اتحاد مجلس الإيجاب والقبول - يشترط التنجيز في العقد 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2967


ــ[145]ــ

   [ 3843 ] مسألة 10: ذكر بعضهم أنه يشترط اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. فلو كان القابل غائباً عن المجلس، فقال الموجب : (زوّجت فلاناً فلانة) وبعد بلوغ الخبر إليه قال : (قبلت) لم يصح .

   وفيه : أنه لا دليل على اعتباره (1) من حيث هو . وعدم الصحّة في الفرض المذكور ، إنما هو من جهة الفصل الطويل ، أو عدم صدق المعاقدة والمعاهدة ، لعدم التخاطب . وإلاّ فلو فرض صدق المعاقدة وعدم الفصل مع تعدّد المجلس صحّ ، كما إذا  خاطبه وهو في مكان آخر لكنّه يسمع صوته ويقول : (قبلت) بلا فصل مضر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا توجب خللاً في ظهور الكلام ورفعه ، وإنما توجب رفع حجية الظهور خاصة .

   إلاّ أن هذا لا يجري في محل كلامنا ، فإن المعاقدة ليست هي بين اللفظين كي يقال إنها معنى واحد قائم بهما فلا بدّ من ارتباطهما ، وإنما هي قائمة بين الالتزامين والاعتبارين النفسيين ، وإطلاقها على اللفظين إنما هو باعتبار إبرازهما للاعتبارين .

   ومن هنا فلا عبرة بالفصل بين اللفظين وعدمه ، وإنما العبرة بارتباط الالتزامين . فإذا كان الالتزام الأوّل باقياً على حاله من دون أن يعرض الملتزم عنه إلى حين تحقق الالتزام من الثاني ، بحيث تحقق الارتباط بين الالتزامين ، صحت المعاقدة حتى ولو كان الفصل بين اللفظين طويلاً .

   نعم ، لو أعرض الطرف الأوّل عن التزامه قبل التزام الطرف الآخر ، لم يكن لالتزامه بعد ذلك أثر ، لعدم تحقق الارتباط بينهما . فإنه حين وجود الالتزام من الأوّل لم يكن الالتزام من الثاني متحققاً ، وحين تحقق الالتزام من الثاني لم يكن التزام الأوّل موجوداً .

   وبعبارة اُخرى: إن اعتبار التوالي من حيث الزمان لا دليل عليه ولا عبرة به، وإنما العبرة بصدق المعاقدة . ولما كانت هي قائمة بين الالتزامين ، كفى تحقّق الثاني في حين بقاء الأوّل وقبل رفع اليد عنه ، حيث يتحقق الارتباط بينهما .

   (1) كما يظهر ذلك جلياً مما تقدّم في المسألة السابقة .

ــ[146]ــ

فإنّه يصدق عليه المعاقدة (1) .

   [ 3844 ] مسألة 11 : ويشترط فيه التنجيز(2) كما في سائر العقود ، فلو علّقه على شرط أو مجيء زمان بطل . نعم ، لو علّقه على أمر محقق معلوم ـ كأن يقول : (إن كان هذا يوم الجمعة زوجتك فلانة) مع علمه بأ نّه يوم الجمعة  ـ  صحّ ، وأمّا مع عدم علمه فمشكل .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) بل قد عرفت أن صدق المعاقدة لا يتوقف على عدم الفصل بين الإيجاب والقبول ، وإنما يكفي تحقق الالتزام من الطرف الآخر في زمن وجود الالتزام من الأوّل .

   (2) وتفصيل الكلام أن يقال : إن التعليق قد يكون على أمر يكون إنشاء ذلك العقد معلّقاً عليه قهراً ، سواء أذكره المنشئ أم لم يذكره ، كالزوجية في الطلاق والملكية في البيع . فهو لا يضر بالإنشاء جزماً ، فإن وجوده وعدمه سيان .

   وقد يكون على أمر معلوم الحصول فعلاً ، أو معلوم الحصول في المستقبل ، لكن على نحو الواجب المشروط بالشرط المتأخر ، كما لو علّق الزوجية على حصول النهار غداً . وهو كالسابق لا يضرّ بصحّة العقد ووجوده كعدمه ، فإن اعتبار الزوجيـة حاصل من دون تعليق على شيء ، باعتبار أن المعلّق عليه حاصل ومعلوم بالوجدان . ولا يحتمل تحقق الإجماع المدعى على البطلان فيه .

   وقد يكون على أمر معلوم العدم ، أو مشكوك العدم ، مع كونه حين الإنشاء معدوماً واقعاً. وفيه لا ينبغي الشك في بطلانه ، سواء اعتبرنا التنجيز أم لم نعتبره، لعدم تحقّق المعلّق عليه على الثاني .

   وقد يكون على أمر متأخِّر معلوم الحصول في المستقبل ، على نحو الواجب المشروط بالشرط المقارن ، بحيث تكون الزوجية أو الملكية من حين حصول المعلق عليه . وهذا هو الذي قد ادعي في الكلمات التسالم على عدم صحته بعد استثناء الوصيّة والتدبير منه ، حيث لا تحصل الملكية فيهما إلاّ متأخراً عن الإنشاء وبعد الموت .

ــ[147]ــ

   هذا وقد يتوهّم أنّ الإجازة المتأخرة ، بأن يؤجر الإنسان فعلاً داره من بعد شهر مثلاً ، من هذا القبيل .

   إلاّ أنه واضح الفساد . فإن الإجازة بالنسبة إلى المنافع الآتية إنما هي أشبه شيء بالواجب المعلق ، حيث إن التمليك فيها إنما يكون من الآن ، غاية الأمر أن متعلق الملكية والمملوك متأخر عن الإنشاء زماناً .

   وقد يكون على أمر مشكوك الحصول ، سواء أكان أمراً فعلياً أم متأخراً . وقد حكم الأصحاب فيه بالبطلان أيضاً ، بلا فرق بين أن يكون التعليق من قبيل الشرط المتأخر أو الشرط المقارن .

   هذا وقد ذكر في وجه البطلان في الأوّل : أن الوجود والإيجاد وإن كانا أمرين متغايرين بحسب الاعتبار ، لكنهما في الواقع أمر واحد وحقيقة واحدة ، وإن الاختلاف بينهما إنما ينشأ من حيث إضافة هذا الأمر الواحد ، فإنه إن اُضيف إلى الماهية عبّر عنه بالوجود ، وإن اُضيف إلى الفاعل عبّر عنه بالإيجاد ، فاختلافهما إنما هو بالاعتبار خاصة ، وإلاّ فهما عنوانان لشيء واحد ومتّحدان واقعاً .

   ومن هنا فلا مجال للفصل بينهما ، بحيث يقال بتحقق الإيجاد دون تحقّق الوجود فإنه أمر ممتنع لاستلزامه الخلف .

   وفيه : مضافاً إلى أنه لو تمّ فهو إنما يختص بالاُمور الحقيقية ولا يأتي في شيء من الاُمور الاعتبارية التي منها المقام ، حيث إن الأمر فيها سهل المؤونة فلا مانع من اعتبار الإيجاد بالفعل والوجود متأخراً عنه ، أنه مبني على كون الإنشاء ايجاداً للمعنى باللفظ . لكنك قد عرفت بطلانه مفصلاً في المباحث الاُصولية ، وأن الانشاء إنما هو إبراز لما في النفس على حد الإخبار ، وإن اختلفا في قصد الحكاية وعدمه . وعليه فكما يصح تعلق الإخبار بأمر متأخر يصحّ إنشاء الأمر المتأخر أيضاً ، فيعتبر بالفعل الزوجية غداً وهو أمر معقول وممكن ، وأدلّ دليل على إمكانه هو وقوعه في الخارج كما هو الحال في الوصيّة والتدبير على ما عرفت .

   هذا بالنسبة إلى البطلان في التعليق على أمر متأخر معلوم الحصول على نحو الشرط المقارن . وأما بالنسبة إلى البطلان في التعليق على أمر مشكوك الحصول ، فقد

ــ[148]ــ

قيل في وجهه بأن الإيجاد لما كان هو الوجود بعينه في الحقيقة ، فلا معنى للتعليق فيه فإنّ الشيء إمّا هو موجود وإمّا هو معدوم ، ولا يمكن فرضه موجوداً على تقدير وغير موجود على تقدير .

   وبعبارة اُخرى : إنه لا وجه لإيجاد القيام ـ مثلاً ـ على تقدير دون تقدير ، وإنما هو إمّا متحقق على كل تقدير ، وإمّا غير متحقِّق كذلك .

   إلاّ أنّ جوابه قد ظهر مما تقدّم ، إذ لا إيجاد في المقام كي يرد ما قيل ، وإنما هو إبراز للاعتبار النفساني ، وهو كما يتعلق بأمر على كل تقدير يتعلق بأمر على تقدير دون تقدير ، فيكون المعتبر هو الحصة الخاصة ، وهو متحقق في الإخبار أيضاً ، فترى أنه يخبر عن طلوع الشمس فيما إذا كانت الساعة السادسة صباحاً مثلاً .

   ومن هنا فما ذكر من الدليل لا يكفي في القول بعدم إمكان هذا النحو من التعليق واقتضائه للبطلان ، بل لا بدّ في إثباته من التماس دليل غيره .

   هذا ويمكن أن يستدل على اعتبار هذا الشرط ـ مضافاً إلى دعوى الإجماع على اعتباره ، وهو ليس ببعيد ـ أن مقتضى أصالة الفساد وعدم نفوذ العقد بعد كون مثل هذا العقد المعلّق غير متعارف لدى عامة الناس بل كونه مستنكراً لديهم ، ودعوى انصراف أدلة العقود إلى المتعارف فلا تشمله ، هو اعتباره في الصحّة .

   ولو أغمضنا النظر عن ذلك ، فيمكن الاستدلال عليه بحملة من النصوص الواردة في النكاح والبيع وغيرهما من العقود ، الظاهر في لا بدّية ترتّب أثر العقد عليه بالفعل وبلا فصل ، إلاّ ما خرج بالدليل كبيع الصرف ، حيث يتوقّف ترتّب الأثر عليه فيه على القبض .

   وهذه النصوص كقوله (عليه السلام) في صحيحة أبان بن تغلب : «فإذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهي امرأتك ، وأنت أولى الناس بها» (1) . فإنها ظاهرة في أن الزوجية وترتب الأثر على عقد النكاح ، إنما يكون بمجرد قولها : «نعم» من دون أن ينتظر تحقق شيء آخر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 18 ح 1 .

ــ[149]ــ

   وما ورد في شراء الأمة، من أن البائع إذا اخبر عن استبرائها أو كان البائع امرأة جاز وطؤها(1). فإنها ظاهرة في أن الحكم مترتب على مجرد شرائها وملكيته لبضعها من دون توقف على شيء آخر .

   ولا يبعد أن يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي  ، الواردة فيمن قال لامرأته إن تزوجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق : «أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : من شرط شرطاً سوى كتاب الله عز وجل ، لم يجز ذلك عليه ولا له» (2) . إذ من غير البعيد أن يكون المراد به هو الطلاق الشرطي بحيث تشترط المرأة الطلاق عند تحقق الشرط ، لا توكيلها في الطلاق بحيث يكون أمر الطلاق بيده ، غاية الأمر تكون المرأة وكيلة عنه في إجزائه .

   والحاصل أن المستفاد من هذه النصوص ، كون ترتب الأثر على العقد فعلياً وبمجرّد تماميته من دون انتظار لشيء آخر ، ومن هنا فيعتبر التنجيز في العقود مراعاة لظهور النصوص المتقدِّمة .

   وكيف كان ، فاعتبار التنجيز متسالم بين الأصحاب ، لكن من غير الخفي أن اعتباره إنما يختص بالعقود المعاوضية وما يشبهها .

   وأما العقود الإذنية كالوكالة وما شابهها ، فالظاهر أنه لا مانع من تعليقها على الاُمور الفعلية والآتية ، معلومة الحصول أو مشكوكته ، كاشتراط الزوجة الوكالة في الطّلاق عند تزوّج الرجل بغيرها ، أو التوكيل في بيع الدار إذا صادف له السفر ، أو غير ذلك من القيود . فإنه أمر متعارف بل واقع في الخارج كثيراً ولا يعتبر من المستنكرات لدى العرف ، فترى أن الصديق يقول لصديقه : أنا مسافر غداً ـ مثلاً ـ فإن لم أرجع إلى شهر فأنت وكيلي في بيع داري ، وما شاكل ذلك .

   ولعلّ الوجه فيه أن الوكالة لا تحتاج إلاّ إلى رضا المالك خاصة ، وهو متحقق مع التعليق على حد تحققه مع التنجيز .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب بيع الحيوان ، ب 11 .

(2) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدماته وشروطه ، ب 18 ح 1 .

ــ[150]ــ

   [ 3845 ] مسألة 12 : إذ أوقعا العقد على وجه يخالف الاحتياط اللازم مراعاته ، فإن أراد البقاء فاللازم الإعادة على الوجه الصحيح (1) وإن أراد الفراق فالأحوط الطلاق ((1)) (2) وإن كان يمكن التمسك بأصالة عدم التأثير في الزوجية (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولا نظنّ فضلاً عن القطع قيام الاجماع على بطلانه ، بل قد صرح المحقق القمي (قدس سره) في جامع الشتات بصحّة التوكيل المعلق في طلاق زوجته ، ونسب ذلك إلى السبزواري والملاّ أحمد ـ والظاهر أنه الأردبيلي (قدس سره) ـ (2) .

   (1) إذ ليس لهما ترتيب آثار الزوجية ما لم يحرزا الصحّة ، فراراً من الوقوع في المخالفة الاحتمالية من غير عذر .

   (2) كي يحصل اليقين بانتفاء الزوجية بينهما .

   (3) ما أفاده (قدس سره) ينافي كون الاحتياط لزومياً . فإن الاحتياط قد يكون حكماً ظاهرياً للمجتهد ، كما في موارد العلم الإجمالي ، أو موارد الشبهة قبل الفحص وفيهما لا يمكن الرجوع إلى أصالة العدم ، لاختصاصها بغيرهما ، فالرجوع إليها والتمسك بها يخرج المورد عن كونه من موارد الاحتياط اللزومي .

   وقد لا يكون الاحتياط كذلك ، بأن يعلم المجتهد بالحكم إلاّ أنه لا يريد إبداءه وإظهاره للناس لمانع خارجي ، كحفظ المصالح العامّة أو ما شابهه . وحينئذ فتكون وظيفة العامي هو الاحتياط لا محالة ، لتنجز الواقع في حقه ، باعتبار أنه يعلم بالتكاليف إجمالا أيضاً ، ولا طريق له إلى فتوى المجتهد كما هو المفروض . وليس له الرجوع إلى أصالة عدم تأثير العقد ، باعتبار أن إجراء الاُصول في الشبهات الحكمية إنما هو من وظيفة المجتهد خاصة .

   ومن هنا فينحصر أمر الفراق بينهما بالطلاق لا غير ، لعدم انسجام التمسك بالأصل مع كونه من موارد الاحتياط اللزومي ، من دون أن يمكن الجمع بينهما .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا الاحتياط لا يُترك .

(2) جامع الشتات 2 : 453 .

ــ[151]ــ

   وإن كان على وجه يخالف الاحتياط الاستحبابي ، فمع إرادة البقاء الأحوط الاستحبابي إعادته على الوجه المعلوم صحته ، ومع إرادة الفراق فاللازم الطلاق .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net