إذا حصل للموصي مال بعد الموت - دخول الدية في جملة تركته 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثالث:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1675


   [ 3917 ] مسألة 8 : إذا حصل للموصي مال بعد الموت ، كما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته ، يخرج منه الوصيّة كما يخرج منه الديون . فلو أوصى بالثّلث أو الرّبع أخذ ثلث ذلك المال أيضاً مثلاً. وإذا أوصى بعين، وكانت أزيد من الثلث حين الموت، وخرجت منه بضمّ ذلك المال نفذت فيها (2) . وكذا إذا أوصى بكلي كمائة دينار مثلاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
   (2) الكلام لا بدّ وأن يفرض فيما إذا كانت الأموال مقسمة ، وقد وقعت الشبكة في حصّة الوارث ثمّ وقع فيها الصّيد . أو يفرض كون الموصى به عيْناً معينة تزيد قيمتها عن الثّلث قبل وقوع الصيد في الشبكة ، وبعده تكون قيمتها بمقدار الثلث أو أقل . إذ لو كانت الوصيّة بالحصة المشاعة ، وكان وقوع الصيد في الشبكة قبل القسمة ، فلا ينبغي الإشكال في اشتراك الميت مع الوارث فيه ، وعدم اختصاص أحدهما به لاشتراك الشبكة كسائر أموال الميت بينه وبين الورثة .

   وكيف كان ، فالمشهور بينهم أن ما يقع في الشبكة يكون ملكاً للميت ، ومن ثمّ

ــ[370]ــ

ينتقل بعد إخراج ديونه ووصاياه إلى الوارث ، فحاله في ذلك حال سائر أمواله .

   ولكن قد يورد عليه ، بأن الصيد ملك جديد للوارث ، باعتبار أنه نتاج لما هو مملوك له ، فالموصي أجنبي عنه ، ومعه فلا موجب لاشتراكه فيه .

   غير أن الحق هو ما ذهب إليه المشهور . وذلك لأن الصيد لا يتبع الآلة في الملكية وإنما هو تابع للصائد ، ولذا لو اصطاد شخص بالشبكة المغصوبة كان الصيد له دون مالك الشبكة . وحيث إن عنوان الاصطياد والصائد لا يصدقان على الوارث باعتبار أنه لم يفعل شيئاً بالمرة ، وإنما هما صادقان على الميت لأنه الذي تصدّى له ونصب الشبكة ، يكون الصيد في جميع التقادير ـ قبل القسمة وبعدها ، كانت الوصيّة بعين معينة أم لا ـ ملكاً للميت ، فيكون حاله حال سائر أمواله يخرج منها ديونه ووصاياه ، ثمّ ينتقل الباقي إلى الوارث بالإرث .

   بل وكذا الحال في عكس المسألة . بأن رمى سهماً فأصاب شخصاً عمداً أو سهواً ، ثمّ مات قبل موت المصاب ثمّ مات المصاب ، كانت عليه الدية ، لفوات محل القصاص في العمد ، ولا يذهب دم امرئ مُسلم هدراً . وتخرج من أصل تركته بلا خلاف فيه وإن كان القتل متأخراً .

   وليس الحكم في هذين المقامين إلاّ لكون سبب الملكية في الأوّل ، والضمان في الثاني ، هو فعل الميت الموصي .

   ولا يقاس ما نحن فيه بنتاج الحيوانات ، كما توهمه بعض. بدعوى أنه لو كان يملك بقرتين متساويتي القيمة ، فأوصى بإحداهما المعينة لزيد ، ردّت الوصيّة في الزائد حتى ولو ولدت الثانية فأصبحت قيمة الاُولى تساوي الثلث ، إذ لا يكون نقص الاُولى متداركاً بولد الثانية .

   فإنّه من القياس مع الفارق . فإن النتاج في الحيوانات يكون تابعاً لاُمه ، على ما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في مباحث نكاح العبيد والإماء . بل وكذا الحكم في الإنسان أيضاً ، على ما اخترناه في محله .

   وعليه فلا يحتمل أن يكون المولود في المقام مشتركاً بين الميت والوارث ، وهذا

ــ[371]ــ

   بل ولو أوصى ثمّ قتل، حسبت ديته من جملة تركته، فيخرج منها الثّلث كما يخرج منها ديونه ، إذا كان القتل خطأً(1) بل وإن كان عمداً (2) وصولحوا على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بخلاف الصيد حيث إنه يكون تابعاً للصائد دون الآلة كما عرفت ، فلا وجه لقياس أحدهما على الآخر .

   (1) إجماعاً ومن غير خلاف ينقل .

   ويقتضيه ، مضافاً إلى صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لرجل بوصيّة مقطوعة غير مسماة من ماله، ثلثاً أو ربعاً أو أقلّ من ذلك أو أكثر، ثمّ قتل بعد ذلك الموصي فودي، فقضى في وصيّته أنها تنفذ من ماله ومن ديته كما أوصى» (1) .

   ومعتبرته الاُخرى، قال: قلت له: رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ ، يعني الموصي ؟ فقال : «يجاز لهذه الوصيّة من ماله ومن ديته» (2) .

   ومعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من أوصى بثلثه ثمّ قتل خطأ ، فإن ثلث ديته داخل في وصيّته» (3) .

   ما عرفت من أن الوصيّة لا تلاحظ بالقياس إلى ما يملكه الموصي حالها ، بل تعم مطلق ما يدخل في ملكه ولو بعد الموت ، فإن الدية منها حيث يملكها الميت أوّلاً ثمّ تنتقل إلى الورثة ، على ما يستفاد من جملة من النصوص .

   (2) أمّا إخراج الدين منها فمنصوص ، ففي معتبرة يحيى الأزرق عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً ، فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه ؟ قال : «نعم» . قلت : وهو لم يترك شيئاً، قال : إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه» (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 3 .

(2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 1 .

(3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 2 .

(4) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ، ب 24 ح 1 .

ــ[372]ــ

الدية ، للنصوص الخاصة ، مضافاً إلى الاعتبار ، وهو كونه أحقّ بعوض نفسه من غيره .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومعتبرة أبي بصير ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وعليه دين وليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين ؟ فقال : «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء ، وإلاّ فلا» (1) .

   وأمّا الوصيّة فهي غير منصوصة بخصوصها في المقام . ومن هنا فقد يستشكل فيها بان الواجب في قتل العمد إنما هو القصاص ، نظراً إلى كون نفس القاتل بدلاً عن نفس المقتول ، والدية إنما تثبت بالمصالحة بين القاتل وأولياء المقتول ، فهي عوض في المصالحة الواقعة بينه وبينهم ، وهذا يقتضي دخولها في ملكهم ابتداءً ، لا بعد دخولها في ملك الميت إرثاً كي يخرج منه ديونه ووصاياه .

   إلاّ أن هذا الإشكال موهون ، نظراً لإمكان إثبات الحكم بالتمسك ـ مضافاً إلى صحيحة اسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) : «إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً ، فهي ميراث كسائر الأموال» (2) ـ بإطلاق صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة ، فإنها غير مقيدة بالقتل الخطائي ، بل ومعتبرته الاُخرى حيث إن التقييد به إنما هو في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ، فلا يدلّ على الاختصاص .

   وأمّا معتبرة السكوني فالتقييد به وإن كان في كلامه (عليه السلام) ، إلاّ أنها لا تدلّ على الاختصاص أيضاً ، نظراً لكونه من قيد الموضوع ، حيث إن الدية لا تكون إلاّ في القتل الخطائي . وأما القتل العمدي فالواجب هو القصاص وإن كان للوارث العفو عنه بأزاء المال ، فلا تدلّ على عدم ثبوت الحكم في القتل العمدي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 29 كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، ب 59 ح 1 .

(2) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب موانع الإرث ، ب 14 ح 1 .

ــ[373]ــ

   وكذا لو أخذ دية جرحه خطأً بل أو عمداً (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   هذا كلّه مضـافاً إلى إمكان استكشاف الحكم مما دلّ على خروج الديون منها حيث قد عرفت أنّ المستفاد منها أنهم إنما يأخذونها إرثاً من الميت لا استقلالاً وبالملكية الابتدائية بحيث تنتقل من الدافع إليهم مباشرة ، ولذا يقتسمونها قسمة الميراث ، فيكون الميراث متأخراً عن الوصيّة كما هو متأخر عن الدين .

   (1) لكونه مالكاً لها في حياته ، فتنتقل إلى ورثته على حد انتقال سائر أمواله إليهم . إلاّ أن من غير الخفي أن الدية هذه خارجة عن محل الكلام ، نظراً إلى أنها ليست من الأموال المتجددة بعد الموت ، وكلامنا فيها .

   نعم ، لو كان مراده (قدس سره) من الجرح الجرح الواقع عليه بعد الموت ، فديته وإن كانت من الأموال المتجدِّدة بعد الموت ، إلاّ أنها لا تورث بل تصرّف في وجوه البر ، على ما هو مذكور في محله .

والحمد لله أوّلاً وآخراً

   هذا آخر ما أدركه فهمي القاصر من محاضرات سماحة آية الله العظمى السيِّد الوالد ـ دام ظلّه ـ شرحاً وتعليقاً على كتاب الوصيّة من العروة الوثقى .

   وإنِّي إذ ابتهل إلى العلي القدير أن يحفظ سيدنا الأعظم ويطيل في عمره الشريف ذخراً وسنداً للإسلام والمسلمين ، أسأله أن يوفقني للاستمرار في هذا النهج ، إنه سميع مجيب .

   وكان الفراغ منه في اليوم الثالث من شهر ربيع الثاني من عام أربعمائة وثلاثة بعد الألف من الهجرة النبويّة على مهاجرها آلاف الصلاة والسّلام في مدرسة دار العلم بجواز الحضرة العلويّة سلام الله عليه .

وأنا الأقل محمّد تقي الخوئي     

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net