استقلالية الجد والأب في الولاية - تقديم عقد الجد على الأب 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1758


   [ 3872 ] مسألة 9  : كل من الأب والجدّ مستقل في الولاية (4) فلا يلزم الاشتراك ، ولا الاستئذان من الآخر ، فأيهما سبق مع مراعاة ما يجب مراعاته

ـــــــــــــــــــــــــــ
   (4) بلا خلاف فيه ، ويقتضيه إطلاق النصوص .

   نعم ، لصاحب الجواهر (قدس سره) عبارة ربّما تشعر بتوقفه فيه ، حيث قال في شرح قول المحقق (قدس سره) : (فمن سبق عقده صح) : بناء على استقلال كل منهما بالولاية (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 29 : 208 .

ــ[235]ــ

لم يبق محل للآخر (1) . ولو زوّج كلّ منهما من شخص ، فإن علم السابق منهما فهو المقدم ولغي الآخر ، وإن علم التقارن قدّم عقد الجدّ (2) . وكذا إذا جهل التاريخان .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   غير أن مما يقطع به أنه ليس مراده (قدس سره) منها اشتراك الأب والجد في الولاية ، بمعنى اعتبار رضاهما معاً ، وذلك لاختياره (قدس سره) بعد أسطر من هذه العبارة تقديم إنكاح الجدّ لها على إنكاح الأب فيما لو أوقعاه دفعة ، مدعياً الإجماع عليه . فإنه واضح الدلالة على عدم اختياره (قدس سره) القول باشتراكهما معاً في الولاية ، وإنما مراده (قدس سره) منها هو الاحتراز عن تزويج البكر ، حيث إنّ كلاًّ منهما يشترك حينئذ في الولاية معها من دون أن يكون له حق الاستقلال .

   وعلى هذا فيكون معنى ما أفاده (قدس سره) هو : أنّ السبق في إيقاع العقد إنما يكون له أثر ، فيما إذا كانت المولى عليها صغيرة أو كانت كبيرة بكراً ، وقلنا باستقلال الأب والجد في إنكاحها . وأما إذا قلنا باعتبار استئذانها ، باعتبار أنّ «لها في نفسها نصيباً» (1) فلا أثر للسبق ، بل الخيار لها تجيز من العقدين ما شاءت .

   (1) إجماعاً ومن غير الخلاف فيه ، وتدلّ عليه جملة من النصوص المتقدِّمة كصحيحة عبيد بن زرارة وغيرها ، فراجع .

   (2) وتدلّ عليه ـ مضافاً إلى التسالم وعدم الخلاف فيه ـ عدّة من النصوص المعتبرة الدالّة على تقديم عقد الجدّ .

   كصحيحة هشام بن سالم ومحمد بن حكيم عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «إذا زوّج الأب والجد كان التزويج للأوّل ، فإن كان جميعاً في حال واحدة فالجد أولى» (2) .

   وصحيحة عبيد بن زرارة ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الجارية يريد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 2 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 3 .

ــ[236]ــ

   وأمّا إذا علم تاريخ أحدهما دون الآخر ، فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجدّ قدم أيضاً . وإن كان المعلوم تاريخ عقد الأب احتمل تقدّمه (1) . لكن الأظهر تقديم عقد الجد ، لأنّ المستفاد من خبر عبيد بن زرارة أولوية الجدّ ما لم يكن الأب زوّجها قبله ، فشرط تقديم عقد الأب كونه سابقاً (2) وما لم يعلم ذلك يكون عقد الجد أولى .

   فتحصّل أنّ اللاّزم تقديم عقد الجدّ في جميع الصور ، إلاّ في صورة معلوميّة سبق عقد الأب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبوها أن يزوّجها من رجل ، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر ، فقال : «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضارّاً ، إن لم يكن الأب زوّجها قبله ، ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ» (1) .

   فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام) : «إن لم يكن الأب زوّجها قبله» هو تقديم عقد الجدّ في فرض التقارن ، نظراً لعدم صدق ما اعتبر في تقديم عقد الأب ، فتكون مقيدة لأدلّة ولاية الأب لا محالة . وبها نخرج عن القاعدة المقتضية للبطلان ، حيث إن الجمع بينهما غير ممكن ، وترجيح أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح .

   (1) لأصالة عدم وقوع العقد من الجد إلى حين وقوع العقد من الأب ، فيحكم بصحته لعدم المعارض .

   (2) وتوضيح ذلك : أن مقتضى صحيحة عبيد بن زرارة هو تقديم عقد الجد مطلقاً ، ومن دون فرق بين جميع الصور باستثناء ما إذا كان عقد الأب سابقاً ، فإنّ هذه الصورة هي المستثناة من ولاية الجد ونفوذ عقده وخارجة منها خاصّة .

   ومن هنا ففي جميع هذه الصور يجري استصحاب عدم سبق عقد الأب على عقد الجدّ ، من غير فرق بين العلم بالتاريخ أو الجهل به ، والقول بجريان الاستصحاب في معلوم التاريخ وعدمه . ولا يعارضه استصحاب عدم وقوع العقد من الجد إلى زمان وقوع العقد من الأب ، لأنه لا يثبت السبق .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 2 .

ــ[237]ــ

   ولو تشاحّ الأب والجدّ ، فاختار كل منهما واحداً ، قدّم اختيار الجدّ (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وبعبارة اُخرى نقول : إنّ صحيحة عبيد وإن لم تكن تتضمن لفظ السبق ، وإنما المذكور فيها عنوان القبلية، فما أفاده الماتن (قدس سره) لا يخلو من التسامح في التعبير. ومع ذلك فالمراد به ليس هو تقديم عقد الجد ما لم يسبقه عقد الأب ، بمعنى لحوق عقد الجد له ، كي يتمسك باستصحاب عدم وقوعه إلى حينه ، فإنه غير معتبر جزماً ولذا يحكم بصحّة عقد الأب حتى ولو لم يقع عقد من الجد بالمرة ، مع أنه لم يتحقق السبق بهذا المعنى لعدم تحقق اللحوق ، فإنهما من العناوين المتضايفة لا يمكن تحقق أحدهما من دون تحقق الآخر . وإنما المراد منها الحكم بصحّة عقد الجد على الإطلاق ما لم يكن عقد الأب سابقاً عليه ، كما يظهر ذلك من الالتفات إلى أن الكلام إنما هو في المزاحمة وحيث إن هذا العنوان عنوان وجودي ، فلا يمكن إحرازه باستصحاب عدم عقد الجد إلى زمان عقد الأب .

   ومن هنا فيحكم بصحّة عقد الجد في جميع هذه الصور ، لعدم إحراز شرط تقديم عقد الأب .

   وبالجملة : إنّ المعتبر في تقديم عقد الجدّ قيد عدمي ، فيمكن إحرازه عند الشك فيه بالأصل . وهو بخلاف القيد المعتبر في تقديم عقد الأب فإنه وجودي ، فلا ينفع في إحرازه التمسك باستصحاب عدم تقدّم عقد الجد عليه ، فإنه لا يثبت كون عقده قبل عقد الجدّ .

   (1) وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ، ولابنه أيضاً أن يزوجها» . فقلت : فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً ؟ فقال : «الجدّ أولى بنكاحها» (1) .

   وقوله (عليه السلام) في صحيحة عبيد الله بن زرارة : «فإنّ هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً فالجدّ أولى بنكاحها» (2) ومعتبرته الثانية المتقدِّمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 1 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 7 .

ــ[238]ــ

ولو بادر الاب فعقد ، فهل يكون باطلاً ، أو يصح ؟ وجهان ، بل قولان (1) من كونه سابقاً فيجب تقديمه ، ومن ان لازم اولوية اختيار الجد ((1)) عدم صحّة خلافه . والاحوط مراعاة الاحتياط .

   ولو تشاح الجد الأسفل والأعلى ، هل يجري عليهما حكم الأب والجد ، أوْ لا ؟ وجهان ، أوجههما الثاني ، لأنهما ليسا أباً وجدّاً بل كلاهما جدّ ، فلا يشملهما ما دلّ على تقديم الجد على الأب (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) كما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) ، حيث ذكر بعد القول بالصحّة أنه : قد يقال ببطلان عقده حينئذ (2) فإنه ظاهر في كونه قولاً وإن كان نادراً .

   وكيف كان ، فالصحيح هو الثاني .

   والوجه فيه أن أوْلوية عقد الجد في هذه الموارد ـ  كما دلّت عليه النصوص المعتبرة  ـ ليست هي بمعنى الأفضلية ، وإنما هي بمعنى ثبوت الولاية له دون الأب ، ومن هنا فتكون هذه النصوص مقيدة لأدلّة ولاية الأب ، بغير فرض هوى الجدّ رجلاً آخر ، ومعه فلا مجال للقول بالصحّة في المقام .

   ومنه يظهر الحال في التمسك باطلاق صحيحة هشام بن سالم ومحمّد بن حـكيم فإنه لا مجال للتمسك به بعد ثبوت المقيد له .

   وأما حمل الأولوية على الأولوية الاستحبابية أو الوجوبية التكليفية ، فهو على خلاف الظاهر جداً ، كما يشهد له ورود عين هذا التعبير في فرض تقارن عقديهما .

   والحاصل أن هذا القول وإن كان نادراً بل لم يعلم القائل به ، إلاّ أنه هو المتعيّن بحسب الأدلّة والنصوص .

   (2) إلاّ أنه قد يشكل على ما أفاده (قدس سره) ، بأنّ النصوص الواردة في المقام وإن كانت كلّها تختص بالأب والجدّ ، غير أن مقتضى التعليل المذكور في روايتين هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد أن يكون هذا هو الأظهر .

(2) الجواهر 29 : 209 .

ــ[239]ــ

التعدِّي إلى الجدّ الأسفل مع الجدّ الأعلى ، وهاتان الروايتان هما :

   أوّلاً : رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «إني لذات يوم عند زياد بن عبدالله إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال : أصلح الله الأمير إن أبي زوّج ابنتي بغير إذني ، فقال زياد لجلسـائه الذين عنده : ما تقولون فيما يقول هذا الرجل ؟ فقالوا : نكاحه باطل . قال : ثمّ أقبل عليّ فقال : ما تقول يا أبا عبدالله ؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم : أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن رجلاً جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا ، فقال له رسوله الله (صلّى آله عليه وآله وسلّم) : أنت ومالك لأبيك ؟ قالوا : بلى . فقلت لهم : كيف يكون هذا وهو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه ؟ ! قال : فأخذ بقولهم ، وترك قولي» (1) .

   فإنّ التعليل بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أنت ومالك ـ بفتح اللام كما يقتضيه استشهاده (عليه السلام) بهذه الكلمة في النكاح ـ لأبيك» يقتضي عدم اختصاص الحكم بالأب بلا واسطة مع الجد ، وعموم الحكم للجد الأسفل مع الجد الأعلى ، فإنه وماله له .

   ثانياً : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته ، فهوى أن يزوّج أحدهما وهوى أبوه الآخر ، أيهما أحق أن ينكح ؟ قال : «الذي هوى الجد أحقّ بالجارية ، لأنها وأباها للجد» (2) .

   فإنها وبعموم التعليل تدلّ على ثبوت الحكم للجدين الأسفل والأعلى .

   لكن في الاستدلال بكلتا الروايتين نظر :

   أما الاُولى : فهي ـ مضافاً إلى ضعف سندها بسهل بن زياد ـ لا دلالة فيها على تقدّم هوى الجد على هوى الأب عند التشاح ، أو عقد الجد على عقده عند التقارن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 5 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 8 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net