تنازع الزوجين في التعيين وعدمه - الاختلاف في المعيّن بعد الاتفاق على التعيين 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1731


   [ 3852 ] مسألة 19 : إذا تنازع الزوج والزوجة في التعيين وعدمه ، حتى يكون العقد صحيحاً أو باطلاً ، فالقول قول مدعي الصحّة ((1)) (1) كما في سائر الشروط إذا اختلفا فيها ، وكما في سائر العقود .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من دون أن يؤثر الاشتباه في الاسم أو الوصف أو الإشارة في الصحّة .

   (1) والدليل عليها هو أصالة الصحّة في العبادات والمعاملات غير أنه قد تقدّم الكلام في هذا الأصل في المباحث الاُصولية وبعض المباحث الفقهية المتقدِّمة مفصّلاً وقد عرفت بما لا مزيد عليه أن هذا الأصل لم يدل عليه دليل لفظي من الكتاب أو السنّة ، وإنما الدليل عليه منحصر بسيرة المتشرعة المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) .

   ومن هنا فمع الشك في ضيق هذه القاعدة وسعتها بحسب الموارد، لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن فيها ، وهو ما إذا كان الشك في الصحّة والبطلان من جهة عدم إحراز بعض الشروط ، أو الشك في اقترانه بمانع من الموانع الشرعية ، بعد إحراز أركان العقد وما يعتبر في اصل تحققه .

   وأمّا مع الشك في تحقق الأركان نفسها ، فلا مجال للحكم بالصحّة تمسكاً بأصالة الصحّة ، لعدم ثبوت السيرة والبناء على الصحّة في مثل المقام ، كما لو شككنا في كون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إذا كان النزاع في وقوع العقد على المعين وعدمه كما هو ظاهر العبارة لم يكن مجال للتمسّك بأصالة الصحّة .

ــ[165]ــ

   وإن اتّفقا ـ  الزّوج ووليّ الزّوجة  ـ على أنهما عيّنا معيناً ، وتنازعا فيه أنها فاطمة أو خديجة ، فمع عدم البيِّنة المرجع التحالف ((1)) (1) كما في سائر العقود .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبيع خلاًّ أو خمراً ، فإنه لا تنفع أصالة الصحّة في إثبات كونه خلاًّ ومن ثمّ إلزام البائع بدفع الخل .

   وعلى هذا ففي المقام حيث إن الشك في ركن من أركان العقد أعني التعيين ، فلا مجال لتقديم قول الزوج وإثبات كون المرأة المعينة هي الزوجة تمسّكاً بأصالة الصحّة بل لا بدّ على مدعي الزوجية والتعيين من البيّنة والإثبات على وفق الموازين المبيّنة في مباحث القضاء .

   ومن هنا يظهر الحال في سائر العقود غير النكاح ، فإنّ الحال فيها هو الحال فيه .

   (1) فإنّ كلاًّ منهما يدّعي شيئاً وينكر ما يدعيه الآخر ، فالزوج ـ مثلاً ـ يدّعي زوجية فاطمة وينكر زوجية خديجة التي يدعيها وليّها ، والوليّ يدعي زوجية خديجة وينكر زوجية فاطمة التي يدعيها الزوج ، فيكون المقام من التداعي . ومقتضى القاعدة فيه أنه إن كانت لأحدهما بيّنة اُخذ ببيّنته وقُدِّم قوله ، وإن لم يكن لهما بيّنة وصلت النوبة إلى التحالف ، فإن حلف أحدهما خاصّة ثبت مدعاه ، وإن حلفا معاً أو نكلا معاً سقطت الدعويان لعدم المرجح .

   وهذا كله مما لا إشكال فيه . إنما الاشكال فيما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) وادعى عليه الإجماع ، من انفساخ الزوجية في فرض حلفهما معاً أو نكولهما كذلك وكأنه لم يكن عقد في البـين (2) . فإنّ إثبات ذلك مشكل جدّاً ، فإنه وإن لم يكن لأحدهما إلزام الآخر بلوازم الزوجية ظاهراً ، فليس للزوج إلزام المرأة التي يدعي زوجيتها بالتمكين ، كما أنه ليس للمرأة الاُخرى إلزام الزوج بالنفقة وما شاكلها من لوازم الزوجية ، إلاّ أن ذلك كله لا يعني انفساخ الزوجية واقعاً على ما هو ظاهر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ويترتّب عليه سقوط الدعوى فقط ، فليس لكل من طرفي الدعوى إلزام الآخر بما يدّعيه وأمّا كون التحالف موجباً لانفساخ العقد كما في الجواهر فمحل منع ، بل اللاّزم على كل منهما أن يعمل بما هو وظيفته في الواقع .

(2) الجواهر 29 : 153 ـ 156 .

ــ[166]ــ

   نعم ، هنا صورة واحدة اختلفوا فيها ، وهي ما إذا كان لرجل عدة بنات فزوّج واحدة ، ولم يسمِّها عند العقد ، ولا عيّنها بغير الاسم ، لكنه قصدها معينة ، واختلفا فيها . فالمشهور على الرجوع إلى التحالف (1) الذي هو مقتضى قاعدة الدعاوي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلماتهم ، فإنه لا دليل عليه بالمرّة .

   ومن هنا فلا بدّ لكل منهما من ترتيب آثار الزوجية على نفسه في فرض العلم بصدق مدعاه واقعاً . فلو كان الزوج عالماً بصدق مدعاه من زوجية المرأة المعينة له واقعاً ، فلا بدّ من معاملتها معاملة الزوجة فليس له أن يتزوج باُمها أو اُختها أو الخامسة ، وإن لم يمكنه إثبات مدعاه ظاهراً . وهكذا بالنسبة إلى المرأة التي تدعي زوجيتها للرجل .

   وهذا الحكم لا يختص بباب النكاح ، بل يجري في جميع أبواب العقود .

   نعم، في خصوص البيع قد يستدلّ على الانفساخ الواقعي بالنبوي: «إذا اختلف المتبايعان ترادا»(1). إلاّ أنها نبوية لم تثبت من طرقنا الخاصة ، فلا تصلح للاستدلال . على أنها غير مختصّة بالاختلاف من هذه الجهة ، بل هي مطلقة ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به .

   (1) الظاهر أن الأمر قد اشتبه على الماتن (قدس سره) ، فإن في المقام مسألتين تُشبه إحداهما الاُخرى لكنهما تختلفان في الحكم .

   اُولاهما : ما إذا وقع الخلاف بين الزوج والأب في المعيّنة ، بعد اتفاقهما على وقوع العقد على واحدة معينة بالاسم أو الوصف أو الإشارة ، فادعى الزوج أنّ المعيّنة كانت هي الصغيرة ، وادعى الأب أنها هي الكبيرة .

   وفيها لا خلاف ولا إشكال بينهم في الرجوع إلى التحالف ، كما لو كان الخلاف مع غير الأب من الأولياء ، حيث إن المقام من باب التداعي كما هو واضح ، ولم يذكر في المقام قول بالتفصيل بين رؤيته لهنّ وعدمها فيما نعلم ، بل ولم ينسب الخلاف في ذلك إلى أحد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة 2 : 737 ح 2186 .

ــ[167]ــ

   ثانيتهما : أن لا تكون المعقودة عليها معيّنة ـ بحسب الخارج ـ بالاسم أو الوصف أو الإشارة بالنسبة إلى الزوج والشهود ، وإنما تكون هي متعيّنة لدى الأب خاصّة حيث قصد هو واحدة بعينها فأجرى العقد عليها وقَبِل الزوج ذلك ، ثمّ وقع الخلاف بينهما ، فقال الأب : إنما زوجتك ابنتي الكبرى ، وقال الزوج : إنما قبلت زوجية بنتك الصغرى ، ومن ثمّ لم يحصل التطابق بين الإيجاب والقبول .

   وفيها فالأصحاب على قولين :

   التفصيل بين رؤية الزوج لهن أجمع ، فيكون القول قول الأب . وعدمها ، فيحكم ببطلان النكاح ، لصحيحة أبي عبيدة الحذاء .

   والبطلان تمسكاً بالقاعدة ، حيث عرفت أن أصالة الصحّة لا أثر لها في مثل المقام بعد اطراح صحيحة أبي عبيدة بدعوى إعراض الأصحاب عنها ، أو لكونها من أخبار الآحاد كما عن ابن إدريس .

   وليس فيها قول بالتحالف لأحد على الإطلاق ، بل لا موضوع له في المقام ، فإنه إنما يكون في فرض وجود مدعيين ومنكرين وليس المقام منه ، فإنّ كلاًّ منهما إنما يخبر عمّا في نفسه وما نواه في إيجابه أو قبوله ، من دون أن يكون هناك إنكار لدعوى الآخر .

   فما أفاده (قدس سره) من ذهاب المشهور في المسألة إلى التحالف من خلط هذه المسألة بالمسألة السابقة .

   وكيف كان ، فالصحيح في هذه المسألة هو القول الأوّل ، أعني التفصيل بين رؤيته لهنّ وعدمها . فإنّ رواية الحذاء صحيحة سنداً وواضحة دلالة ، وقد عمل بها جملة من الأصحاب ، كالشيخ (1) وأتباعه (2) والعلاّمة (3) والمحقِّق (4) بل نسب في الرياض العمل بها إلى الأكثر (5) . وحملها على بعض المحامل تعسف محض .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النهاية : 468 .

(2) انظر السرائر 2 : 573 .

(3) قواعد الاحكام 2 : 4 .

(4) شرائع الاسلام 2 : 323 .

(5) رياض المسائل 2 : 70 .

ــ[168]ــ

   وذهب جماعة إلى التفصيل بين ما لو كان الزوج رآهن جميعاً فالقول قول الأب وما لم يرهن فالنكاح باطل . ومستندهم صحيحة أبي عبيدة الحذاء (1) وهي وإن كانت صحيحة إلاّ أن إعراض المشهور عنها، مضافاً إلى مخالفتها للقواعد ، مع إمكان حملها على بعض المحامل، يمنع عن العمل بها. فقول المشهور لا يخلو عن قوّة ((1)) (2) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فالمتعيّن هو الحكم بالتفصيل تعبداً ، ورفع اليد عن القاعدة للنص .

   (1) قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل كنّ له ثلاث بنات أبكار فزوّج إحداهن رجلاً ولم يسمِّ التي زوّج للزوج ولا للشهود ، وقد كان الزوج فرض لها صداقها ، فلما بلغ إدخالها على الزوج بلغ الزوج أنها الكبرى من الثلاثة ، فقال الزوج لأبيها : إنما تزوّجت منك الصغيرة من بناتك ، قال : فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إن كان الزوج رآهن كلهن ، ولم يسمِّ له واحدة منهن ، فالقول في ذلك قول الأب ، وعلى الأب فيما بينه وبين الله أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح . وإن كان الزوج لم يرهن كلّهنّ ، ولم يسمَّ له واحدة منهنّ عند عقدة النكاح ، فالنكاح باطل» (2) .

   (2) قد عرفت أن في القوة إشكالاً بل منعاً ، ومع ذلك فالاحتياط في محلِّه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إنّ هنا مسألتين قد خلط الماتن (قدس سره) بينهما : الأُولى ما إذا اتّفق الزّوج وأبو البنات على وقوع العقد على بنت معيّنة ثمّ اختلفا فادّعى الأب أنها الكبرى مثلاً وادّعى الزّوج أنها الصغرى ، ففي هذه المسألة ينتهي الأمر مع عدم البيِّنة إلى التحالف لا محالة بلا فرق بين رؤية الزّوج إيّاهنّ وعدم رؤيته ، ولم ينسب القول بالبطلان فيها في فرض عدم الرؤية وبتقديم قول الأب في فرض الرؤية إلى أحد . الثانية ما إذا لم يتّفقا على وقوع العقد على امرأة معيّنة واتّفقا على عدم التسمية والتعيين حال العقد فادّعى الأب أنه نوى تزويج الكبرى وادّعى الزّوج أنه نوى التزويج بالصغيرة ، ففي هذه الصورة حكم الشيخ وأتباعه وجملة من المتأخِّرين بل قيل : إنه الأشهر ; بتقديم قول الأب فيما إذا رآهنّ الزّوج وبالبطلان فيما إذا لم يرهن عملاً بصحيحة أبي عبيدة الواردة في هذا الموضوع ، وهذا هو الصحيح ، وخالف في ذلك الحلي فحكم بالبطلان على الإطلاق فإنه مقتضى القاعدة وهو لا يعمل بأخبار الآحاد ، واختاره جماعة ممّن تأخّر عنه ، ولم ينسب القول بالتحالف في هذه المسألة إلى أحد بل لا معنى له إذ لا تداعي في المقام حتى ينتهي الأمر إلى التحالف .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 15 ح 1 .

ــ[169]ــ

ومع ذلك الأحوط مراعاة الاحتياط . وكيف كان ، لا يتعدّى عن موردها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net