بيع العذرة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5804


جواز بيع العذرة

قوله : يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان على المشهور(2).

أقول : المعروف بين الفقهاء (رضوان الله عليهم) حرمة بيع العذرة النجسة من كل حيوان ، بل في التذكرة : لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعاً منّا(3)، وفي

ــــــــــــ
(2) المكاسب 1 : 23 .

(3) التذكرة 10 : 31 .

ــ[65]ــ

الجواهر ادّعى الاجماع بقسميه على حرمة بيع أرواث ما لا يؤكل لحمه(1)، وفي النهاية جعل بيع العذرة من المكاسب المحظورة(2)، وفي الغنية منع عن بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه(3)، وفي المراسم حكم بحرمة بيع العذرة(4)، وفي المستند إنه موضع وفاق(5)، وعلى هذا اتّفاق المذاهب الأربعة(6).

ثم إنّ تحقيق هذه المسألة في ضمن مقامين ، الأول : من حيث القواعد والإجماعات والروايات العامة . والثاني : من حيث الروايات الخاصة الواردة في خصوص هذه المسألة .

أمّا المقام الأول : فقد ظهر من المسألة السابقة وما قبلها أنه لا يجوز الاستدلال بشيء من تلك الاُمور على حرمة البيع وفساده.

وأمّا المقام الثاني : فالروايات الواردة هنا على ثلاث طوائف : الاُولى : ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 22 : 17 .

(2) النهاية : 364 .

(3) الغنية : 213 .

(4) المراسم : 170 .

(5) المستند 14 : 82 .

(6) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن المالكية : لا يصح بيع زبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرّماً كالخيل والبغال والحمير ، أو مكروهاً كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهرّ ، فإنّ فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها .

وعن الحنابلة : لا يصح بيع النجس كالزبل النجس . وكذلك عند الشافعية .

وفي ص209 عن الحنفية : لا ينعقد بيع العذرة ، فإذا باعها كان البيع باطلا إلاّ إذا خلطها بالتراب ، فإنه يجوز بيعها إذا كانت لها مالية ، ويصح بيع الزبل ويسمّى سرجين ، وكذا بيع البعر .

ــ[66]ــ

يدل على حرمة بيع العذرة وكون ثمنها سحتاً(1). الثانية : ما يدل على جواز بيعها وهي رواية ابن مضارب(2). الثالثة : ما يدل على جواز بيعها وحرمته معاً ، وهي رواية سماعة(3).

وللجمع بينها وجوه للأعلام :

الأول : ما ذكره شيخ الطائفة (رحمه الله) من حمل رواية المنع على عذرة الإنسان ، ورواية الجواز على عذرة البهائم مما يؤكل لحمه ، واستشهد على ذلك برواية سماعة ، قال في التهذيب بعد ما نقل رواية الجواز : ولا ينافي ذلك ما رواه يعقوب بن شعيب ، لأنّ هذا الخبر محمول على عذرة الإنسان ، والأول محمول على عذرة البهائم من الإبل والبقر والغنم ، ولا تنافي بين الخبرين ، والذي يكشف عمّا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ثمن العذرة من السحت » وهي مجهولة بعلي بن مسكين أو سكن . راجع الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب40 ح1 . والتهذيب 6 : 372 / 1080 . والاستبصار 3 : 56 / 182 . والوافي 17 : 283 / 22 .

وفي دعائم الإسلام ] 2 : 18 / 22 [ : « إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن بيع العذرة وقال : هي ميتة » . وهي مرسلة ، راجع المستدرك 13 : 71 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح5 .

(2) محمد بن مضارب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا بأس ببيع العذرة » وهي حسنة بابن مضارب . راجع الكافي 5 : 226 / 3 ، والأبواب المذكورة من التهذيب والوسائل والاستبصار والوافي .

(3) قال : « سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا حاضر ، قال : إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول ؟ قال : حرام بيعها وثمنها ، وقال : لا بأس ببيع العذرة » وهي موثّقة . راجع الأبواب المذكورة من التهذيب والوسائل والاستبصار والوافي .

ــ[67]ــ

ذكرناه رواية سماعة(1). وفي المبسوط(2) فلا يجوز بيع العذرة والسرجين مما لا يؤكل لحمه ، وفي الخلاف(3) فالسرجين النجس محرّم بالإجماع ، فوجب أن يكون بيعه محرّماً .

إذا عرفت مسلكه من كتبه الثلاثة فلا تغترّ باطلاق كلامه في الاستبصار(4) حيث حمل رواية الجواز على عذرة غير الآدميين ، ورواية المنع على عذرة الناس ثم استشهد عليه برواية سماعة ، فإنّ مراده من غير الآدميين إنما هو ما يؤكل لحمه فقط ، فلا يعم غير المأكول .

وفيه أولا : أنه ثبت في محلّه أنّ كون الدليل نصّاً في مدلوله غير كون بعض أفراده متيقّناً في الإرادة من الخارج على تقدير صدور الحكم ، فما هو الموجب لرفع اليد عن الحكم هو الأول دون الثاني . ففي مثل الأمر بغسل الثوب من بول الخفّاش(5) الصريح في المحبوبية والظاهر في الوجوب ، وما ورد من أنّ بول الخفّاش لا بأس به(6)، الصريح في جواز الترك والظاهر في الاباحة الخاصة ، ترفع اليد عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 6 : 372 / 1080 .

(2) المبسوط 2 : 166 ـ 167 .

(3) الخلاف 3 : 185 .

(4) الاستبصار 3 : 56 / ذيل ح182 .

(5) داود الرقي قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده ، فقال : اغسل ثوبك » وهي مجهولة بيحيى بن عمر . راجع الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب10 ح4 ، والتهذيب 1 : 265 / 777 .

(6) غياث عن جعفر عن أبيه قال : « لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف » وهي موثّقة . راجع البابين المذكورين من التهذيب والوسائل .

في تاج العروس 4 : 308 مادّة خفش : الخفّاش كرمّان : الوطواط الذي يطير بالليل سمّي به لصغر عينيه خلقة ، وضعف بصره بالنهار ، ومن الخواص أنّ دماغه إن مسح بالأخمصين هيّج الباه أي شبق النكاح ، وإن اُحرق واكتحل به قلع البياض من العين وأحدّ البصر ، ودمه إن طلي به على عانات المراهقين منع نبات الشعر ، ومرارته إن مسح بها فرج المنهكة ـ وهي التي تعسر ولادتها ـ ولدت في ساعتها ، ج خفافيش ... والأخفش الذي يغمض إذا نظر .

وفي حياة الحيوان للدميري : الخفّاش له أربعة أسماء : خفّاش وخشّاف وخطّاف ووطواط وليس من الطير في شيء ، فإنه ذو اُذنين وأسنان وخصيتين ومنقار ، ويحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويبول كما تبول ذوات الأربع ، ويرضع ولده ، ومن الخواص إن طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مراراً حتى يتهرّى ويصفى ذلك الدهن عنه ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش والتورّم في الجسد والربو فإنه ينفعه ذلك ويبرؤه ، وهو عجيب مجرّب ، وإن ذبح في بيت واُخذ قلبه واُحرق فيه لم يدخله حيّات ولا عقارب ، ومن نتف إبطه وطلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر ، وإن صبّ من مرق الخفّاش وقعد فيه صاحب الفالج انحلّ ما به .

ــ[68]ــ

ظهور كل منهما بصريح الآخر ، فيثبت الاستحباب . وأمّا في أمثال المقام حيث لا صراحة للدليل في شيء ، فلا موجب للجمع المذكور ، فإنه تبرّعي محض وخارج عن صناعة الجمع الدلالي العرفي ، فلا يوجب رفع التعارض بوجه . إذن فلابدّ إمّا من طرحهما ، وإمّا الرجوع إلى المرجّحات السندية أو الخارجية من موافقة الكتاب أو مخالفة العامة .

وبعبارة اُخرى : أنّ الجمع العرفي بين الدليلين بطرح ظهور كل منهما بنص الآخر إنما يجري فيما كانت لكل منهما قرينية لرفع اليد عن ظهور الآخر ، كالجمع بين الأمر ] أو النهي [ والترخيص ، بحمل الأول على الاستحباب والثاني على الكراهة

ــ[69]ــ

وهذا بخلاف ما إذا ورد النفي والإثبات على مورد واحد كما فيما نحن فيه ، فإنه من أوضح موارد المتعارضين .

وثانياً : سلّمنا ذلك ، إلاّ أنّ إطلاق العذرة على مدفوعات ما يؤكل لحمه ممنوع جدّاً ، وإنما يطلق عليها لفظ الأرواث أو السرقين ، وهذا واضح لمن كان له اُنس بالعرف واللغة(1).

وثالثاً : سلّمنا جواز الإطلاق وصحته ، إلاّ أنّ أخذ المتيقّن من الدليلين المتنافيين لا يعدّ من الجموع العرفية ، لعدم ابتنائه على أساس صحيح ، بل لو جاز أخذ المتيقّن من الدليل لانسدّ باب حجية الظواهر ولم يجز التمسك بها ، إذ ما من دليل إلاّ وله متيقّن في إرادة المتكلّم ، إلاّ أن يقال بتخصيص ذلك بصورة التعارض وهو كما ترى .

ورابعاً : سلّمنا ذلك أيضاً ، إلاّ أنّ أخذ المتيقّن من دليلي الجواز والمنع لا ينحصر بما ذكر ، بل يجوز أخذه منهما بوجه آخر أوجه منه ، بأن تحمل رواية الجواز على فرض كون العذرة المبيعة يسيرة ورواية المنع على فرض كونها كثيرة ، أو تحمل رواية الجواز على بلاد تعارف فيها بيع العذرة لأجل التسميد ونحوه ، ورواية المنع على بلاد لم يتعارف فيها بيعها ، أو غير ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المنجد ] 494 ، مادّة أعذَرَ [ العذرة الغائط ، وفي المجمع ] 3 : 398 مادّة عذر [ العذرة وزان كلمة الخرؤ ، ولم يسمع التخفيف ، وقد تكرّر ذكرها في الحديث ، وسمّي فناء الدار عذرة لمكان إلقاء العذرة هناك . وكذلك في نهاية ابن الأثير ] 3 : 199 ، مادّة عذر [ ، وفي تاج العروس 3 : 388 مادة عَذَر : والعاذر الغائط الذي هو السلح والرجيع ، والعذرة بكسر الذال المعجمة ، ومنه حديث ابن عمر أنه كره السلت الذي يزرع بالعذرة ، يريد غائط الإنسان الذي يلقيه ، وفناء الدار .

ــ[70]ــ

الثاني : أن تحمل رواية الجواز على بلاد ينتفع بها ورواية المنع على بلاد لا ينتفع بها ، وقد حكى المصنّف هذا الوجه عن المجلسي ثم استبعده .

وفيه : مضافاً إلى كونه جمعاً تبرّعياً أنّ إمكان الانتفاع بها في مكان يكفي في صحة بيعها على وجه الإطلاق ، على أنك عرفت(1) في بيع الأبوال أنّ غاية ما يلزم هو كون المعاملة على أمثال تلك الخبائث سفهية ، ولم يقم دليل على بطلانها وصرف العمومات عنها . مع أنّ الظاهر من قول السائل في رواية سماعة : « إنّي رجل أبيع العذرة » هو كونه بيّاع العذرة وأخذه ذلك شغلا لنفسه ، وإنما سأل عن حكمه الشرعي ، وهذا كالصريح في كون بيع العذرة متعارفاً في ذلك الزمان . ثم إنّ هذا الوجه وإن نسبه المصنّف إلى المجلسي ولكن لم نجده في كتبه ، بل الموجود في مرآة العقول نفي البعد عن حمل رواية الجواز على الكراهة(2).

الثالث : ما احتمله السبزواري(3) من حمل رواية المنع على الكراهة ورواية الجواز على الترخيص المطلق . وقد استبعده المصنّف أيضاً ، ولعل الوجه فيه هو أنّ استعمال لفظ السحت في الكراهة غير جار على المنهج الصحيح ، فإنّ السحت في اللغة(4) عبارة عن الحرام . إذن فرواية المنع آبية عن الحمل عليها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص52 .

(2) مرآة العقول 19 : 266 ] لكنّه حكاه عن والده في ملاذ الأخيار 10 : 379 [ .

(3) كفاية الأحكام : 84 السطر 36 .

(4) في المجمع ] 2 : 204 ، مادّة سحت [ السحت : كل مال لا يحل كسبه ، وفي القاموس ] 1 : 149 مادّة السحت [ السحت : الحرام أو ما خبث من المكاسب ، وفي المصباح ] 267 مادّة السحت [ السحت : مال حرام لا يحل أكله ولا كسبه ، وفي لسان العرب 2 : 41 السُحت : كل حرام قبيح الذكر ، وقيل : هو ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار ، وقبيح الذكر كثمن الكلب والخمر والخنزير ، والجمع أسحات ، والسُحت : الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها ، وأسحَتَت تجارته خبثت وحرمت ، وأسحَتَ اكتسب السحت .

ــ[71]ــ

وفيه أولا : أنّ لفظ السحت قد استعمل في الكراهة في عدّة من الروايات(1)فإنه اُطلق فيها على ثمن جلود السباع ، وكسب الحجّام ، واُجرة المعلّمين الذين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فقد روى في الجعفريات : 299 / 1235 عن علي (عليه السلام) « من السحت ثمن جلود السباع » وهي موثّقة . راجع المستدرك 13 : 120 / أبواب ما يكتسب به ب31 ح2 .

وفي دعائم الإسلام ] 1 : 126 [ «  من السحت ثمن جلود السباع » وهي مرسلة . راجع البحار 100 : 72 / 13 ، والمصدر المذكور من المستدرك .

والكافي عن سماعة قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : السحت أنواع كثيرة ، منها كسب الحجّام إذا شارط » وهي ضعيفة بمحمد بن أحمد الجاموراني ، ومثلها رواية اُخرى لسماعة إلاّ أنه ليست فيها جملة شرطية ، ولكنها موثّقة . راجع الكافي 5 : 127 / 3 ، التهذيب 6 : 355 / 1013 ، الوسائل 17 : 92 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح2 ، 6 ، الوافي 17 : 194 / 8 ، 9 .

والجعفريات : 299 / 1235 عن علي (عليه السلام) « من السحت كسب الحجّام » . وهي موثّقة . راجع المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح1 .

والعيون ] 2 : 28 / 16 [ عن علي (عليه السلام) « في قوله تعالى : (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قال : هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته » راجع الوسائل 17 : 95 / أبواب ما يكتسب به ب5 ح11 . وقد تعرّض صاحب الوسائل لأسانيد الرواية في 1 : 448 / أبواب الوضوء ب54 ح4 ، ولكن أكثرها من المجاهيل .

وفقه الرضا : 253 عن ابن عباس في قوله تعالى : (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قال : اُجرة المعلّمين الذين يشارطون في تعليم القرآن . راجع المستدرك 13 : 116 / أبواب ما يكتسب به ب26 ح2 .

ــ[72]ــ

يشارطون في تعليم القرآن ، وقبول الهدية مع قضاء الحاجة ، ومن الواضح جداً أنه ليس شيء منها بحرام قطعاً ، وإنما هي مكروهة فقط . وقد نص بصحة ذلك الاستعمال غير واحد من أهل اللغة(1) بل الروايات الكثيرة(2) تصرّح بجواز بيع جلود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في نهاية ابن الأثير ] 2 : 345 مادّة سحت [ السحت كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه . وفي لسان العرب 2 : 42 ] مادّة سحت [ . السحت يرد في الكلام على المكروه مرّة وعلى الحرام اُخرى ، ويستدل عليه بالقرائن .

(2) منها : الروايات المجوّزة لبيع جلود النمر والسباع كما سيأتي التعرّض لها في بيع المسوخ ] في ص140 [ ومنها : موثّقة زرارة قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن كسب الحجّام فقال : مكروه له أن يشارط ، ولا بأس عليك أن تشارطه وتماكسه ، وإنما يكره له ، ولا بأس عليك  » راجع الكافي 5 : 116 / 4 ، والتهذيب 6 : 355 / 1011 ، والوافي 17 : 192 / 4 والوسائل 17 : 106 / أبواب ما يكتسب به ب9 ح9 . لا يخفى أنّ ظهور الرواية في الكراهة الاصطلاحية مما لا ينكر ، وإن كانت هي في الأخبار أعم منها ومن الحرمة .

ومنها : رواية حنّان بن سدير ، وفيها : « إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد احتجم وأعطى الأجر ، ولو كان حراماً ما أعطاه » وهي ضعيفة بسهل . وقريب منها رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) . وهي أيضاً ضعيفة بعمرو بن شمر . راجع الأبواب المذكورة من الكتب المزبورة .

وفي البخاري 3 : 122 باب خراج الحجّام من الإجارات ، وسنن البيهقي 9 : 338 عن ابن عباس قال : احتجم النبي (صلّى الله عليه وآله) وأعطى الحجّام أجره ولو علم كراهية لم يعطه .

ومنها : رواية قرب الإسناد ] 111 / 384 [ : « إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) احتجم وسط رأسه ، حجمه أبو طيبة ، وأعطاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صاعاً من تمر » ]  في المصدر : ابن أبي طيبة [ وهي ضعيفة بالحسين بن علوان . البحار 100 : 59 / 1 ، الوسائل : المصدر المتقدّم ح10 ، وصحيح البخاري 3 : 122 ، وسنن البيهقي 9 : 337 .

ومنها : رواية الفضل بن أبي قرّة قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ هؤلاء يقولون : إنّ كسب المعلّم سحت ، فقال : كذبوا أعداء الله ، إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن ، ولو أنّ المعلّم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلّم مباحاً » وهي ضعيفة بالفضل . راجع التهذيب 6 : 364 / 1046 ، الكافي 5 : 121 / 2 ، والوافي 17 : 237 / 2 ، والوسائل 17 : 154 / أبواب ما يكتسب به ب29 ح2 ، ثم إنه أخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 : 124 أحاديث تدل على جواز أخذ المعلّم الاُجرة للتعليم ، وأحاديث اُخرى تدل على كراهة أخذها لتعليم القرآن .

ــ[73]ــ

السباع وأخذ الاُجرة للحجّام وتعليم القرآن حتى مع الاشتراط ، والجمع العرفي يقتضي حمل المانعة على الكراهة ، وعليها فتاوى الأصحاب وإجماعهم ، بل فتاوى أكثر العامة(1). إذن فلا وجه للتهويل على السبزواري بأنّ كلمة السحت غير مستعملة في الكراهة الاصطلاحية .

وثانياً : لو سلّمنا حجية قول اللغوي فغاية ما يترتّب عليه أنّ حمل لفظ السحت على المكروه خلاف الظاهر ، ولا بأس به إذا اقتضاه الجمع بين الدليلين .

لا يقال : وإن صح إطلاق كلمة السحت على الكراهة كصحة إطلاقها على الحرام ، إلاّ أنّ نسبته إلى الثمن صريحة في الحرمة ، فإنه لا معنى لكراهة الثمن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن الحنابلة : يجوز بيع سباع البهائم ، وعند الحنفية يصح بيع الأسد والفيل وسائر الحيوانات سوى الخنزير ، وفي الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 116 كره أجر الحجّام إذا اشترط ، وفي ص130 عن الحنابلة كراهة اُجرة الحجّام ، وفي ص114 ] إنّ [ المتأخرين من الحنفية أجازوا أخذ الاُجرة على تعليم القرآن ، وفي ص122 عن المالكية يجوز أخذ الاُجرة على تعليم القرآن إذا عرف المعلّم المتعلّم ، وفي ص126 عن الشافعية تصح الإجارة على تعليم القرآن .

ــ[74]ــ

فإنه يقال : إنّ عناية تعلّق الكراهة بالثمن لا تزيد على عناية تعلّق الحرمة به فإرادة الثاني من كلمة السحت دون الأول مع صحة استعمالها فيهما تحتاج إلى قرينة معيّنة ، ومن هنا ذكر في لسان العرب : السحت يرد في الكلام على المكروه مرّة وعلى الحرام اُخرى ، ويستدل عليه بالقرائن . غاية الأمر أنه إذا تعلّقت الحرمة بالثمن فيستفاد من ذلك الحرمة الوضعية ، أعني بها فساد البيع زائداً على حرمة التصرف في الثمن ، بخلاف تعلّق الكراهة به ، فإنه متمحّض في الدلالة على الحكم التكليفي ، كما في ثمن جلود السباع ونحوه .

الرابع : أن تحمل رواية الجواز على الجواز التكليفي لظهور كلمة « لا بأس » في ذلك . ورواية المنع على الحرمة الوضعية ، فتصير النتيجة أنّ بيع العذرة فاسد وغير حرام .

وفيه : مضافاً إلى كونه جمعاً تبرّعياً أنّ استعمال « لا بأس » في الجواز التكليفي ومقابله في البأس الوضعي من الغرابة بمكان كاد أن يلحق بالأغلاط ، ولم نسمع إلى الآن نظير ذلك الاستعمال ، بل هما متمحّضان لبيان الحكم الوضعي ، وإن كان يستفاد منهما الحكم التكليفي أحياناً بالالتزام ، ومن هنا ترون أنّ الفقهاء (رضوان الله عليهم) يتمسكون بالأمر بشيء وبالنهي عن شيء في الصلاة لإثبات الجزئية والمانعية فيها . على أنّ قوله (عليه السلام) في رواية سماعة : « حرام بيعها وثمنها » ظاهر في الحرمة التكليفية لو لم يكن نصّاً فيها . فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على الحرمة الوضعية .

الخامس : ما اختاره العلاّمة المامقاني (رحمه الله) وقال : الأقرب عندي حمل قوله (عليه السلام) « لا بأس ببيع العذرة » على الاستفهام الإنكاري . ولعل هذا مراد المحدّث الكاشاني حيث قال : ولا يبعد أن يكون اللفظتان مختلفتين في هيئة التلفّظ

ــ[75]ــ

وإن كانتا واحدة في الصورة(1).

وفيه : مضافاً إلى كونه محتاجاً إلى علم الغيب ، أنه خلاف الظاهر من الرواية  ، فلا يجوز المصير إليه بمجرد الاحتمال .

والتحقيق : أنه لا يجوز العمل بروايات المنع لوجهين :

الأول : عدم استيفائها شرائط الحجية بنفسها . أمّا رواية ابن شعيب فلضعف سندها ، لا للإرسال كما زعمه صاحب الجواهر(2) اغتراراً بإرسال العلاّمة في المنتهى(3)، بل لجهالة علي بن مسكين أو سكن . وكذا رواية دعائم الإسلام . وتوهّم انجبارهما بعمل المشهور توهّم فاسد ، فإنه مضافاً إلى فساد الكبرى ، أنّ الحكم غير مختص بالعذرة ، بل شامل لغيرها من النجاسات .

وأمّا رواية سماعة فهي وإن كانت موثّقة ، إلاّ أنه لا يجوز الاعتماد عليها ، إمّا لإجمالها لمعارضة صدرها مع ذيلها إن كانت رواية واحدة ، وإمّا للتعارض والتساقط لو كانت روايتين ، ولكن يدل على التعدّد من الرواية اُمور : الأول : اقتران كلمة « قال » فيها بالواو . والثاني : وضع المظهر فيها موضع المضمر ، فإنها لو كانت رواية واحدة لكان للإمام (عليه السلام) أن يقول : ولا بأس ببيعها ، بدل قوله : «  لا بأس ببيع العذرة » . الثالث : أنها لو كانت رواية واحدة لكانت مجملة كما عرفت إذن فلزم للسائل أن يسأل عن بيع العذرة ثانياً . فينكشف من تلك القرائن تعدّدها وأنّ سماعة لمّا نقل رواية المنع ألحقها برواية الجواز تفهيماً للمعارضة . وعلى هذا فيحكم بالتساقط .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غاية الآمال : 16 ، السطر6 .

(2) الجواهر 22 : 17 .

(3) لاحظ المنتهى 2 : 1008 ، السطر 32 .

ــ[76]ــ

إن قلت : إنّ السائل لمّا فهم مقصوده من القرائن الحالية أو المقالية وإن لم تصل إلينا ترك التعرّض للسؤال ، فلا يلزم من ذلك تعدّد الرواية .

قلت : احتمال أنه فهم المراد من القرائن وإن كان موجوداً إلاّ أنّ أصالة عدم القرينة التي هي من الاُصول المسلّمة عند العقلاء تدفع ذلك الاحتمال . ثم لو صحّت رواية ابن مضارب ـ كما هي كذلك ، وإن رماها المجلسي(1) بضعف السند ـ لوجب الأخذ بها ، وإلاّ فالمرجع في الجواز التكليفي هي أصالة الإباحة ، وفي الجواز الوضعي هي العمومات من (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2) و (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(3) و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(4).

الوجه الثاني : أنّك بعد ما عرفت تعدّد رواية سماعة وكونها روايتين فتنحصر الروايات هنا في طائفتين : المانعة عن بيع العذرة والمجوّزة لبيعها ، وعلى هذا فإن أمكن الجمع بينهما بإحدى الوجوه المتقدّمة فنأخذ بهما ، وإلاّ فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات الخارجية ، لتساوي روايتي سماعة من حيث المرجّحات السندية ، ولما كان القول بحرمة بيع العذرة مذهب العامة(5) بأجمعهم فنأخذ بالطائفة المجوّزة لبيعها ومن هنا ظهر ما في كلام المصنّف حيث استبعد حمل الطائفة المانعة عن بيعها على التقية .

والعجب من الفاضل المامقاني (رحمه الله) فإنه وجّه كلام المصنّف وقال : إنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرآة العقول 19 : 265 .

(2) المائدة 5 : 1 .

(3) البقرة : 2 : 275 .

(4) النساء 4 : 29 .

(5) كما اُشير إليه في ص65 ، الهامش رقم (6) .

ــ[77]ــ

مجرد كونه مذهب أكثر العامة لا يفيد مع كون فتوى معاصر الإمام الذي صدر منه الحكم هو الجواز كما فيما نحن فيه ، حيث إنّ الجواز فتوى أبي حنيفة المعاصر لمن صدر منه أخبار المنع وهو الصادق (عليه السلام) فخبر الجواز أولى بالحمل على التقية(1). ووجه العجب أنّ أبا حنيفة قد أفتى بحرمة بيع العذرة كما عرفت .

وأعجب من ذلك ما نسبه إليه العلاّمة في التذكرة(2) من تجويز بيع السرجين النجس لأنّ أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير ، فإنه (رحمه الله) مع اطّلاعه على مذهب العامّة وآرائهم كيف خفي عليه مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة نعم لا ينكر تجويز أبي حنيفة(3) بيع العذرة إذا اختلطت بالتراب ، وبيع الزبل الذي يسمّى بالسرجين ، وبيع البعر للانتفاع به وجعله وقوداً .

قوله : فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا تخفى .

أقول : الوجوه المشار إليها في كلامه هي الإجماعات المنقولة ، والشهرة الفتوائية ، والروايات العامّة المتقدّمة(4)، وضعف سند ما يدل على الجواز . إلاّ أنّها مخدوشة بأجمعها ، ولا يصلح شيء منها لترجيح ما يدل على المنع .

أمّا الإجماعات المنقولة فليست بتعبّدية ، بل مدركها هي الوجوه المتقدّمة ولو كانت تعبّدية لكانت حجّة مستقلّة ، وضمّها إلى رواية المنع لا يزيد اعتبارها ، بل هي بنفسها لو كانت حجّة لوجب الأخذ بها ، وإلاّ فضمّ الإجماعات إليها لا يوجب حجّيتها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غاية الآمال : 16 ، السطر 20 .

(2) التذكرة 10 : 31 .

(3) الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 .

(4) في أوّل الكتاب .

ــ[78]ــ

وأمّا الشهرة الفتوائية فهي وإن كانت مسلّمة ، إلاّ أنّ ابتناءها على رواية المنع ممنوع جدّاً ، فإنّ تلك الشهرة غير مختصّة ببيع العذرة ، بل هي جارية في مطلق النجاسات . ولو سلّمنا ابتناءها عليها لا توجب انجبار ضعف سند الرواية . على أنّ ما يوجب ترجيح إحدى الروايتين على الاُخرى عند المعارضة هي الشهرة في الرواية دون الشهرة الفتوائية .

وأمّا الروايات العامّة فقد تقدّم الكلام فيها ، على أنّ النجاسة لم تذكر في شيء منها إلاّ في رواية تحف العقول ، والذي يستفاد منها ليس إلاّ حرمة الانتفاع بالنجس مطلقاً ، وهي وإن كانت مانعة عن البيع ، إلاّ أنّه لم يقل بها أحد . وأمّا مانعية النجاسة من حيث هي نجاسة فلا يستفاد من تلك الروايات ولا من غيرها ، نعم لا شبهة في حرمة الانتفاعات المتوقّفة على الطهارة ، ومن هنا يظهر الجواب عمّن ذهب إلى حرمة الانتفاع بالعذرة في التسميد ونحوه وتمسّك في ذلك بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد » بدعوى أنّ التسميد ونحوه من التصرفات فيها من وجوه الفساد ، بل قد ورد في بعض الروايات جواز طرح العذرة في المزارع(1).

وأمّا تخيّل ضعف رواية الجواز من ناحية السند ففيه أوّلا : أنه محض اشتباه قد نشأ من خلط ابن مضارب بابن مصادف . وتوهّم أنّ الأول غير موجود في كتب الرجال فاسد ، فإنه مضافاً إلى كونه مذكوراً فيها ومنصوصاً بحسنه(2) قد اتّفقت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قرب الإسناد ] 146 / 529 [ : عن علي (عليه السلام) « أنّه كان لا يرى بأساً أن يطرح في المزارع العذرة » . وهي ضعيفة بأبي البختري وهب بن وهب . راجع الوسائل 25 : 169 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب29 ح1 .

(2) لاحظ معجم رجال الحديث 18 : 275 / 11826 .

ــ[79]ــ

اُصول الحديث(1) على نقل رواية الجواز عنه ، ولم يحتمل فيها نقلها عن ابن مصادف  .

وثانياً : أنّ اقتصار الكليني على نقل رواية الجواز فقط دون غيرها يشير إلى اعتبارها ، كما هي كذلك ، لكون رواتها بين ثقات وحسان .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net