اعتبار الكمال في العاقد - صحة وكالة السفيه عن الغير في العقد 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1759


   [ 3846 ] مسألة 13 : يشترط في العاقد المجري للصيغة الكمال بالبلوغ والعقل ، سواء كان عاقداً لنفسه أو لغيره ، وكالة أو ولاية أو فضولاً .

   فلا اعتبار بعقد الصبي (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) بلا خلاف ولا إشكال فيه إذا كان مستقلاً في التصرف .

   وتدلُّ عليه ، مضافاً إلى قوله تعالى : (وَابْتلُوا اليَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيهْمْ أَمْوَالَهُمْ) (1) حيث جعل الله سبحانه الغاية في دفع المال إلى الصبي بلوغه والرشد ، ومن الواضح أن مقتضاه عدم جواز دفع أمواله إليه قبل البلوغ حتى ولو كان رشيداً ، وعدم جواز تصرفاته فيها .

   ما ورد في بعض النصوص من أن وضع القلم على الصبي إنما يكون بعد احتلامه وبلوغه، حيث إن مقتضاه كون عمله قبل ذلك كلا عمل ، فلا يلزم بشيء كما لا يؤاخذ على شيء منها ، كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته عن الغلام ، متى تجب عليه الصلاة ؟ قال : «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة ، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصّلاة، وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك...»(2) .

   ومعتبرة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سأله أبي ـ وانا حاضر ـ عن اليتيم متى يجوز أمره ؟ قال : «حتى يبلغ أشدّه» . قال : وما أشدّه ؟ قال : «احتلامه» (3) . وهذه الرواية رواها صاحب الوسائل (قدس سره) عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ من دون ذكر ابن سنان ، غير أنه من سهو القلم أو السقط في الاستنساخ قطعاً ، والصحيح ما ذكرناه على ما هو المثبت في المصدر ، أعني كتاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 6 .

(2) الوسائل ، ج 1 كتاب الطهارة ، أبواب مقدمة العبادات ، ب 4 ح 12 .

(3) الوسائل ، ج 18 كتاب الحجر ، ب 2 ح 5 .

ــ[152]ــ

الخصال (1) .

   وكيف كان ، فالرواية معتبرة ، فإن أبا الحسين هذا هو آدم بن المتوكل الثقة . وهي دالّة على توقّف جواز أمر الغلام ومضيه على كون صدوره حال البلوغ ، فلو لم يكن كذلك فلا ينفذ ولا عبرة به .

   ثمّ إن مقتضى إطلاقات هذه النصوص وأدلّة رفع القلم، عدم الفرق في الحكم بين كون الفعل الصادر منه على نحو الاستقلال بإذن من الولي وعدمه ، فيحكم فيهما معاً بالبطلان ، ولعله متسالم عليه بينهم .

   هذا كلّه في فرض استقلاله بالتصرف . وأما إذا كان الصبيّ مجرياً للصيغة خاصّة بأن كان العقد بين الولي والطرف الآخر الكامل ، فهل يحكم ببطلانه أم لا ؟

   قد يقال بالأوّل ، بدعوى أن المستفاد من النصوص أن الصبيّ مسلوب العبارة وأنها  كاللّفظ الصادر من الحيوان .

   إلاّ أنّ الظاهر هو الثاني ، إذ ليس في المقام ما يدلّ على سلب عبارة الصبي ، فإنّ النصوص المستدلّ بها كلها واردة فيما هو أمر للصبي نفسه ، فلا تشمل ما إذا كان الأمر للوليّ والبالغ ، غاية الأمر كان الصبي مجرياً للصيغة خاصّة .

   نعم ، ورد في بعض النصوص المعتبرة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «عمد الصبي وخطأه واحد» (2) فقد يقال بأنها تدل على كون الصبي مسلوب العبارة ، وإنه لا يترتب على فعله أي أثر .

   وهذا المضمون وإن كان مذيلاً في بعض النصوص بقوله (عليه السلام) :«تحمله العاقلة» وهو ظاهر في اختصاصه بموارد الجنايات ولا تشمل المقام ، إلاّ أن بعضها الآخر لما كان خالياً عن هذا الذيل ، كان مقتضى إطلاقه عموم الحكم لغير مورد الجناية من أفعال الصبي . ولا وجه للقول بتقييد الإطلاق بما تقدّم ، إذ لا منافاة بينهما .

   لكنّه مدفوع بأنّ المذكور في هذه النصوص إنما هو : «عمد الصبي وخطأه واحد»

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الخصال : 495 .

(2) الوسائل ، ج 29 كتاب الديات ، أبواب العاقلة ، ب 11 ح 2 .

ــ[153]ــ

ولا المجنون ولو كان أدوارياً حال جنونه (1) وإن أجاز وليّه أو أجاز هو بعد بلوغه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا أنّ (عمد الصبي لا عمد) وبينهما بون بعيد . إذ الثاني ظاهر في المدعى بخلاف الأوّل ، حيث إن ظاهره أن حكم عمل غير الصبي إذا كان ينقسم بلحاظ العمد والخطأ فهو متّحد بلحاظ الصبي دائماً ، وعليه فيختص النص بالجنايات لا محالة ، لكن لا من باب التقييد وإنما من جهة أن اختلاف حكم العمد والخطأ في غير الصبيان إنما يختص بالجنايات ، وأما غيرها فليس للخطائي منها أثر كي يقال إنهما واحد بالنسبة إلى الصبي .

   على أنه لا مجال للمساعدة على هذا النص بإطلاقه ، فإنّ لازمه عدم قدح التكلم العمدي والأكل العمدي في صلاة الصبيّ وصيامه ، وهو مما لا يمكن الالتزام به .

   إذن فهذه الروايات ناظرة إلى الجنايات خاصّة ، ولا تعمّ المقام .

   ومن هنا فالصحيح هو الحكم بصحّة عقد الصبيّ ، فيما إذا كان دوره منحصراً في إجراء الصيغة خاصّة .

   وممّا يؤيِّد ذلك رواية ابراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «تزوّج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اُم سلمة، زوّجها إياه عمر بن أبي سلمة وهو صغير لم يبلغ الحلم»(1) .

   وهي وإن كانت دالّة على أن الصبي غير مسلوب العبارة ، إلاّ أننا قد جعلناها مؤيدة لما تقدّم ، نظراً لضعف سندها بـ  (سلمة بن الخطّاب) حيث لم يرد فيه توثيق .

   (1) بلا خلاف فيه ، لعدم تحقق القصد منه أصلاً، حيث لا يلتفت إلاّ إلى اللّفظ وأما المعنى الإنشائي له فلا التفات له إليه، فيكون حاله حال سائر الحيوانات حيث لم يصدر منه عقد. وعلى تقدير تحقق القصد منه، فلا ينبغي الشك في انصراف أدلة نفوذ العقود عنه ، إذ العقلاء انما يتعاملون معه معاملة الحيوان نظير الصبي غير المميز ، فلا يترتّب على عقده أثر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 16 ح 1 .

ــ[154]ــ

أو إفاقته ، على المشهور ، بل لا خلاف فيه . لكنه في الصبي الوكيل عن الغير محل تأمّل((1)) (1) لعدم الدليل على سلب عبارته إذا كان عارفاً بالعربية ، وعلم قصده حقيقة ، وحديث رفع القلم منصرف عن مثل هذا. وكذا إذا كان لنفسه بإذن الولي، أو إجازته، أو أجاز هو بعد البلوغ(2).

   وكذا لا اعتبار بعقد السّكران ، فلا يصح ولو مع الإجازة بعد الإفاقة (3). وأما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) بل منع ، إذ غاية ما يستفاد من النصوص المتقدِّمة أن عقد الصبي لا يكون نافذاً بالنسبة إلى نفسه . وأما بالنسبة إلى غيره فلا دليل على عدم نفوذه بعد فرض أنه ليس مسلوب العبارة ، فإنه حينئذ ليس من أمر الصبي الوكيل ، بل العقد مستند إلى الموكل حقيقة ، فيكون الأمر أمره . ومعه فمقتضى عمومات أدلة الوفاء بالعقد نفوذه .

   وبعبارة اُخرى نقول : إنه لا دليل على اعتبار البلوغ في الوكيل ، بل يجوز أن يكون صبيّاً إذا كان مميِّزاً عاقلاً ، والروايات الواردة في المقام غير شاملة للمورد ، إذ الصبي حينئذ غير مأخوذ بالعقد وإنما المأخوذ به هو الموكل خاصة ، فإن الأمر أمره والعقد عقده ، فتشمله عمومات الوفاء بالعقد .

   (2) إذ البطلان في المقام ليس بمعنى إلغائه كلية ، وإنما هو بمعنى عدم التأثير ما دام متصفاً بكونه عقد الصبيّ ، فإذا ارتفع الوصف وانتفى المانع بالبلوغ والإجازة فلا مانع من الالتزام بصحّته ، كما هو الحال في عقد المكره .

   وكذا الحال لو أجازه الوليّ، لإضافة العقد حينئذ إليه، فيكون كأنه هو العاقد، نظير إجازة المولى لعقد عبده ، أو المالك لعقد الفضولي .

   (3) ومحلّ الكلام هو الفاقد للشعور والعقل بحيث يكون مجنوناً مؤقتاً وبالعارض فإنّه حينئذ يحكم ببطلان عقده ، لعدم تحقّق قصد المعنى والاعتبار منه . وعلى تقدير تحقّقه ، فالعقلاء لا يعتبرون ذلك ولا يرتبون عليه أثراً ، لأنه هذيان نظير تكلّم النائم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل منع .

ــ[155]ــ

عقد السّكرى إذا أجازت بعد الإفاقة ففيه قولان ، فالمشهور أنه كذلك. وذهب جماعة إلى الصحّة(1) مستندين إلى صحيحة ابن بزيع (2) ولا بأس بالعمل بها (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن هنا فلا تشمله أدلة نفوذ العقود ، لانصرافها عنه جزماً .

   وعليه فحيث يعتبر هذا العقد كالعدم ، فلا تنفعه لحوق الإجازة بعد ذلك ، لأنها إنما تنفع فيما إذا لم يكن العقد قاصراً في نفسه ، بحيث يكون مستجمعاً لجميع شرائط الصحّة عدا صدوره ممن له الأمر .

   وكيف كان ، فالحكم لا ينبغي الإشكال فيه ، وإن كان يظهر من المحقق وصاحب الجواهر (قدس سرهما) وجود الخلاف فيه بين الأصحاب (1) .

   (1) كالشيخ (2) وأتباعه(3) وصاحب الحدائق(4) وصاحب الوسائل(5) .

   (2) قال، سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلاً في سكرها ، ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك ، ثمّ ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج ، أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها ؟ فقال : «إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها». قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: «نعم»(6) .

   (3) بل هو متعين ، وإن كان مضمونها مخالفاً للقاعدة . فإنها من حيث السند صحيحة ، ومن حيث الدلالة واضحة ، ولم يثبت إعراض الأصحاب عنها كي يقال بأنه موجب لطرحها ، فقد عمل بها جماعة كما عرفت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرائع الاسلام ، الجواهر 29 : 144 .

(2) النهاية : 468 .

(3) مختلف الشيعة 7 : 130 ـ 131 .

(4) الحدائق 23 : 175 .

(5) الوسائل 20 : 249 .

(6) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 14 ح 1 .

ــ[156]ــ

وإن كان الأحوط خلافه ، لإمكان حملها ((1)) (1) على ما إذا لم يكن سكرها بحيث لا التفات بحيث لا التفات لها إلى ما تقول . مع أن المشهور لم يعملوا بها ، وحملوها على محامل ، فلا يترك الاحتياط .

   [ 3847 ] مسألة 14 : لا بأس بعقد السفيه إذا كان وكيلاً عن الغير في إجراء الصيغة (2) أو أصيلاً مع إجازة الولي (3) . وكذا لا بأس بعقد المكره على إجراء الصيغة للغير (4) أو لنفسه إذا أجاز بعد ذلك (5) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ما ذكر من المحامل خلاف الفهم العرفي ، فلا يصار إليها إلاّ بالدليل وهو مفقود .

   (2) فإن الحجر عليه إنما يختص بتصرفاته في أمواله على نحو الاستقلال ، وليس بمسلوب العبارة قطعاً .

   (3) لما عرفت من اختصاص الحجر عليه بصورة الاستقلال .

   (4) كما لو طلب العاقد أجراً على العقد  ، فأكرهه الزوجان أو أحدهما على إجرائه مجاناً .

   والوجه فيه إطلاقات نفوذ العقد بعد عدم شمول حديث نفي الإكراه له ، باعتبار أن العقد لا أثر له بالنسبة إلى المكره نفسه بالمرة ، إذ المعاقدة إنما هي بين شخصين غيره فيحكم بتأثير العقد وصحّة الالتزام من الطرفين وإن كان المجري للصيغة مكرهاً .

   (5) على ما هو المعروف والمشهور بينهم .

   وقد ناقش فيه بعضهم ، بأن العقد لما كان حين وقوعه محكوماً بالفساد ، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل وهو مفقود .

   ولا يقاس ذلك بالبيع والنكاح الفضوليين ، فإن العقد حين وقوعه فيهما لا يكون مستنداً إلى من له الأمر والولاية ، وإنما رضاه بهما وإجازته لهما بعد ذلك ، يوجب استناد ذلك العقد الواقع سابقاً إليه وانتسابه له من حين الرضا والإجازة ، فيحكم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو بعيد جدّاً ، والعمدة دعوى إعراض المشهور ، وهي غير ثابتة لعمل جماعة من المتقدِّمين بها ، على أنّ كبرى هذه الدعوى غير ثابتة .

ــ[157]ــ

بصحته. وهذا بخلاف المكره، حيث يستند العقد إليه من حين وقوعه، فيقال: باع فلان داره مكرهاً، أو اشترى كذلك.

   ومن هنا فإذا كان العقد المنتسب إليه حين وقوعه محكوماً بالفساد ، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل ، وحيث لا دليل عليها في المقام يحكم بفساده لا محالة .

   وفيه : أن دليل الفساد في المقام لا يدلّ عليه بنحو الإطلاق ، وإنما هو يقتضيه ما دام الموضوع ـ أعني كون العاقد مكرهاً ـ موجوداً ، فإذا ارتفع هذا العنوان وانتفى هذا الموضوع حكم بصحّة العقد لا محالة ، إذ العقد ليس هو الإيجاب والقبول كي يقال إنه أمر حادث وقد انعدم فلا مجال للحكم بصحته ، وإنما هو الالتزام بالاعتبار عن الرضا والاختيار . فإذا لم يكن ذلك مشمولاً لعموم أدلة نفوذ العقد ابتداءً ، لكونه مشمولاً لأدلّة فساد عقد المكره ، لم يمنع ذلك من الحكم بصحته استمراراً ، بعد ارتفاع العنوان الموجب لانتفاء شمول دليل الفساد له ، فتشمله أدلّة النفوذ لا محالة .

   توضيح ذلك : أن دليل الفساد في عقد المكره قاصر عن إثبات الفساد حتى في فرض الرضا بالعقد بعد ذلك ، فإنّ حديث الرفع وارد مورد الامتنان ، فلا يقتضي إلاّ الحكم بفساده ما دام الإكراه باقياً ، فإذا ارتفع ذلك حكم بصحته ، لارتفاع المقتضي وكون بقاء الحكم بالبطلان منافياً للامتنان .

   ولأجل هذا ذكرنا في محله أن هذا الحكم لا يجري في مورد الاضطرار ، فيحكم بصحّة عقد المضطر وترتب جميع الأحكام الوضعية عليه ، نظراً إلى أن الحكم بالبطلان لحديث الرفع موجب لوقوع المكلف في المشقة الشديدة ، وهو مناف للامتنان .

  لا يقال : إنّ هذا الكلام وإن تمّ في الزواج ونحوه ، حيث كان الدليل على فساده في صورة الإكراه هو حديث نفي الإكراه ، إلاّ أنه لا يتمّ في مثل البيع ونحوه ، مما يكون الدليل على فساده قصور دليل الصحّة من الأوّل لكونه مقيداً بالتراضي ، على ما دلّت عليه الآية المباركة (1) بناءً على كون الاستثناء فيها متصلاً ، فإنّ مقتضاه هو الحكم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 29 .

ــ[158]ــ

ببطلان كل عقد إلاّ الذي كان عن تراض. وحيث إن العقد في المقام لم يكن عن تراض حين صدوره، يحكم بفساده حتى وإن رضي به بعد ذلك .

   فإنه يقال : إن المراد بالتجارة ليس هو اللفظ ـ الإيجاب والقبول ـ وإنما المراد بها الالتزام بالمبادلة نفساً ، وهو وإن لم يكن عن الرضا حدوثاً ، إلاّ أنه بقاءً لما كان يصدق عليه التجارة عن تراض حكم بصحته .

   ويؤكد ذلك : أن المستثنى منه ـ أكل المال بالباطل ـ بجميع أقسامه باطل ، والحال أن هذا الفرد ليس بباطل عند العقلاء جزماً . نظير ما لو غصب متاعاً ثمّ رضي مالكه ، فإنه ينقلب الغصب إلى الأمانة ونحوها .

   إذن فالصحيح في المقام أن الحكم بالصحّة لا يختص بالزواج ونحوه ، بل هو عام لمثل البيع أيضاً ، باعتبار أن قصور العقد إنما هو من جهة الرضا خاصة ، فإذا تحقق بعد ذلك حكم بصحته . نظير التزوج ببنت اُخت الزوجة أو بنت أخيها من دون إذنها فإنها لو أذنت حكم بصحّة العقد كما تقدّم ، لانتفاء المانع .

   وبعبارة اُخرى : إن الأمر في المقام دائر بين رفع اليد عن عموم أدلّة صحّة العقد ونفوذه ، والالتزام ببطلان عقد المكره مطلقاً ، فيكون ذلك تخصيصاً لها . وبين رفع اليد عن إطلاقات تلك الأدلّة المقتضية لثبوت الحكم من الأوّل مستمراً ، والالتزام بالبطلان ما دام الإكراه متحققاً . فيتقدم الثاني لكونه الموافق للامتنان دون الأوّل .

   ثمّ إن هذا كله مبني على الالتزام بالنقل في الرضا المتأخر ، وإن الحكم بالصحّة إنما يكون من حين الرضا ، كما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) . وأما بناءً على ما اخترناه من الكشف ، فحديث الرفع غير شامل لمثل هذا العقد المتعقب للإجازة من الأوّل لكونه منافياً للامتنان .

   وعليه فلا موجب للحكم بالبطلان ، بل ينبغي الحكم بصحّة العقد من حين وقوعه ، غاية الأمر أن الرضا يكون شرطاً متأخِّراً فيه .

   ومن هنا فلا يكون في المقام تخصيص ولا تقييد ، حيث لا حكم بالفساد عند لحوق الرضا واقعاً ، وإن حكمنا به قبل لحوق الرضا ظاهراً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net