قيام الوارث مقام الموصي له قبل القبول أو الرد 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1996


   [ 3905 ] مسألة 7  : إذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد ، فالمشهور قيام وارثه مقامه في ذلك (2) . فله القبول إذا لم يرجع الموصي عن وصيّته ، من غير فرق بين كون موته في حياة الموصي أو بعد موته ، وبين علم الموصي بموته وعدمه .

   وقيل بالبطلان بموته قبل القبول .

   وقيل بالتفصيل بين ما إذا علم أن غرض الموصي خصوص الموصى له فتبطل وبين غيره فلورثته .

 ـــــــــــــــــــــــــــ
   (2) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :

   الأوّل : في موت الموصى له في حياة الموصي .

   الثاني : في موته بعد وفاة الموصي .

   أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الشك في كون مقتضى القاعدة فيه البطلان ، لأن المنشأ من قبل الموصي إنما هو ملكية الموصى له بعد موته ـ الموصي ـ وهذا غير قابل للتحقق في الخارج ، نظراً لسقوط الموصى له بموته عن قابليته للملك .

   لكن ومع ذلك ذهب المشهور إلى الصحّة وانتقال الوصيّة إلى الورثة .

   واستدل عليه بوجوه :

   الوجه الأوّل : أن القبول حق للموصى له ، فينتقل بموته إلى ورثته .


ــ[313]ــ

   والقول الأوّل وإن كان على خلاف القاعدة مطلقاً ـ بناءً على اعتبار القبول في صحّتها ـ لأن المفروض أن الإيجاب مختص بالموصى له. وكون قبول الوارث بمنزلة قبوله ممنوع. كما أن دعوى انتقال حق القبول إلى الوارث أيضاً محل منع صغرى وكبرى، لمنع كونه حقاً، ومنع كون كل حق منتقلاً إلى الوارث ـ حتى مثل ما نحن فيه ـ من الحق الخاص به، الذي لا يصدق كونه من تركته .

   وعلى ما قوينا من عدم اعتبار القبول فيها ، بل كون الرد مانعا أيضاً ، يكون الحكم على خلاف القاعدة في خصوص صورة موته قبل موت الموصى له ، لعدم ملكيته في حياة الموصي .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ويرده ما ذكره الماتن (قدس سره) من منعه صغرى وكبرى . إذ ليس كل ما يجوز للإنسان أن يفعله يعدّ من الحقوق ، بل حال القبول هنا حال سائر الاُمور السائغة له وكالقبول في سائر المعاملات . فإن الحق عبارة عن حكم تكليفي محض أو وضعي محض يتعلق دائماً بفعل الإنسان نفسه قابل للاسقاط ، فكل حكم تكليفي أو وضعي قابل للإسقاط فهو حق ـ بالمعنى المصطلح ـ وكل حكم كذلك لا يقبل الإسقاط وليس أمره بيد المكلف فهو حكم ـ بالمعنى الذي يقابل الحق ـ .

   بيان ذلك : أن الملكية ـ التي هي في قبال الحكم التكليفي ـ قد تتعلّق بالأعـيان الخارجية ، أو في الذمّة ، وقد تتعلق بالمنافع ، سواء أكانت من قبيل الأعمال الخارجية أم كانت قائمة بعين خارجي كسكنى الدار وركوب الدابة. ولا تتعلق بفعل الإنسان نفسه ، فإنه ليس من الملكية بالمعنى المصطلح، وإن كان منها بمعنى السلطنة .

   وأما الحقوق فهي تتعلق دائماً بفعل من له الحق نفسه ، وقد يكون من عليه الحق معيّناً كحق الشفعة والخيار ، وقد لا يكون كذلك كحق التحجير ، حيث إن من عليه الحق إنما هو جميع البشر . ولكن على كلا التقديرين ، لا يكون الحق إلاّ حكماً متعلقاً بفعل نفس من له الحق .

   والفرق بينه وبين سائر الأحكام ، أن من له الحق له إسقاطه إذا شاء ، وهو بخلاف سائر الأحكام ، وإلاّ فليس هناك أي فرق بينهما .

ــ[314]ــ

   لكن الأقوى مع ذلك هو إطلاق الصحّة كما هو المشهور ، وذلك لصحيحة محمّد بن قيس الصريحة في ذلك ، حتى في صورة موته في حياة الموصي ، المؤيّدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والذي يدلنا على ذلك أنا لا نرى أي فرق بين جواز قتل القاتل عمداً قصاصاً وجواز قتل الكافر الحربي ، وكذا جواز الفسخ في البيع الخياري وجواز الفسخ في الهبة لغير الرحم ، ومثله اللزوم الحقي كالبيع واللزوم الحكمي كالنكاح .

   فإنه لا فرق بين هذه الأحكام من أي جهة من الجهات كانت ، سوى أن الأوّل منها قابل للإسقاط ، سواء بالعفو ، أو إسقاط الخيارات ، أو الإقالة . بخلاف الثاني حيث إن أمره ليس بيد المكلف وليس له إسقاطه ، اتفق مع الطرف الآخر أم لم يتّفق فإنّ النكاح مثلاً لا يرتفع بتواطؤ الزوجين عليه بل لا بدّ من الطلاق ، أو سائر الأسباب الموجبة لرفعه .

   والحاصل أن الحق ليس شيئاً وراء الحكم الشرعي ـ التكليفي أو الوضعي ـ وإنما هو هو بعينه ، غاية الأمر أنه متعلق بفعل الإنسان نفسه وقابل للإسقاط من قبله وليس هو مرتبة ضعيفة من الملكية .

   فإن قلت : إن الحكم الشرعي كيف يمكن انتقاله إلى الورثة بالإرث .

   قلت: إن ذلك لا يختص بما ذكرناه بل يجري على جميع التقادير في الحق، فإنه بأي معنى كان ـ حتى ولو بمعنى الملكية ـ يختلف عن سائر الأموال في الإرث. فإن الإرث في غيره إنما يكون في المال لا في الملكية التي هي أمر اعتباري، إذ الذي ينتقل إلى الورثة بعد الديون والوصايا إنما هو أموال الميت بما فيها المنافع والأعمال المملوكة له ـ  والتي يعبر عنها في الاصطلاح بـ «ما ترك» ـ حيث يوجد للورثة ملكية جديدة بعد زوال ملكية الميت عنها .

   وهذا بخلاف الحق ، فإنه وبعد أن لم يكن من الأعيان الخارجية أو المنافع ، حيث إنه ليس من الموجودات التكوينية من الجواهر أو الأعراض ، وإنما هو محض اعتبار شرعي أو عقلائي على جميع معانيه ، يكون المنتقل إليهم نفس المعتبر بهذا الاعتبار لا محالة .

ــ[315]ــ

   والحاصل أن الحق يغاير غيره في الإرث . فإن المنتقل إلى الورثة في غيره إنما هو نفس المال الذي تتعلق به الملكية ، وأما نفس الملكية فهي لا تقبل الانتقال . في حين إن المنتقل فيه إنما هو نفس الحق ، والمعتبر بالاعتبار الشرعي أو العقلائي .

   ومما تقدّم يتضح ما أفاده الماتن (قدس سره) من منع كون قبول الوصيّة حقّاً، لأنها ليست إلاّ إنشاء لملكية الموصى له بعد وفاة الموصي ، وقبول ذلك على تقدير القول باعتباره كالقبول في سائر العقود، بل كسائر الأفعال المباحة كالقيام والجلوس، محكوم بالجواز الحكمي ولا يكون من الحقوق في شيء .

   ومع غض النظر عن ذلك ، فإن ثبوت الحق إما أن يكون بجعل من الشارع كحق الشفعة والتحجير ، وإما أن يكون بجعل من المكلف وإمضاء الشارع له كالخيار في العقود . والحق المدعى في المقام ليس من أحدهما ، فإن الذي أنشأه الموصي ليس إلاّ الملكية بعد الموت ، والذي أمضاه الشارع هو الملكية بعد الموت أيضاً . نعم ، اعتبر القبول في نفوذ الوصيّة بناءً على القول به ، للإجماع . ولا شيء من ذلك يقتضي كونه حقّاً له .

   ثمّ إنا إذا تنزلنا وبنينا على أنه حق للموصي ، فإن مثل هذا الحق غير قابل للانتقال إلى الورثة . وكبرى قابلية كل حق للانتقال إلى الوارث ممنوعة ، فإن منه ما يقوم بذي الحق نفسه ، فلا يقبل الانتقال إلى غيره . والقبول من هذا القبيل ، فإن الوارث لا يمكنه القبول لنفسه ، لأن الموصي لم ينشئ ذلك ، ولا يمكنه القبول للموصى له ، لأنه غير قابل للملكية .

   الوجه الثاني : ما ذكره بعضهم من أن مقتضى إطلاقات الوصيّة نفوذها ، سواء أتعقّبها القبول أم لم يتعقّبها ، إلاّ أننا قد خرجنا عنها بالإجماع على اعتبار القبول وحيث إن الاجماع دليل لبي فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن منه ، وهو القبول في الجملة والأعم من قبول الموصى له هو وقبول ورثته ، فيحكم عند تحقّقها بصحّتها لا محالة .

   وفيه : أنه إنما يتم على تقدير كون موت الموصى له بعد موت الموصي وقبل قبوله والقول بكون القبول كاشفاً . فيقال حينئذ : إن قبول الوارث كاف ، لأن الإجماع إنما

ــ[316]ــ

قام على اعتبار القبول في الجملة .

   وأما لو كان موته في حياة الموصي كما هو مفروض الكلام ، فلا معنى لقيام ورثته مقامه ، بعد أن لم يكن هو قابلاً للملكية نتيجة للموت .

   ومنه يظهر الحال فيما لو كان موته بعد موت الموصي ، لكن قلنا بكون القبول ناقلاً فإنّه لا أثر له من الورثة ، إذ المنشأ إنما هو ملكية الموصى له بعد الموت ، وهو غير قابل لها بالفعل .

   الوجه الثالث : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب ، فتوفي الموصى له الذي أوصى له قبل الموصي ، قال : الوصيّة لوارث الذي أوصى له ، قال: ومن أوصى لأحد شاهداً كان أو غائباً، فتوفي الموصى له قبل الموصي، فالوصيّة لوارث الذي أوصى له، إلاّ أن يرجع في وصيّته قبل موته»(1). فإنها صحيحة سنداً وصريحة دلالة .

   ودعوى أن اشتراك محمد بن قيس بين الثقة والضعيف ، يمنع من الحكم بصحتها والأخذ بها .

   مدفوعة بأن الذي يروي قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أبي جعفر (عليه السلام) ويروي عنه عاصم بن حميد ، إنما هو الثقة ، على ما حقق في محله من الرجال (2) .

   ويؤيدها أوّلاً : صحيحة العباس بن عامر ، قال : سألته عن رجل أوصي له بوصيّة ، فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقباً ؟ قال : «أطلب له وارثاً أو مولى فادفعها إليه» . قلت : فإن لم أعلم له ولياً ؟ قال : «اجهد على أن تقدر له على ولي ، فإن لم تجد وعلم الله منك الجدّ فتصدق بها» (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 1 .

(2) معجم رجال الحديث 9 : 180 رقم 6054 .

(3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 2 .

ــ[317]ــ

بخبر الساباطي وصحيح المثنى. ولا يعارضها صحيحتا محمد بن مسلم ومنصور ابن حازم بعد إعراض المشهور عنهما، وإمكان حملها على بعض المحامل منها التقيّة ، لأن المعروف بينهم عدم الصحّة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ووجه جعلها مؤيدة التردد في المراد بالقبض . فإن المراد به إن كان هو القبض الخارجي فقط ، فالرواية أجنبية عن محل الكلام ، فإن الظاهر حينئذ أن الموصى له كان له أن يقبض ولكنه مات قبل قبضه ، وعليه فحياة الموصى له وموت الموصي مفروغ عنهما . وأما إن كان المراد به هو القبول ، كما هو ليس ببعيد من جهة أن القبول غالباً ما يكون به ، فهي بترك الاستفصال وعدم السؤال عن أن موت الموصى له كان بعد موت الموصي أو قبله ، تدلّ على المدعى .

   وأمّا المناقشة في سندها من جهة أن المذكور في الكافي وإن كان رواية العباس بن عامر عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة (1) إلاّ انها لم تثبت . فإن الصدوق والشيخ روياها عن العباس بن عامر ، عن المثنى ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)(2) وحيث إن المثنى هذا مجهول ، فلا مجال للحكم بصحّتها .

   مدفوعة بأن الظاهر أن المثنى هذا هو عبد السلام ، كما صرح به في تفسير العيّاشي(3) وهو ثقة .

   على أنه لو تمّ التردّد ، فهو مردّد بين المثنى بن عبد السلام ، والمثنى بن الوليد وكلاهما ثقة على ما ذكره الكشي عن مشايخه(4) .

   ثانياً : رواية محمد بن عمر الباهلي (الساباطي) ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أوصى إليّ وأمرني أن اُعطي عماً له في كل سنة شيئاً ، فمات العم ؟

   فكتب : «اعط ورثته»(5) . فإنها بترك الاستفصال ، تدلّ على عموم الحكم لصورة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي 7 : 13 .

(2) التهذيب 9 : 231  /  905 ، الاستبصار 4 : 138  /  517 ، الفقيه 4 : 156  /  542 .

(3) تفسير العياشي 1 : 77 / 171 .

(4) رجال الكشي : 338 رقم 623 .

(5) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 3 .

ــ[318]ــ

   نعم، يمكن دعوى انصراف الصحيحة عمّا إذا علم كون غرض الموصي خصوص شخص الموصى له على وجه التقييد. بل ربّما يقال: إنّ محل الخلاف غير هذه الصورة. لكن الانصراف ممنوع، وعلى فرضه يختص الإشكال بما إذا كان موته قبل موت الموصي، وإلاّ فبناءً على عدم اعتبار القبول بموت الموصي صار مالكاً بعد فرض عدم ردّه ، فينتقل إلى ورثته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موت الموصى له قبل الموصي أيضاً .

   ووجه جعلها مؤيدة أنها ضعيفة سنداً ، لأن محمد بن عمر الباهلي لا وجود له في الرجال ، ومحمد بن عمر الساباطي لم يوثق .

   على أن موردها هي الوصيّة العهدية ، ومحل الكلام هي الوصيّة التمليكية .

   فالعمدة في الاستدلال هي صحيحة محمد بن قيس الدالة على المدعى صريحاً .

   إلاّ أن بإزائها صحيحتين :

   اُولاهما : صحيحة محمّد بن مسلم وأبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي قال : «ليس بشيء» (1) .

   ثانيتهما : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل أوصى لرجل بوصيّة إن حدث به حدث ، فمات الموصى له قبل الموصي ؟ قال : «ليس بشيء» (2) .

   ومعارضة هاتين الصحيحتين لصحيحة محمد بن قيس ، مبنية على رجوع الضمير في قوله (عليه السلام) : «ليس بشيء» إلى الإيصاء ، إذ لو كان الضمير راجعاً إلى الموت كما يقتضيه قربه إليه ، كانت هاتان الصحيحتان موافقتين لصحيحة محمّد بن قيس .

   وكيف كان ، فمع فرض التعارض بينها لا ينبغي الشك في تقديم صحيحة محمد بن قيس ، نظراً لمخالفتها لمذهب العامة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 4 .

(2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 5 .

ــ[319]ــ

   إذن فهي المعتمد في مقام الفتوى ، على ما عليه المشهور .

   وأما الجمع بين هذه النصوص بحمل صحيحة محمد بن قيس على فرض عدم تقييد الوصيّة ، وحمل المعارض لها على فرض التقييد ، فيلتزم بصحتها وانتقال الموصى به إلى ورثة الموصى له في
الأوّل ، والبطلان في الثاني .

   فمدفوع بان المراد من تقييد الوصيّة بالموصى له إن كان تعلق غرضه به شخصاً ، في قبال تعلق غرضه بكون الموصى به من جملة أموال الموصى له يتصرف به هو في حياته وينتقل إلى ورثته بعد وفاته ، فهو وإن كان أمراً ممكناً إلاّ أنه لا أثر له في مقام الإنشاء فإن العبرة في الحكم بالصحّة والفساد ليست بغرض المنشئ وداعيه إلى الإنشاء ، وإنما هي بما ينشئ .

   مع أن حمل صحيحة محمّد بن قيس على الفرض الثاني مما لا شاهد له ، بل هو بعيد ومناف للإطلاق ، بل خلاف الظاهر ، وحمل على الفرد النادر من الوصايا ، حيث إن الغالب منها هو الفرض الأوّل ، أعني وجود خصوصيّة للموصى له .

   وإن كان المراد أن نظر الموصي في مقام إنشاء الوصيّة قد يكون إلى شخص الموصى له ، وقد يكون إليه هو على تقدير حياته وإلى ورثته على تقدير وفاته فالوصيّة قد تكون مقيدة بشخص معين وقد تكون جامعة بينه وبين غيره ، فهو وإن كان ممكناً أيضاً إلاّ أن صحّتها حينئذ على القاعدة ولا تحتاج إلى النص ، إذ الوارث موصى له حقيقة ، فحمل الصحيحة عليها حمل بعيد ولا شاهد فيها عليه ، بل الظاهر منها كون الوصيّة لشخص الميت بنفسه .

   وإن كان المراد أن الموصي تارة يقيد الوصيّة بحياة الموصى له واُخرى يطلق ، فإذا كانت الوصيّة من قبيل الأوّل حكم ببطلانها عند موت الموصى له ، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده ، فهو وإن كان أقرب الوجوه المذكورة في التقييد ، بل يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) أن البطلان في هذه الصورة ليس محلاً للكلام بينهم (1) إلاّ أنه أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، نظراً لعدم الشاهد في صحيحتي محمد بن مسلم ومنصور بن حازم على تقييدهما بذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 28 : 257 ـ 258 .

ــ[320]ــ

   على أن هذا التقييد لا أثر له . فإن الوصيّة مقيدة بذلك في مقام الثبوت ، سواء أقيدها الموصي في مقام الإثبات أم لم يقيدها ، فإن الميت غير قابل للتمليك ابتداءً فالحياة مأخوذة في الموضوع على نحو مفروض الوجود . ومن هنا فلا يكون للتقييد أثر .

   والحاصل أن مقتضى القاعدة وإن كان هو البطلان في فرض موت الموصى له في حياة الموصي ، إلاّ أنه لا بدّ من الخروج عنها لصحيحة محمد بن قيس ، الدالة على النفوذ وانتقال المال إلى ورثته صريحاً .

   ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين فرض التقييد وعدمه .

   وأمّا المقام الثاني : فإن قلنا بأن الوصيّة إيقاع ولا تحتاج إلى القبول كما هو الصحيح ، غاية الأمر أنه يعتبر في نفوذها عدم الرد ، فالأمر واضح . فإن الموصى به ينتقل بمجرّد موت الموصي إلى ملك الموصى له لفرض عدم الرد ، وبموته ينتقل إلى ملك ورثته لا محالة ، فحاله في ذلك حال سائر أمواله ، فلا يعتبر قبولهم جزماً .

   نعم ، يبقى الكلام في تأثير ردهم ، وهل أنه كردّ الموصى له يوجب بطلانها أم لا ؟

   فيه خلاف . والظاهر هو الثاني ، وذلك لإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة ، فإن مقتضاها نفوذها مطلقاً ، سواء أتحقق ردّ أم لم يتحقق ، غاية الأمر أننا خرجنا عنها للإجماع على مانعية الرد ، وحيث إنه دليل لبي فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو ردّ الموصى له نفسه ، فيبقى تأثير رد الورثة بلا دليل . على أن الورثة إنما يتلقون المال من أبيهم بعنوان الإرث ، ولا يتلقونها من الموصي بعنوان الوصيّة . ومن هنا فلا يكون لردهم أي أثر .

   وإن قلنا باعتبار القبول ، فإن اعتبرناه كاشفاً ، فالأمر كما تقدّم ، إذ المتيقن من الإجماع الدالّ على اعتبار القبول اعتباره في الجملة ، أعني الأعم من قبول الموصى له هو وقبول ورثته ، فإذا قبل الورثة كشف ذلك عن ملكية الموصى له للموصى به من حين موت الموصي ، وحينئذ فينتقل إلى ملكهم كسائر أمواله .

   وإن اعتبرناه ناقلاً ، أشكل الحكم بصحّة الوصيّة من هذه الجهة ، فإن ما أنشأه الموصي غير قابل للتحقق في الخارج ، وما تعلق به القبول لم ينشئه الموصي .

 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net