شرائط الموصي : \ الأوّل : البلوغ \ الثاني : العقل 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1618


   [ 3908 ] مسألة 10 : يشترط في الموصي اُمور :

   الأوّل: البلوغ، فلا تصحّ وصيّة غير البالغ(1). نعم، الأقوى ـ وفاقاً للمشهور ـ صحّة وصيّة البالغ عشراً إذا كان عاقلاً، في وجوه المعروف للأرحام أو غيرهم((1)) (2) لجملة من الأخبار المعتبرة (3) خلافاً لابن إدريس ، وتبعه جماعة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه الوصيّة لولد الميت خاصة بعد أن كان السؤال عن حجيتها لمطلق الوارث ، ومفهوم ذلك عدم حجيتها لدى غيرهم ، وهذا التفصيل ممّا لم يقل به أحد ولا يمكن الالتزام به ، فلا بدّ من رفع اليد عنها .

   إذن فالصحيح في الحكم هو التمسك بإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة ولزومها .

   (1) في الجملة إجماعاً .

   (2) في نفوذ وصيّته لغير الأرحام إشكال يأتي عند استعراض النصوص ، فلاحظ .

   (3) منها معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ  في حديث  ـ قال : «إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيّته» (2) .

   ومعتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «إذا أتى على الغلام عشر سنين ، فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حدّ معروف وحقّ فهو جائز» (3) .

   ومعتبرة عبد الرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) أيضاً ، قال : «إذا بلغ الصبي خمسة أشبار اُكلت ذبيحته ، وإذا بلغ عشر سنين جازت وصيّته»(4) .

   ومعتبرة أبي أيوب عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الغلام ابن عشر سنين يوصي قال : «إذا أصاب موضع الوصيّة جازت» (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحّة وصيّته للغرباء محل إشكال .

(2) ، (2) ، (3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 ـ 7 .

(5) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 ـ 7 .

ــ[335]ــ

   ومعتبرة منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته عن وصيّة الغلام ، هل تجوز ؟ قال : «إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيّته» (1) .

   إلى غير ذلك من النصوص المعتبرة سنداً والبالغة حدّ الاستفاضة ، الدالّة على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ عشر سنين صريحاً .

   ودعوى منافاتها لما دلّ على اعتبار العقل ، كمعتبرة جميل بن دراج ( عن محمّد بن مسلم ـ على ما في التهذيب  ـ ) عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيّته وإن لم يحتلم» (2) حيث إنها جعلت العبرة في نفوذ الوصيّة العقل دون البلوغ عشر سنين .

   مدفوعة بأن العقل معتبر لا محالة وعلى كل تقدير ، سواء أوَرد ذكره في النص أم لم يرد ، فإنه معتبر في الموصي البالغ فضلاً عن الصبي الذي لم يبلغ الحلم . ومن هنا فلا يكون ذكره قيداً زائداً ، ومن ثمّ فلا يكون المقام من اختلاف الشرطيتين .

   نعم ، هذه الرواية تخالف تلك النصوص من حيث إطلاقها لعدم البلوغ ، فتشمل حتى الذي لم يبلغ عشر سنين ، إلاّ أن من الواضح لزوم تقييد إطلاقها بتلك ، على ما تقتضيه قواعد الجمع بين المطلق والمقيد .

   هذا ولكن دلّ بعض النصوص على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ ثمان سنوات . ففي رواية الحسن بن راشد عن العسكري (عليه السلام) ، قال : «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله ، وقد وجب عليه الفرائض والحدود ، وإذا تمّ للجارية سبع سنين فكذلك» (3) . وقد ذهب إليه ابن الجنيد (قدس سره) (4) .

   إلاّ أن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها ، وذلك لما اتفقت عليه نسخ الرواية في المصادر على نقلها عن علي بن الحسن بن فضال عن العبدي عن الحسن بن راشد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 ـ 7 .

(2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوقوف والصدقات ، ب 15 ح 2 ، التهذيب 9 : 182  /  733 .

(3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوقوف والصدقات ، ب 15 ح 4 .

(4) انظر فتاوي ابن الجنيد : 238 ـ 244 .

ــ[336]ــ

حيث إن العبدي مجهول ولا يعلم من هو ، لعدم ورود ذكر له في كتب الرجال على الإطلاق .

   نعم ، من المحتمل أن تكون النسخ جميعاً مغلوطة نتيجة للسهو في النسخة الأصلية ، وإن الصحيح هو العبيدي الذي هو محمد بن عيسى بن عبيد ، بقرينة رواية علي بن الحسن بن فضال عنه كثيراً ، وروايته عن الحسن بن راشد كذلك . فالرواية تكون معتبرة ، فإن العبيدي ثقة ، بل قال ابن نوح : (من مثل العبيدي) وإن ناقش فيه ابن الوليد ، إلاّ أننا ذكرنا في معجمنا أن الرجل ثقة (1) .

   لكن ذلك كلّه لا ينفع في التمسك بهذه الرواية والاستدلال بها . وذلك لأنها غير واردة في الوصيّة بخصوصها ، وإنما هي دالّة على جواز أمره مطلقاً ونفوذ جميع تصرفاته عند بلوغه ثماني سنين ، وهي بهذا تخالف جميع النصوص ـ  الموافقة للكتاب  ـ الدالّة على الحجر عليه ورفع القلم عنه، وعدم مؤاخذته بشيء من أفعاله أو أقواله ما لم يبلغ . فلا بدّ من طرحها ورفع اليد عنها ، حتى على تقدير تماميتها سنداً .

   ثمّ إنّ هذه النصوص لا تنافيها صحيحة أبي بصير المرادي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، أنه قال : «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيّته ، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيّته» (2) .

   حيث تضمّنت التفصيل بين الغلام إذا بلغ عشر سنين فتنفذ وصيّته بقدر ثلثه، وبين ما إذا بلغ سبع سنين حيث تنفذ في اليسير من ماله ، فإنها غير مخالفة لما تقدّم بقدر مدلول تلك النصوص .

   نعم ، هي تضمنت نفوذ وصيّة من بلغ سبع سنين في اليسير من ماله . وهذا إن لم يتم اجماع على خلافه فهو ، وإلاّ كما هو الظاهر فلا بدّ من رفع اليد عنها ورد علمها إلى أهله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معجم رجال الحديث 17 : 110 رقم 11508 .

(2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 2 .

ــ[337]ــ

   الثاني: العقل، فلا تصحّ وصيّة المجنون(1). نعم، تصحّ وصيّة الأدواري منه إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنه يظهر الحال في صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك، جازت وصيّته لذوي الأرحام ولم تجز للغرباء» (1) .

   فإن الحال فيها هو الحال في معتبرة أبي بصير المتقدِّمة . فإن تمّ إجماع على عدم التفصيل فلا بدّ من طرحها ، كما يظهر ذلك من ذهاب المشهور إلى عدم الفرق ، وإلاّ كما هو الظاهر فلا بدّ من تقييد إطلاق ما دلّ على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ عشراً .

   وبعبارة اُخرى نقول : إن النسبة بين صحيحة محمد بن مسلم وبين ما دلّ على نفوذ وصيّة الغلام إذا بلغ عشراً ، إنما هي العموم والخصوص من وجه ، فهما قد يجتمعان وقد يفترقان . فيجتمعان في وصيّة الغلام البالغ عشراً لأرحامه . ويفترقان في موردين : وصيّة البالغ عشراً لغير أرحامه ، ووصيّة من لم يبلغ عشراً لأرحامه . حيث إن مقتضى ما دل على نفوذ وصيّة البالغ عشراً هو صحّة الأوّل وفساد الثاني ، في حين إن مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم هو العكس فيهما . وحينئذ فمقتضى القواعد هو التساقط ، والرجوع إلى عموم ما دلّ على حجر الصبي وعدم نفوذ تصرّفاته ما لم يحتلم .

   فما أفاده الماتن (قدس سره) وفاقاً للمشهور ، لا يمكن المساعدة عليه ، لأن القدر المتيقن من نفوذ وصيّة الصبي هو ما إذا بلغ عشراً وكانت وصيّته للأرحام . اللّهمّ إلاّ أن يثبت إجماع على عدم الفرق ، لكنه غير ثابت .

   (1) لرفع القلم عنه فلا أثر لتصرفاته ، ولا تثبت له الكتابة في قوله تعالى : (كُتِبَ عَليْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدكُمُ الْمَوتُ) (2) . وكذا النصوص الواردة في المقام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 1 .

(2) سورة البقرة 2 : 180 .

ــ[338]ــ

كانت في دور إفاقته(1). وكذا لا تصحّ وصيّة السكران حال سكره(2). ولا يعتبر استمرار العقل ، فلو أوصى ثمّ جن، لم تبطل (3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لتمامية الشرط في حقه .

   (2) إذا بلغ حد فقد العقل وسلب الإدراك والشعور ، فإنّه يلحق حينئذ بالمجنون وإلاّ فلا دليل على اعتبار عدمه ، لأن الدليل منحصر في إلحاقه بالمجنون وهو ليس كذلك .

   (3) كما هو مقتضى صريح كلماتهم وحكمهم بصحّة وصيّة المجنون الأدواري في حال إفاقته .

   ودعوى أن الوصيّة من العقود الجائزة ، وهي تبطل بالجنون المتأخر ما لم يدلّ دليل على عدمه ، وهو مفقود في المقام .

   مدفوعة بأنها من الدعاوي التي لم يقم عليها دليل .

   نعم ، هي ثابته في موردين : أحدهما من العقود ، والآخر ليس منها .

   فالأوّل : الوكالة ، حيث إن الوكيل إنما يجوز له التصرّف فيما جاز للموكل التصرّف فيه ، فإذا لم يكن للموكل ذلك للحجر عليه ، لم يكن للوكيل أيضاً . وهذا يعني بطلان الوكالة ، وهل هو على الإطلاق ، أو أنها تعود بعد ارتفاع الجنون ؟ فيه كلام يأتي في محلِّه .

   والثاني : الإباحة والإذن ، حيث يبطلان بالجنون المتأخر بلا إشكال ، باعتبار أنها شرط معتبر في كل تصرّف حيث لا بدّ من كونها مقارناً له ، وهي لا تصحّ من المجنون . إلاّ أنها ليست من العقود .

   وكيف كان ، فثبوت هذه القضية في مورد من العقود ، لا يقتضي ثبوتها وعمومها لكل العقود الجائزة. ومن هنا فلا مجال للحكم بالبطلان في المقام عند طرو الجنون للموصي بعد الحكم بصحتها.

ــ[339]ــ

كما أنه لو اُغمي عليه (1) أو سكر لا تبطل وصيّته . فاعتبار العقل إنما هو حال إنشاء الوصيّة .
ــــــــــــــــــــــ

   (1) يظهر الحال فيه مما تقدّم في الجنون ، بناءً على إلحاقه به لا بالنوم .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net