التحقيق في شرط العقود - تزوج الحرّ مملوكة غيره 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1826


   وأمّا إن كان في ضمن عقد التزويج ، فمبنيّ على فساد العقد بفساد الشرط وعدمه ، والأقوى عدمه (2) . ويحتمل الفساد وإن لم نقل به في سائر العقود إذا كان من له الشرط جاهلاً بفساده ، لأنّ في سائر العقود يمكن جبر تخلّف شرطه ((1))

ــــــــــــــــــــــــــــــ
   (2) باعتبار أن الشرط أجنبي عن العقد ولا يوجب تقييده بوجه ، فلا مجال لأنّ يقال : إنّ المنشأ لما كان هو المقيد كان فاسداً بفساد القيد ، إذ الدليل على الصحّة منحصر بعموماتها ، كقوله تعالى : (أوفوا بالعقود)(2) . فإذا لم يمض المقيد شرعاً لفساد القيد ، وغير المقيد لم ينشأ ، فلا محيص عن الحكم بفساده .

   وذلك لما ذكرناه في محلِّه من أن الشروط في باب العقود لا تكون قيداً لها ، ولا يكون العقد مقيداً بالشرط كي يكون فساد الشرط موجباً لفساد العقد نفسه ، فإنّ للشرط في باب العقود معنى غير ما يذكر في الفلسفة أو في باب الأحكام ، حيث يفسر في الأوّل بجزء العلة وفي الثاني بالقيد للموضوع أو متعلق الحكم ، وقد تقدّم ذلك مفصلاً .

   وملخصه أنّ معنى الشرط في العقد لا يخلو من أحد معنيين على نحو منع الخلو ـ فإنهما قد يجتمعان ـ وهما :

   أوّلاً : تعليق العقد على التزام الطرف الآخر بشيء ، بحيث يكون المنشأ هو الحصة المقيدة بالتزام الطرف الآخر . وهذا المعنى يرد في الشروط التي تذكر في التزويج وغيره من العقود والإيقاعات التي لا تقبل التزلزل والخيار ، فإنّ فيها لا بدّ من تفسير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرط الفاسد لا يوجب الخيار في سائر العقود أيضاً .

(2) المائدة 5 : 1 .

ــ[74]ــ

الشرط بهذا المعنى ـ أعني تعليق المنشأ على التزام الآخر ـ إذ المورد غير قابل للمعنى الآخر الذي نذكره للشرط ، ومن هنا فلا محالة يكون نفس الالتزام قيداً للمنشأ دون الملتزم به . فلو قالت المرأة : زوجتك نفسي على أن لا تخرجني من هذا البلد ـ مثلاً ـ فقبل الرجل أصل الزواج من دون التزام بالشرط ، بطل العقد ، لأن ما أنشأته المرأة إنما هي الزوجية المقيدة بالالتزام ، فإذا لم يلتزم الزوج بذلك انتفى المقيد كلياً وحكم ببطلان العقد ، لعدم تحقق ما علق الإنشاء عليه .

   وقد عرفت في محله أنّ مثل هذا التعليق لا يضرّ بصحّة العقد ، لكونه تعليقاً على أمر حاصل ومعلوم بالفعل . نعم ، لو فرضنا تعليق الزوجية على نفس السكنى في البلد المعين دون الالتزام به ، لكان من التعليق الباطل .

   ثانياً : تعليق الالتزام بالعقد على تحقق المشروط في الخارج ووجوده . وهذا المعنى يرد فيما إذا كان المشروط أمراً خارجاً عن إرادة المشروط عليه واختياره ، كما هو الحال في اشتراط الكتابة في العبد عند شرائه ، فإنّ مثل هذه الشروط لا يمكن أن يرجع إلى المعنى الأوّل ، إذ ليس للمشروط عليه الالتزام بما هو خارج عن اختياره فالعقـد غير معلق على شيء وإنما المعلّق هو الالتزام بالعقـد ، بحيث لو لم يوجد فلا التزام للشارط بالعقد وله رفع اليد عنه ، وهو ما يعبّر عنه بالخيار .

   هذا وقد يجتمع المعنيان في عقد واحد ، كما لو اشترى قماشاً واشترط على البائع أن يخيطه . فإنّ أصل العقد معلق على التزام البائع بالخياطة ، كما أن التزامه بالعقد معلق على تحقّق الخياطة في الخارج ، فيكون المورد مجمعاً لكلا المعنيين .

   إذا عرفت هذا كله يتضح لك أنّ فساد الشرط لا يوجب فساد العقد . إذ على المعنى الأوّل يكون العقد مقيداً بالالتزام ، والمفروض أنه قد تحقق من قبل الطرف الآخر ، فلا وجه للقول بفساد إنشاء العقد . وعلى المعنى الثاني فالعقد أجنبي عن جعل الخيار للشارط وإن كان الأوّل ظرفاً للثاني ، بمعنى أنه إنما يجعل في ضمن الأوّل .

   وعليه فإذا فرض فساد الثاني بحكم الشارع ، لكونه مخالفاً للكتاب والسنّة ، لم يكن وجه للقول ببطلان الأوّل ، لأنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، بل المستفاد من بعض النصوص خلافه .

ــ[75]ــ

   وهذه النصوص عديدة :

   منها : ما هو صريح في عدم فساد العقد بفساد الشرط .

   ومنها : ما هو ظاهر الدلالة فيه ، كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له ، ولا يجوز على الذي اشترط عليه ، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزّ وجلّ» (1) .

   وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، أنه سئل عن رجل قال لامرأته : إن تزوجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق ، فقال : «إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : من شرط شرطاً سوى كتاب الله عزّ وجلّ ، لم يجز ذلك عليه ولا له»(2) .

   وهما ظاهرتان في إلغاء الشرط خاصة وأنه يفرض كالعدم ، إذ لو كان أصل العقد فاسداً لم يكن وجه لنفي نفوذ الشرط خاصة ، حيث لا موضوع له مع فساد العقد .

   وأوضح منهما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، أنه قضى في رجل تزوّج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق ، قال : «خالفت السنّة ، ووليت حقاً ليست بأهله ، فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق وذلك السنّة» (3) .

   وصحيحته الاُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً ، أنه قال : «قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة ، وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق ، فقضى في ذلك أن شرط الله قبل شرطكم ، فإن شاء وفى لها بالشرط ، وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها» (4) .

   وهذه كما تراها صريحة في صحّة العقد وبطلان الشرط خاصة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب الخيار ، ب 6 ح 1 .

(2) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 18 ح 1 .

(3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 29 ح 1 .

(4) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 13 ح 2 .

ــ[76]ــ

بالخيار (1) بخلاف المقام حيث إنه لا يجري خيار الاشتراط في النِّكاح (2) . نعم ، مع العلم بالفساد لا فرق ، إذ لا خيار في سائر العقود أيضاً .

   [ 3810 ] مسألة 10 : إذا تزوّج حر أمة من غير إذن مولاها ، حرم عليه وطؤها (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وهو غريب منه (قدس سره) ، إذ لا قائل بثبوت الخيار عند تخلف الشرط الفاسد ، وإنما هو فرع إمضاء الشارع للشرط ، فإذا لم يكن كذلك فلا يفرق الحال فيه بين النكاح وغيره .

   (2) على ما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل إن اشتراطه مبطل للعقد ، حتى وإن لم نقل باقتضاء فساد مطلق الشرط لفساد العقد .

   والوجه في ذلك أن جعل الخيار في العقد لا ينفك عن تقييد العقد بزمان فسخ من له الخيار ، فيكون المنشأ محدوداً بعدم الفسخ لا محالة ، إذ إن إطلاق المنشأ لما قبل الفسخ وبعده كالإهمال ممتنع ، فإنه بعد الفسخ يرجع كل شيء إلى مالكه . وحيث إن النِّكاح إمّا أبدي وإمّا مؤقّت مع لا بدّيّة تعيين الوقت ـ على ما دلّت عليه النصوص ـ فلا مجال للالتزام بالصحّة في المقام ، نظراً لعدم معلومية وقت الفسخ ، بل إن أصل تحققه غير محرز ، فإنّ من له الخيار قد يفسخ وقد لا يفسخ بالمرة .

   وهذه خصوصيّة في النِّكاح توجب فساد العقد عند اشتراط الخيار فيه ، نظير فساد البيع عند اشتراط أمر مجهول لكونه غررياً . وليس هذا من باب اقتضاء فساد الشرط لفساد العقد ، إذ النزاع في كبرى اقتضاء فساد الشرط لفساد العقد إنما هو في العقد الجامع لجميع شرائط الصحّة ، فلا يشمل مثل المقام ، حيث إن الفساد من ناحية عدم تعيين الوقت أو الغرر .

   (3) بلا خلاف فيه . ولا يختص الحكم بالمقام ، بل يعمّ كل عقد يتوقّف على إجازة من له الإجازة ، سواء أكان هو السيد أم كان غيره ، كالتزوّج ببنت الأخ أو بنت الاُخت قبل إجازة العمّة أو الخالة ، أو التزوّج بالبكر قبل إذن أبيها .

ــ[77]ــ

وإن كان بتوقّع الإجازة (1) . وحينئذ فإنْ أجاز المولى كشف عن صحته ، على الأقوى من كون الإجازة كاشفة (2) . وعليه المهر ، والولد حر (3) . ولا يحدّ حد الزنا وإن كان عالماً بالتحريم ، بل يعزر . وإن كان عالماً بلحوق الإجازة ، فالظاهر عدم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) إذ لا أثر لمجرّد توقّعها ، وإنما المعتبر في الحل هو تحقّقها في الخارج .

   (2) هذا إذا التزمنا بالكشف الحقيقي كما اختاره الماتن (قدس سره)، حيث ينكشف صحّة العقد من حين وقوعه وكون الوطء حلالاً في حينه ، وإن كان حراماً ظاهراً لاستصحاب عدم تحقّق سبب الزوجية في فرض الشك في لحوق الإجازة ، ولذا يحكم بتعزيره . وأما إذا علم حين الوطء بأن المولى سيجيزه بعد ذلك وقد تحقّقت الإجازة بالفعل ، لم يثبت حتى التعزير حيث يعلم بحصول الزوجية ، فلا يكون في الفعل مخالفة للحكم الواقعي أو الظاهري .

   وأمّا إذا التزمنا بالكشف الحكمي كما اخترناه ، فالأمة محكومة بعدم الزوجية إلى ما قبل الإجازة ، وعندها يحكم بكونها زوجة من حين العقد .

   ومن هنا فلا فرق بين العالم بلحوق الإجازة والشاكّ فيه ، فيحكم بكونه زانياً مطلقاً باعتبار أنه قد وطئ أجنبية من غير استحقاق أو شبهة ، ومن ثمّ فيحدّ حدّ الزنا .

   نعم ، لو لحقت الإجازة قبل إجراء الحدّ سقط لا محالة ، إذ بها تجري عليه أحكام الزوجية ، فلا يعتبر الوطء السابق فعلاً زناً وإن كان كذلك إلى ما قبل الإجازة . إلاّ أن هذا لا يعني سقوط التعزير أيضاً ، فإنّ الحرمة والمبغوضية لا تنقلبان بالإجازة إلى الإباحة ، ومن هنا فيعزر على فعله حتى مع علمه بلحوق الإجازة ، بل وحتى مع تحققها في الخارج أيضاً .

   (3) لانكشاف صحّة العقد من حينه ، فيكون ولداً للحر ، فيحكم بحريته من هذه الجهة .

ــ[78]ــ

الحرمة ((1)) (1) وعدم التعزير أيضاً .
ــــــــــــــــــ

   (1) بل الظاهر هو التحريم. فإنّ الفعل ـ على ما اخترناه من الكشف الحكمي ـ محرم قبل تحقق الإجازة في الخارج واقعاً ، ولا ينافيه الحكم بحليته بعد الإجازة ، إذ لا مانع من اعتبارين لأمرين متضادّين أو متناقضين في زمانين مختلفين ، كما عرفته مفصلاً . وكذلك الحال في التعزير ، إلاّ إذا فرض كونه مشتبهاً .
ـــــــــــــــــ

(1) بل الظاهر هو التحريم ، ولا ينافي ذلك الحكم بعدم الحرمة بعد الإجازة ، وكذلك الحال في التعزير إلاّ إذا فرض أنه كان مشتبهاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net