الاجازة تنفيذ لعمل الموصي - لو ادعى الورثة ظن قلّة المجاز 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1691


ــ[363]ــ

   هذا والإجازة من الوارث تنفيذ لعمل الموصي (1) وليست ابتداء عطية من الوارث ، فلا ينتقل الزائد إلى الموصى له من الوارث ـ بأن ينتقل إليه بموت الموصي أوّلاً ، ثمّ ينتقل إلى الموصى له ـ بل ولا بتقدير ملكه ، بل ينتقل إليه من الموصي من الأوّل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) خلافاً لما ذهب إليه جماعة من الأصحاب ، منهم صاحب الحدائق (قدس سره) حيث يظهر منه الميل إليه (1) .

   وهو وإن كان مقتضى القاعدة ، فإن مقتضى ما دلّ على بطلان الوصيّة في الزائد عن الثلث وعدم نفوذها ، انتقاله إلى الورثة وكونه ملكاً لهم على حد سائر أموالهم غاية الأمر أنا خرجنا عنها في فرض إجازتهم للزائد في حياته لصحيحتي محمّد بن مسلم ومنصور بن حازم المتقدمتين ، فيبقى الباقي بما في ذلك فرض إجازتهم له بعد وفاته على القاعدة ، فيحكم ببطلانها فيه وانتقاله إليهم . نعم ، لهم صرف المال فيما أوصى به الميت ، باعتبار أنّ للمالك السلطنة في صرف ماله كيف ما يشاء .

   إلاّ أنه إنما يتمّ فيما إذا لم يكن دليل يقتضي رفع اليد عن القاعدة في المقام أيضاً وحيث إنه موجود فلا مجال للتمسك بالقاعدة . فإنه يمكن أن يستدل عليه بالأولوية القطعية ، فإنّ الوصيّة إذا نفذت بإجازتهم لها في حال حياته مع كونهم اجنبيين عن المال بالكلية ، فنفوذها بإجازتهم بعد أن أصبحوا مالكين له يكون بطريق أوْلى .

   هذا مضافاً إلى النصوص التي يمكن استفادة ذلك منها .

   ففي صحيحة أحمد بن محمد ، قال : كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن (عليه السلام) : إن درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة أشقاصاً في مواضع ، وأوصت لسيدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث ، ونحن أوصياؤها وأحببنا إنهاء ذلك إلى سيِّدنا ، فإن أمرنا بإمضاء الوصيّة على وجهها أمضيناها ، وإن أمرنا بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر به إن شاء الله . قال : فكتب (عليه السلام) بخطّه : «ليس يجب لها في تركتها إلاّ الثلث ، وإن تفضلتم وكنتم الورثة كان جائزاً لكم إن شاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 22 : 424 و 425 .

ــ[364]ــ

   [ 3914  ] مسألة 5 : ذكر بعضهم : أنه لو أوصى بنصف ماله ـ مثلاً ـ فأجاز الورثة ، ثمّ قالوا : ظننا إنه قليل ، قضي عليهم بما ظنّوه ، وعليهم الحلف على الزائد . فلو قالوا : ظننا أنه ألف درهم ، فبان أنه ألف دينار ، قضي عليهم بصحّة الإجازة في خمسمائة درهم ، واُحلفوا على نفي ظنّ الزائد .فللموصى له نصف ألف درهم من التركة وثلث البقية ، وذلك لأصالة عدم تعلّق الإجازة بالزائد ، وأصالة عدم علمهم بالزائد .

   بخلاف ما إذا أوصى بعين معينة ـ كدار أو عبد ـ فأجازوا ، ثمّ ادعوا أنهم ظنّوا أنّ ذلك أزيد من الثلث بقليل فبان أنه أزيد بكثير فإنه لا يسمع منهم ذلك ، لأنّ إجازتهم تعلّقت بمعلوم ، وهو الدار أو العبد .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله» (1) .

   حيث إن الظاهر منها أن التفضل انما هو إمضاء الوصيّة لا إهداء المال إليه (عليه السلام)، ويؤكِّده قوله (عليه السلام): «وكنتم الورثة» فإنّ تقييده (عليه السلام)، بذلك لا معنى محصل له غير كون حق إجازة الوصيّة لهم ، وإلاّ فهبة المال جائزة ، سواء أكان قد استحصله عن طريق الإرث أم من غيره .

   وصحيحة علي بن الحسن ، قال : مات محمد بن عبدالله بن زرارة وأوصى إلى أخي أحمد بن الحسن ، وخلف داراً وكان أوصى في جميع تركته أن تباع ويحمل ثمنها إلى أبي الحسن (عليه السلام) فباعها ، فاعترض فيها ابن اخت له وابن عم له فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير ، وكتب إليه أحمد بن الحسن ودفع الشيء بحضرتي إلى أيوب بن نوح فأخبره أنه جميع ما خلف، وابن عم له وابن اُخته عرض وأصلحنا أمره بثلاثة دنانير فكتب: «قد وصل ذلك» وترحّم على الميت وقرأت الجواب(2).

   حيث إنها تدلّنا على نفوذ الوصيّة بتمام المال إذا أمضاها الوارث بعد الموت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 1 .

(2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 21 ح 17 .

ــ[365]ــ

   ومنهم من سوى بين المسألتين في القبول . ومنهم من سوى بينهما في عدم القبول. وهذا هو الأقوى(1) أخذاً بظاهر كلامهم في الإجازة، كما في سائر المقامات. كما إذا أقرّ بشيء ثمّ ادعى أنّه ظن كذا ، أو وهب أو صالح أو نحو ذلك ثمّ ادعى أنه ظنّ كذا ، فإنه لا يسمع منه .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمّ إن ثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو مات الوارث أو الموصى له بعد الإجازة وقبل القبض . فعلى ما مال إليه صاحب الحدائق (قدس سره) ينتقل المال إلى ورثة الوارث المجيز ، حيث إن الهبة لا تصحّ إلاّ بالقبض وهو غير متحقّق ، فيكون المال باقياً على ملك الواهب ، وبموته ينتقل إلى ورثته . وأما على ما اخترناه ينكشف بمجرد الإجازة ملك الموصى له للزائد من حينها .

   (1) بل الاقوى هو التفصيل بين الوصيّة بعين معينة ، وبين الوصيّة بالسهام كالنصف والثلثين ونحوهما .

   ففي الاُولى : يحكم بنفوذها من دون أن يكون للورثة حق نقضها ، وذلك لإجازتهم لها ، وانتقال الموصى به إلى ملك الموصى له . واعتقادهم أنها تسوى كذا ـ  فضلاً عن ظنهم  ـ لا أثر له ، لأنه من قبيل تخلف الداعي وهو لا يوجب بطلان الإجازة . كما هو الحال في الهبة اللازمة ، فإنه لو وهب لزيد عيناً باعتقاده أنها لا تسوى إلاّ مائة درهم ، ثمّ انكشف له أنها تسوى ألف درهم ، فإنّ ذلك لا يوجب بطلان الهبة وجواز رجوعه فيها ، لأنه ليس إلاّ من قبيل تخلف الداعي ، وهو لا يقتضي البطلان .

   وفي الثانية : فلا بدّ من التفصيل أيضاً بين ما إذا كان المراد من النصف هو النصف الخارجي على نحو الاشتراك ، بأن يكون الموصى له شريكاً للورثة في نصف ما تركه الموصي عيناً ، وإن كان ذلك نادراً جداً . وما إذا كان المراد به الشركة في المالية بتلك النسبة ، كما هو الغالب في الوصيّة ، لا أن يكون الموصى له شريكاً للورثة في عين المال ، نظير ما تقدّم منا اختياره في باب الزكاة .

فإن كانت الوصيّة من النحو الأوّل ، فهي ملحقة بالوصيّة بعين معينة ، حيث يحكم

ــ[366]ــ

   بل الأقوى عدم السماع حتى مع العلم بصدقهم في دعواهم ((1)) (1) إلاّ إذا علم كون إجازتهم مقيدة بكونه بمقدار كذا (2) فيرجع إلى عدم الإجازة . ومعه يشكل السّماع ((2)) (3) فيما ظنّوه أيضاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بنفوذها من غير تأثير لظنهم قلّة الزائد أو كثرة التركة ، فإنه من تخلف الداعي ، وهو لا يوجب بطلان الإجازة . بل الحال كذلك حتى مع تيقنهم لقلة الزائد ، فإنه لا أثر لانكشاف الخلاف ، كما هو الحال في الهبة اللازمة .

   وإن كانت الوصيّة من النحو الثاني ، فإن علمنا بصدق دعواهم ، فلا مجال للقول بعدم سماعها ، لأنهم إذا اعتقدوا كون التركة ألف درهم فقط فأجازوا الوصيّة بالنصف ، فإنهم إنما أجازوا الخمسمائة درهماً خاصة ، فإذا انكشف كونها ألف دينار فهم لم يمضوا الخمسمائة دينار ، ومعه فكيف تكون نافذة فيها .

   ومنه يظهر أنه مع الشك في صدق دعواهم وعدمه ، لا ترد بقول مطلق بحيث تنفذ عليهم مطلقاً ، بل هي مسموعة وإن كانت تحتاج في مقام القضاء إلى الإثبات ، حيث إنها على خلاف الظاهر . فإن أثبتوها فهو ، وإلاّ مضت الإجازة عليهم .

   (1) قد عرفت أنه إنما يتمّ فيما إذا كانت الوصيّة متعلقة بالعين الخارجية أو بالنسبة على نحو الإشاعة والشركة بالعين ، وأما إذا كانت متعلقة بالنسبة على نحو الشركة في المالية خاصة فالمتعين هو السماع .

   (2) بلا فرق فيه بين تعلق الوصيّة بالعين أو النسبة على نحويها .

   (3) الظاهر كون كلمة (السماع) من سهو القلم ، فإنّ دعواهم ـ على ما عرفت  ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إنّما يتم في مثل الوصيّة بمعلوم كالعبد والدار ، فإنّ الإجازة حينئذ تكون نافذة ولو علم مخالفة علم المجيز لما عليه الموصى به من الماليّة ، فإنّ التخلّف حينئذ من قبيل تخلّف الداعي وهو لا يضرّ بصحّة الإجازة ، وأمّا في مثل الوصيّة بالنصف مثلاً فالمجاز على تقدير اعتقاد المجيز بأنّ المال ألف درهم فرضاً إنّما هي الوصيّة بخمسمائة درهم فلا تكون الإجازة نافذة في الزائد ، وبذلك يظهر أنه لا مانع من سماع الدعوى في هذه الصورة ، إلاّ أنها محتاجة إلى الاثبات لأنها مخالفة لظاهر الكلام .

(2) لعلّه من سهو القلم ، وصحيحه «يشكل القضاء» .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net