المعاوضة على الدم 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2361


جواز بيع الدم نجساً كان أم طاهراً

قوله : يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف(4).

أقول : المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس ، كما في النهاية(5) والمراسم(6) والمبسوط(7). وفي التذكرة : يشترط في المعقود عليه الطهارة

ـــــــــــــ
(4) المكاسب 1 : 27 .

(5) النهاية : 364 .

(6) المراسم : 170 .

(7) المبسوط 2 : 166 .

ــ[83]ــ

الأصلية ، ولو باع نجس العين لم يصح إجماعاً(1).

وعلى هذا المنهج ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير(2). وعن المالكية(3) لا يصح بيع النجس ، وعن الحنابلة لا يصح بيع النجس كالدم ، وعن الشافعية لا يصح بيع كل نجس ، وعن الحنفية لا يصح بيع الدم . وفي أخبارهم أيضاً شهادة على ذلك(4).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المصنّف قد فصّل بين الدم النجس فحكم بحرمة المعاوضة عليه للإجماع والأخبار السابقة ، أي الروايات العامّة(5)، وبين الدم الطاهر فقد قوّى جواز المعاوضة عليه إذا فرضت له منفعة محلّلة كالصبغ ونحوه لكونه من الأعيان التي يجوز الانتفاع بها منفعة محلّلة .

وفيه : أنه بعد اشتراكهما في حرمة الأكل وجواز الانتفاع بهما منفعة محلّلة كالصبغ والتسميد ونحوهما ، فلا وجه للتفكيك بينهما . وأمّا النجاسة فقد عرفت مراراً أنّه لا موضوعية لها ، فلا تكون فارقة بين الدم الطاهر والنجس .

وأمّا الأخبار السابقة فمضافاً إلى ضعف سندها أنّها شاملة لهما ، فلو تمّت لدلّت على حرمة بيعهما معاً ، وإلاّ فلا . على أنّ المستفاد من رواية تحف العقول هو تحريم مطلق منافع النجس ، وحينئذ فإن وقفنا على ظاهرها فلازمه الإفتاء بما لم يفت به

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 10 : 25 .

(2) شرح فتح القدير 6 : 43 .

(3) راجع الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 ـ 209 .

(4) عون بن أبي جحيفة قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن ثمن الدم . راج سنن البيهقي 6 : 6 وصحيح البخاري 3 : 78 باب موكل الربا.

(5) المتقدّمة في أوّل الكتاب .

ــ[84]ــ

أحد ، وإن اقتصرنا على خصوص تحريم البيع فلا دليل عليه .

وأمّا الإجماع فهو لا يختص بالمقام ، وإنّما هو الذي ادّعي قيامه على حرمة مطلق بيع النجس ، ومدركه هو الوجوه المذكورة لحرمة بيعه من الروايات العامة وغيرها ، وإلاّ فليس هنا إجماع تعبّدي ليكشف عن رأي المعصوم . إذن فلا دليل على حرمة بيع الدم ، سواء كان نجساً أم طاهراً ، لا وضعاً ولا تكليفاً .

وهم وإزالة : قد استدلّ على حرمة بيع الدم مطلقاً بمرفوعة أبي يحيى الواسطي(1) فإنّ فيها نهى علي (عليه السلام) عن بيع سبعة منها الدم ، فتدلّ على ذلك وضعاً وتكليفاً بعد ملاحظة انجبارها بالشهرة ، بل بعدم الخلاف بين الأصحاب .

وفيه أوّلا : أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بعمل المشهور صغرى وكبرى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الواسطي رفعه قال : « مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصّابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة ، نهاهم عن بيع الدم ، والغدد ، وآذان الفؤاد ، والطحال ، والنخاع ، والخصى والقضيب ، فقال له بعض القصّابين : ياأمير المؤمنين ما الكبد والطحال إلاّ سواء ، فقال له : كذبت يالكع ، ائتوني بتورين من ماء اُنبئك بخلاف ما بينهما ، فاُتي بكبد وطحال وتورين من ماء ، فقال (عليه السلام) : شقّوا الطحال من وسطه وشقّوا الكبد من وسطه ، ثم أمر (عليه السلام) فمرسا في الماء جميعاً ، فابيضّت الكبد ولم ينقص شيء منها ، ولم يبيضّ الطحال وخرج ما فيه كلّه وصار دماً كلّه حتّى بقي جلد الطحال وعرقه ، فقال له : هذا خلاف ما بينهما ، هذا لحم وهذا دم » . وهي مرفوعة . راجع الكافي 6 : 253 / 2 ، والتهذيب 9 : 74 / 315 ، والوافي 19 : 111 / 2 ، والوسائل 24 : 171 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب31 ح2 .

أقول : النخاع مثلّثة : الخيط الأبيض في جوف الفقار ، ينحدر من الدماغ وتتشعّب منه شعب في الجسم كما في القاموس ] 3 : 87 مادّة نَخَع [ ، والخصى كمدى جمع خصية كمدية ، الغدد كغرف جمع غدّة كغرفة : لحم أسود يستصحب الشحم ، اللكع بضمّ اللام وفتح الكاف اللئيم والأحمق ، والتور إناء يشرب فيه ، ومرس الشيء في الماء إنقاعه فيه وتليينه باليد .

ــ[85]ــ

والوجه في ذلك هو ما تقدّم(1) ولا أنّها منجبرة بعدم الخلاف وإن ذكره المامقاني (رحمه الله)(2) فإنّه على تقدير عدم كونه حجّة فضمّها لغير الحجّة لا يفيد اعتبارها . فلا يجوز الاستدلال بها على حرمة بيع الاُمور المذكورة فيها ، نعم إذا قلنا بشمول أدلّة التسامح في السنن للمكروهات لا بأس من الالتزام بكراهة بيعها .

وثانياً : أنّ الظاهر من الدم المذكور في المرفوعة هو الدم النجس الذي تقذفه الذبيحة المسمّى بالمسفوح ، لكثرته ومرسومية أكله في زمن الجاهلية ، دون الطاهر المتخلّف فيها ، الذي يباع بتبع اللحوم كثيراً ، فإنّه من القلّة بمكان لم يكن مورد الرغبة لأهل الجاهلية لينجرّ ذلك إلى أن يمرّ علي (عليه السلام) بالقصّابين وينهاهم عن بيعه ، ولعلّه لذلك لم يذكر الله تعالى في القرآن إلاّ الدم المسفوح(3)، إذن فالرواية لا تشمل الدم الطاهر ، فلا تدل على حرمة بيعه مطلقاً ، لكونها أخصّ من المدّعى .

ولكن يمكن أن يقال : إنّ تعارف أكل الدم النجس وغلبته في الخارج لا يوجب اختصاص المنع المذكور في الرواية ، بل يعمّ الدم الطاهر أيضاً ، ويدلّ على ذلك من الرواية ذكر الطحال فيها ، فإنّ الإمام (عليه السلام) بيّن كونه من الدم ، وفي رواية اُخرى : لأنه دم(4). إلاّ أنه مع ذلك لا نسلّم دلالة المرفوعة على أزيد من حرمة بيعه للأكل فقط تكليفاً ، أو وضعاً أيضاً ، كما نبّه على ذلك العلاّمة الأنصاري (رحمه الله) وقال : فالظاهر إرادة حرمة البيع للأكل ، ولا شكّ في تحريمه لما سيجيء من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص8 .

(2) غاية الآمال : 18 ، السطر 42 .

(3) وهو قوله تعالى : (أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) الأنعام 6 : 145 .

(4) ابن مرار عنهم (عليهم السلام) قال : « لا يؤكل ممّا يكون في الإبل ، إلى أن قال : والطحال لأنّه دم » وهي مجهولة باسماعيل بن مرار . راجع المصادر المذكورة عند ذكر رواية الواسطي .

ــ[86]ــ

أنّ قصد المنفعة المحرّمة في المبيع موجب لحرمة البيع بل بطلانه(1). وأمّا حرمة بيعه لغير الأكل فلا دلالة عليه من الرواية لا وضعاً ولا تكليفاً ، والشاهد لذلك أنه لا ريب في جواز بيع الاُمور المذكورة فيها لغير الأكل كإطعام الحيوان ونحوه .

تذكرة : ربما يتوهّم أنّ بيع الدم لمّا كان إعانة على الإثم فيكون محرّماً لذلك . وفيه : مضافاً إلى ما سيأتي(2) من عدم الدليل على حرمتها ، أنّ النسبة بينها وبين بيع الدم هو العموم من وجه ، فإنّه قد يشتريه الإنسان لغير الأكل كالصبغ والتسميد ونحوهما ، فلا يلزم منه إعانة على الإثم بوجه ، وعلى تقدير كونه إعانة على الإثم فالنهي إنّما تعلّق بعنوان خارج عن البيع ، فلا يدل على الفساد .

تذكرة اُخرى : قد استدلّ العلاّمة المامقاني(3) على حرمة بيعه بما دلّ من الكتاب(4) والسنّة(5) على تحريم الدم بضميمة قوله (عليه السلام) : « إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه »(6).

وفيه : مضافاً إلى ما تقدّم في النبوي ، أنّ المراد من تحريم الدم في الكتاب والسنّة إنّما هو تحريم أكله ، وقد عرفت مراراً أنّه لا ملازمة بينه وبين حرمة الثمن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 1 : 28 .

(2) في ص283 وما بعدها .

(3) غاية الآمال : 18 ، السطر36 .

(4) وهو قوله تعالى : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) البقرة 2 : 173 وقوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) المائدة 5  : 3 .

(5) راجع الأبواب المتقدّمة من الوسائل والوافي والكافي والتهذيب .

(6) عوالي اللئالي 2 : 110 / 301 ، سنن الدارقطني 3 : 7 / 20 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net