنا فإذا كان هذا النوع من الاعتبار ممكناً في نفسه ، كان مقتضى أدلّة صحّة العقد الفضولي والأدلة الخاصة هو صحته ، باعتبار أن الإجازة إذا تعلقت بما اُنشئَ سابقاً استند ذلك المنشأ من حين الإجازة إلى المجيز ، بمعنى أن العقد الواقع قبل سنة مثلاً يستند إليه من حين الإجازة ، وبذلك فتشمله أدلة نفوذ العقد ، ويكون مقتضاها الحكم من الآن بصحّة العقد السابق من حينه .

   هذا مضافاً إلى دلالة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة : «وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل» وقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدِّمة أيضاً : «اثبت على نكاحك الأوّل» على ذلك ، باعتبار أن ظاهرهما الحكم بصحّة النكاح الأوّل من الآن .

   وممّا يدلّ على أن الملكية ونحوها من الاُمور الاعتبارية ليست من الأعراض الخارجية ولا واقع لها سوى الاعتبار ، أنها تتعلق بالكلي كما هو الحال في موارد بيع الكلي ، مع أنه غير قابل لأن يكون معروضاً لعرض خارجي .

ــ[24]ــ

   وتتعلق بالمعدوم كما هو الحال في تعاقب الأيدي ، فإن المالك إذا رجع على أحدهم بعد تلف العين كان له الرجوع على من بعده ، وهكذا إلى أن يستقر الضمان على من تلفت العين عنده ، ومن الواضح أن ذلك ليس إلاّ لتملك من رجع عليه المالك للعين التالفة بعد دفع بدلها ، فيكون مالكاً للمعدوم ، ومن هنا يصح له الرجوع على من بعده . بل إن من الممكن إنشاء الملكية للمعدومين وتمليكهم من حين الإنشاء ، كما هو الحال في الوقف الذري والوصيّة بالنسبة إلى البطون المتأخرة وغير الموجودة حين الإنشاء ، فإنّ إنشاء الملكية متحقق من الآن في حين أنّ المالك معدوم .

   وبالجملة فليست الملكية عرضاً خارجياً تحتاج في قيامها إلى موضوع خارجي ، بل هي وجود في مقابل الوجودات الخارجية والوجودات الذهنية ، على ما تقدّم بيانه .

   إذن فلا محيص بمقتضى ظهورات الأدلة عن الالتزام بما ذكرناه من الكشف الحكمي ، فيقال : إنّ العقد بعد الإجازة يكون صحيحاً من الأوّل ، بمعنى اعتبار المرأة من حين الإجازة زوجة للرجل من حين وقوع العقد .

   هذا وقد يورد على ما اخترناه بوجهين :

   الأوّل : إنّ العبرة في التضاد لما كانت بزمان المعتبر لا زمان الاعتبار ، لم يعقل أن يكون المبيع في البيع الفضولي ملكاً لمالكه قبل الإجازة وملكاً للمشتري بعدها في زمان واحد ـ وأعني زمان صدور العقد ـ وإن كان الاعتبار في زمانين . وعلى هذا الأساس كان امتناع ثبوت حكمين مختلفين ـ الوجوب والحرمة ـ للخروج من الدار المغصوبة ، فإنه لا يعقل أن يحكم بحرمة ذلك التصرف حال الدخول ثمّ يحكم بوجوبه حين الخروج ، فإن الفعل الواحد لا يتصف بلحاظ زمان واحد إلاّ بأحدهما ، وأما اتصافه بهما معاً فهو ممتنع حتى ولو كان زمان الاعتبارين مختلفاً .

   وفيه : إنه إنما يتم في الأحكام الشرعية التكليفية ، باعتبار أنها إنما تنشأ من المصالح أو المفاسد الكامنة في متعلقاتها ، فإنه يمتنع أن يكون الشيء الواحد محبوباً ومبغوضاً في زمان واحد حتى وإن اختلف زمان الحكم . ومن هنا حكمنا بعدم جواز اجتماع الوجوب والحرمة للخروج من الدار المغصوبة ، فإنه لا يمكن أن يكون محبوباً

ــ[25]ــ

ومبغوضاً في آن واحد .

   وأما بالنسبة إلى الأحكام الوضعية الاعتبارية فلا يتم ما ذكر ، حيث تكون المصلحة في نفس الاعتبار ، فإنه لا مانع من الاعتبارين إذا اختلف زمانهما . فيعتبر في يوم السبت ـ مثلاً ـ ملكية زيد لشيء معين في يوم الاثنين ، ثمّ يعتبر في يوم الأحد ملكية عمرو لذلك الشيء في يوم الاثنين أيضاً ، من دون أي محذور فيه ما دامت المصلحة قائمة في الاعتبار . بل لو لم يكن هناك تناف في الأثر ، لقلنا بجواز اعتبار ملكية شيء واحد لشخصين على نحو الاستقلال في زمان واحد .

   الثاني : إنّ ما ذكر إنما يتمّ في الأحكام المجعولة على نحو القضايا الخارجية ، ولا يتم في الاعتبارات المجعولة بنحو القضايا الحقيقية ، لأن هذه الاعتبارات موجودة بأجمعها في آن واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة . وحيث إنّ الاعتبارات الشرعية من هذا القبيل ، فلازم القول بالكشف بالمعنى الذي ذكر ـ أعني اعتبار الملكية للمالك قبل الإجازة واعتبارها للمشتري بعدها من حين صدور العقد ـ هو اجتماع هذين الاعتبارين في زمان واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة ، وهو محال .

   وفيه : أن الأنشاء في هذه الاعتبارات وإن كان أزلياً وثابتاً مع بدء الشريعة المقدّسة ، إلاّ أن فعليتها إنما تكون بعد تحقّق موضوعاتها في الخارج ، إذ قبله لا يتجاوز الاعتبار مرحلة الإنشاء . ومن هنا فحيث إنّ أحد الاعتبارين كانت فعليته قبل الإجازة ، في حين إنّ فعلية الاعتبار الثاني ـ وهو اعتبار الملكية للمشتري ـ إنشائي محض يتوقف بلوغه مرحلة الفعلية على إجازة المالك ، فلا يكون هناك أي تناف بين هذين الاعتبارين .

   ثمّ إنّ الكشف الحكمي بالمعنى الذي اخترناه غير الكشف الحكمي الذي ذهب إليه شيخنا الأعظم (قدس سره) . والفرق بينهما يكمن في أنه (قدس سره) يرى اتحاد زمان الاعتبار والمعتبر، بمعنى كونهما معاً بعد الإجازة، غاية الأمر أنّ الآثار إنما تترتب من حين العقد. في حين إنا نرى اختلاف زمانهما، فإن الاعتبار إنما يكون حين الإجازة، وأما المعتبر فهو متقدم عليه وثابت حين العقد . فإنّ ما ذهب إليه (قدس سره) خلاف ظاهر الأدلة ، ولا دليل يساعد عليه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net