حكم العقد الفضولي بالنسبة للأصيل - ردّ المعقود أو المعقودة فضولاً العقد 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3493


   [ 3895 ] مسألة 32 : إذا كان العقد لازماً على أحد الطرفين من حيث كونه أصيلاً أو مجيزاً، والطرف الآخر فضولياً ولم يتحقق إجازة ولا ردّ، فهل يثبت على الطرف اللازم تحريم المصاهرات(2)، فلو كان زوجاً يحرم عليه نكاح اُم المرأة وبنتها واُختها والخامسة ، وإذا كانت زوجة يحرم عليها التزويج بغيره؟ وبعبارة اُخرى: هل يجري عليه آثار الزوجية وإن لم تجر على الطرف الآخر أوْ لا؟ .

ـــــــــــــــــــــــــــ
   (2) الكلام في هذه المسألة يقع في نقاط :

   النقطة الاُولى : في لزوم العقد بالنسبة إلى الأصيل أو المجيز ، بحيث لا يكون له رفع اليد عنه ما لم يرد الطرف الآخر . وعدمه ، كما هو الحال في رفع اليد عن الإيجاب قبل القبول .


ــ[280]ــ

   الذي يظهر من كلمات بعضهم ، واختاره شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) بل يظهر من كلمات الشيخ (قدس سره) (2) هو الأوّل .

   واستدلّ عليه بقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بدعوى أنه انحلالي بالنسبة إلى طرفي العقد ، فيجب على الطرف الأوّل الالتزام به ، حتى ولو لم يجب ذلك على الطرف الآخر لعدم صدور القبول منه .

   وفيه : أن موضوع الأمر بالوفاء والحكم باللزوم إنما هو العقد ، وهو على ما تقدّم غير مرّة عبارة عن ربط التزام بالتزام آخر ، كما هو الحال في عقد الحبل وشدّه بآخر . ومن هنا فمع عدم التزام الطرف الآخر لا يصدق العقد ، ولا يكون موضوع الأمر بالوفاء واللّزوم ، الذي هو بمعنى عدم قابليته للنقض والانحلال ، متحقِّقاً .

   وعليه فيكون حاله حال رفع اليد عن الايجاب قبل القبول ، بل يكون هو من مصاديقه ، فإن قبول الفضولي لا يعتبر التزاماً كي ينضم إلى التزام الأصيل ، فإنه لا يلتزم بشيء وإنما ينشئ أمراً يتعلّق بالغير .

   ثمّ إن شيخنا الاُستاذ (قدس سره) قد استدل على اللزوم ، بأن الأصيل بنفس الإنشاء قد ملك التزامه للطرف الآخر ، ومن هنا فليس له أن يرجع فيه ، نظراً لكونه مملوكاً للغير .

   وفيه : أن الالتزام ليس متعلقاً للتمليك وإنما هو التزام به ، فليس هو مملوكاً للغير بل لم يتحصل لنا معنى معقول لملكية الالتزام وإن كانت الاعمال قابلة للملك . على أن لازم ذلك بقاء الملك بلا مالك ، فإن الأصيل لا يملكه لأن المفروض أنه قد ملكه للغير ، والفضولي أجنبي عنه بالمرة فلا معنى لكونه هو المالك ، ولا يملكه من له الإجازة لعدم صدور القبول منه ، والملكية لا تكون قهرية بل تحتاج إلى الإيجاب والقبول ، فلا معنى لحصولها قبل القبول . فيبقى الملك بلا مالك ، وهو محال .

   إذن فلا دليل على لزوم هذا الالتزام وعدم جواز رفع اليد عنه ، لعدم صدق العقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب النكاح 20 : 110 طبع المؤتمر العالمي .

(2) انظر النهاية : 466 .

 
 

ــ[281]ــ

في المقام ، وإن عبر عنه بالعقد الفضولي مسامحة . ويترتب على ذلك صحّة جميع التصرفات المنافية له ونفوذها ، ويكون ذلك فسخاً فعلياً للإنشاء الأوّل ، ومعه فلا يبقى أثر للقبول اللاحق . ومنه يظهر ما في صدر عبارة الماتن (قدس سره) من التعبير بـ (إذا كان العقد لازماً) فإنه لا وجه له ، اللّهمّ إلاّ أن يحمل على المسامحة .

   النقطة الثانية : في جواز التصرفات المنافية للإنشاء وعدمه من حيث الحكم التكليفي ، بعد البناء على لزوم الالتزام من طرف الأصيل والمجيز .

   اختار شيخنا الأنصاري (قدس سره) الأوّل بناءً على القول بالنقل ، والثاني بناءً على القول بالكشف . واستدل عليه بالأمر بالوفاء بالعقد ، حيث إن مقتضاه ترتيب آثاره عليه ، وهو يعني عدم جواز التصرف المنافي له (1) . وهذا منه (قدس سره) يبتني على ما ذكره في مبحث أصالة اللزوم في المعاطاة ، من أن المراد من الوفاء بالعقد هو ترتيب آثاره عليه . إلاّ أننا قد ذكرنا في محله ، أن معنى الوفاء إنما هو إنهاء الالتزام واستمراره ، فصرفه عن معناه والالتزام بأن المراد به هو ترتيب الآثار عليه ، يحتاج إلى القرينة وهي مفقودة .

   إذن فالوفاء الذي تعلق به الأمر ، يدور أمره بين أن يكون حكماً تكليفياً ، أو يكون إرشاداً إلى عدم تحقق نقضه في الخارج ، نظير قوله (عليه السلام) : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (2) . وحيث إن الأوّل غير محتمل ، لأن لازمه نفوذ الفسخ وإن كان محرماً من حيث الحكم التكليفي ، وذلك لأن الحكم لا يتعلق إلاّ بأمر مقدور إذ لا معنى لوجوب الممتنع أو حرمته ، وعليه فيكون معنى حرمة الفسخ هو نفوذه وتأثيره وهذ ممّا لا يقول به أحد ، فيتعيّن الثاني .

   ولو تنزّلنا عن هذا كلّه ، وقلنا بأن معنى الوفاء بالعقد هو ترتيب الآثار ، وأن الآية الكريمة تتضمن حكماً تكليفياً ، إلاّ أن ذلك لا ينفع فيما ذكره (قدس سره) من اللزوم في المقام . والوجه فيه أن موضوع الأمر بالوفاء إنما هو العقد ، وقد عرفت أنه غير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب النكاح 20 : 110 طبع المؤتمر العالمي .

(2) الوسائل 2 : 287 أبواب الحيض باب (7) ح 2156 .

ــ[282]ــ

متحقِّق في الخارج ، لعدم تحقق الالتزام من الطرف الآخر .

   ومن هنا يظهر أنه لا وجه لتقييد الماتن (قدس سره) للجواز بما إذا لم يعلم لحوق الإجازة من الآخر بعد ذلك ، حتى بناءً على القول بالكشف ، إذ ليس بالفعل حكم بالملكية أو الزوجية ، نظراً لعدم تحقق العقد كما عرفت ، فيكون تصرفه فيه تصرفاً في ملكه .

   نعم ، قد يقال بذلك بناءً على الكشف الحقيقي ، لانكشاف وجود الزوجية حين العقد واقعاً بعد ذلك .

   إلاّ أنه أيضاً قابل للدفع ، باعتبار أن الكشف الحقيقي أيضاً إنما يكون مع استمرار الطرف الأصيل على التزامه وبقائه إلى حين الإجازة ، وأما بعد رفع اليد عنه فلا مجال للكشف بالإجازة من الطرف الثاني عن وجود الزوجية آنذاك .

   النقطة الثالثة : في نفوذ تصرفات الأصيل المنافية لالتزامه قبل الإجازة وعدمه على تقدير لحوق الإجازة والقول بأنها كاشفة .

   ذهب الماتن (قدس سره) إلى الثاني مع التزامه بالجواز تكليفاً ، بدعوى أن الاجازة لما كانت كاشفة عن صحّة العقد من حينه وإن كان الاعتبار من حينها ، كان لازم ذلك بطلان جميع التصرفات المنافية له والمتأخرة عنه زماناً . فلو تزوّج إحدى الاُختين فضولاً ، ثمّ تزوّج الاُخرى برضاها ، ثمّ أجازت الاُولى العقد ، كانت هذه الإجازة كاشفة عن زوجية الاُولى له من حين العقد ، ولازم ذلك هو بطلان عقد الثانية ، نظراً لحرمة الجمع بين الاُختين .

   والتحقيق : أنّ الحكم في هذه النقطة مبني على المختار في النقطة الاُولى . فإن قلنا فيها بلزوم العقد ، كما اختاره شيخنا الأنصاري (قدس سره) ، كان الأمر كما ذكره الماتن (قدس سره) ، من نفوذ العقد الفضولي بالإجازة ، وبطلان التصرف المنافي له . وإن قلنا بما اخترناه من عدم اللّزوم لعدم تحقق مفهوم العقد ، فالظاهر هو الحكم بصحّة العقد الثاني ونفوذه ، وبطلان الالتزام الأوّل لرفع اليد عنه بالتصرف المنافي له فإنه يعد فسخاً ورداً له ، ومعه فلا يبقى مجـال للحوق الإجازة وانضمامها إليه كي يتحقّق به مفهوم العقد .

ــ[283]ــ

   قـولان ، أقواهما الثاني، إلاّ مع فرض العلم بحصول الإجازة بعد ذلك ((1)) الكاشفة عن تحقّقها من حين العقد (1) . نعم ، الأحوط الأوّل ، لكونه في معرض ذلك بمجيء الإجازة. نعم ، إذا تزوّج الأم أو البنت مثلاً ، ثمّ حصلت الإجازة كشف عن بطلان ذلك ((2)) (2) .

   [ 3896 ] مسألة 33 : إذ ردّ المعقود أو المعقودة فضولاً العقد ولم يجزه لا يترتّب عليه شيء من أحكام المصاهرة، سواء أجاز الطرف الآخر أو كان أصيلاً أم لا، لعدم حصول الزوجية بهذا العقد الغير المجاز، وتبين كونه كأنه لم يكن .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والحاصل أن العقد الثاني محكوم بالصحّة لصدوره من أهله ووقوعه في محلّه ، فإن الإجازة لا محل لها لارتفاع الالتزام الأوّل ، ومعه فلا مجال للكشف عن صحّة العقد الأسبق المقتضية لبطلان العقد الثاني لا محالة .

   نعم ، بناءً على القول بالكشف الحقيقي بحيث تكون الإجازة مجرّد معرف فقط، ربّما يقال ببطلان العقد الثاني، لانكشاف كون الاُخت الاُولى زوجة له من حين العقد واقعاً وإن لم يكن هو عالماً به ، ومعه تبطل زوجية الثانية لا محالة .

   إلاّ أنك قد عرفت فيما تقدّم ، أن القائلين بالكشف الحقيقي إنما يقولون به مع بقاء الأوّل على التزامه ، وأما مع رفع اليد عنه فلم يعرف منهم قائل به .

   (1) عرفت فيما تقدّم أنه لا أثر للعمل بحصول الإجارة بعد ذلك وعدمه ، في جواز التصرف المنافي للالتزام الأوّل ونفوذه ، فإن للأصيل ذلك ما لم يتحقق مفهوم العقد بإجازة الطرف الآخر فعلاً ويؤمر بالوفاء .

   (2) ما أفاده (قدس سره) ، حتى على تقدير تسليم ما تقدّم منه (قدس سره) من كشف الإجازة عن صحّة العقد الأوّل من حينه ، إنما يتمّ في الاُختين والبنت والاُم ، مع فرض تقدّم عقد البنت دون العكس .

   وأما فيه ، كما لو تزوّج الاُم فضولة ثمّ تزوّج بنتها قبل إجازتها هي العقد ثمّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل مع هذا الفرض أيضاً .

(2) فيه منع ، نعم يتم ذلك على الكشف الحقيقي ببعض معانيه ، على إشكال فيه أيضاً .

ــ[284]ــ

   وربّما يستشكل في خصوص نكاح اُم المعقود عليها(1). وهو في غير محله بعد أن لم يتحقق نكاح، ومجرد العقد لا يوجب شيئاً، مع أنه لا فرق بينه وبين نكاح البنت((1)) (2) . وكون الحرمة في الأوّل غير مشروطة بالدخول ، بخلاف الثاني ، لا ينفع في الفراق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أجازت العقد ، فالحكم بالبطلان وإن كان هو المشهور والمعروف بينهم ، وإن لم يكن قد دخل بها كما صرح به بعضهم ، إلاّ أننا لم نعثر على دليل له ، فإنه لم يرد في شيء من النصوص حرمة الجمع بينهما كما هو الحال في الاُختين ، وإنما المذكور في الآية الكريمة والنصوص الشريفة حرمة الربيبة إذا دخل باُمها، فإذا فرض عدم الدخول بها كانت الربيبة داخلة في عنوان (مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ) الذي تضمّنت الآية المباركة حلِّيّته ومقتضى حلّ نكاحها هو صحّة العقد عليها كما هو واضح ، وحينئذ تحرم الاُم لقوله تعالى : (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) ومعه فلا يبقى مجال لإجازتها للعقد السابق .

   والحاصل أنّ البطلان إنما يكون في عقد الاُم دون عقد البنت ، كما هو الحال في الرضاع وما شاكله من الأسباب الموجبة لبطلان عقد الاُم قبل الدخول بها .

   نعم ، لو ثبت ما يدلّ على حرمة الجمع بين الاُم والبنت بهذا العنوان ، تم ما أفاده (قدس سره) من بطلان عقد البنت ، بناءً على تسليم ما أفاده (قدس سره) من كشف الإجازة عن صحّة العقد من حينه ، إلاّ أن مثل هذا الدليل مفقود .

   (1) وكأن وجهه كفاية العقد الفضولي والمتحقِّق من جانب واحد فقط والربط الحاصل به ، في حرمة اُمها وإن لم تحصل الزوجية .

   (2) الأمر وإن كان كما ذكره (قدس سره) في المقام، فإنّ مجرّد العقد لا يوجب شيئاً، إلاّ أن ما أفاده (قدس سره) من النقض وعدم الفرق بين نكاح الاُم ونكاح البنت لا يمكن المساعدة عليه ، حتى بناءً على ما ذهب إليه المشهور من حرمة الجمع بينهما .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأمر وإن كان كذلك في المقام حيث لم يتحقّق عقد قبل الإجازة إلاّ أنّ بين نكاح الأُم ونكاح البنت فرقاً من جهة أخرى ، وهي أنّ مجرّد نكاح الأُم لا يوجب بطلان العقد على البنت ، فلو عقد على البنت والحال هذه بطل عقد الأُم ، وهذا بخلاف عقد البنت فإنه بمجرّده يوجب بطلان العقد على الأُم .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net