المعاوضة على الدهن المتنجّس 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2814


جواز المعاوضة على الدهن المتنجّس

قوله : يجوز المعاوضة على الدهن المتنجّس(1).

أقول : المعروف بين الأصحاب هو جواز المعاوضة على الدهن المتنجّس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة ، بل في الخلاف دعوى الإجماع على ذلك قال : يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء ، وقال أبو حنيفة(2): يجوز بيعه مطلقاً ، وقال مالك والشافعي : لا يجوز بيعه بحال ، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(3). وعن الحنابلة أيضاً لا يجوز ، إلاّ أنّ الظاهر من أخبار العامة(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 1 : 65 .

(2) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 عن الحنفية : يجوز أن يبيع دهناً متنجّساً ليستعمله في الدبغ والاستضاءة به في غير المسجد ، وفي ص208 عن المالكية : لا يصح بيع المتنجّس الذي لا يمكن تطهيره ، كسمن وقعت فيه نجاسة على المشهور ، وذهب بعضهم إلى الجواز . وعن الحنابلة : الدهن الذي سقطت فيه نجاسة فإنه لا يحل بيعه . وفي هامش سنن البيهقي 6 : 13 في قواعد ابن رشد : اختلفوا في الزيت النجس ونحوه بعد اتّفاقهم على تحريم أكله ، فمنعه مالك والشافعي ، وجوّزه أبو حنيفة وابن وهب إذا بيّن ، وفي نوادر الفقهاء : أجمع الصحابة على جواز بيع زيت ونحوه تنجّس بموت شيء فيه إذا بيّن ذلك .

(3) الخلاف 3 : 187 .

(4) راجع سنن البيهقي 9 : 354 / باب من أباح الاستصباح به .

ــ[168]ــ

جواز ذلك ، لإطباقها على جواز الانتفاع به . بل في بعضها(1) ذكر جواز البيع صريحاً .

قوله : وجعل هذا من المستثنى عن بيع الأعيان النجسة .

أقول : حاصل كلامه : أنّ مسألة المعاوضة على الدهن للاستصباح إنّما يمكن جعلها من المستثنى من حرمة بيع الأعيان النجسة إذا قلنا بحرمة الانتفاع بالمتنجّس إلاّ ما خرج بالدليل ، أو قلنا بحرمة بيع المتنجّس وإن جاز الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة ، وإلاّ فيكون الاستثناء منقطعاً ، لعدم دخول بيع الدهن المتنجّس ولا غيره من المتنجّسات القابلة للانتفاع بها في المستثنى منه ، وقد تقدّم(2) أنّ المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجّس ليس إلاّ من حيث حرمة المنفعة المقصودة ، فإذا فرض حلّها فلا مانع من البيع .

وفيه أولا : أنه قد تقدّم مراراً عديدة أنّ النجاسة بما هي نجاسة لا تمنع عن البيع إلاّ إذا استلزمت حرمة الانتفاع بالنجس من جميع الجهات ، وقد اعترف المصنّف هنا وفي مسألة بيع الميتة بالحكم الأول ، وقد تقدم أيضاً(3) أنّ النجاسة لا تمنع عن الانتفاع بالنجس لو كان له نفع محلّل ، بل وستعرف(4) أنّ مقتضى الأصل إنّما هو جواز الانتفاع بالأعيان النجسة فضلا عن المتنجّسات . إذن فلا مناص عن كون الاستثناء منقطعاً لا متصلا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في هامش سنن البيهقي 6 : 13 عن ابن عمران قال : سألت القاسم وسالماً عن الزيت تموت فيه الفارة أفنبيعه ؟ قال : نعم . ] في المصدر : عن ابن أبي عمران قالا ... [ .

(2) في ص51 .

(3) أُشير إلى ذلك في موارد منها ما في ص137 ، 138 ، 162 ـ 163 .

(4) في ص215 ، 201 .

ــ[169]ــ

وثانياً : أنّا لا نعرف وجهاً لابتناء كون الاستثناء متصلا على حرمة الانتفاع بالمتنجّس ، إذ العنوان في المستثنى والمستثنى منه إنّما هو حرمة بيع النجس أو المتنجّس من حيث هما كذلك ، ولم يقيّد بحرمة الانتفاع بهما ، نعم يجوز تعليل جواز البيع أو حرمته بجواز الانتفاع بهما أو حرمته ، وعليه فتكون حرمة الانتفاع بهما من علل التشريع لحرمة بيعهما ومن قبيل الواسطة في الثبوت لذلك ، وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ القاعدة الأولية تقتضي جواز بيع الدهن المتنجّس بلا احتياج إلى الروايات ، كما أنّها تقتضي حرمة بيعه وعدم جواز الانتفاع به لو قلنا بمانعية النجاسة عن البيع وعدم جواز الانتفاع بالمتنجّس .

وثالثاً : أنّ جعل المصنّف المعاوضة على الأعيان المتنجّسة من جملة المسائل الثمانية وإن كان يقتضي اتّصال الاستثناء وشمول المستثنى منه للنجس والمتنجّس كليهما ، إلاّ أنّ تخصيصه الكلام في عنوان هذه المسائل الثمانية بالاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني يقتضي انقطاع الاستثناء ، سواء قلنا بجواز الانتفاع بالمتنجّس أم لم نقل ، وعليه فذكر مسألة المعاوضة على الأعيان المتنجّسة في عداد المعاوضة على الأعيان النجسة من باب الاستطراد .

تأسيس : لا يخفى أنّ الروايات الواردة في بيع الدهن المتنجّس على طوائف الاُولى : ما دل على جواز بيعه مقيّداً بإعلام المشتري(1). الثانية : ما دل على جواز

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك ؟ فقال : بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به » . وهي موثّقة بالحسن بن محمد بن سماعة .

أبو بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه ، فقال : إن كان جامداً فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقى ، وإن كان ذائباً فأسرج به وأعلمهم إذا بعته » وهي مجهولة بالحسن بن رباط . راجع الوسائل 17 : 98 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح4 ، 3 ، والتهذيب 7 : 129 / 562 ، والوافي 17 : 284 / 23، 24 .

قرب الإسناد ] : 128 / 448 [ باسناده عن إسماعيل بن عبدالخالق عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سأله سعيد الأعرج السمان وأنا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفارة فتموت ، كيف يصنع به ؟ قال : أمّا الزيت فلا تبعه إلاّ لمن تبيّن له فيبتاع للسراج » الخبر . وهي ضعيفة بمحمد بن خالد . راجع الباب المتقدّم من الوسائل ح5 .

ــ[170]ــ

البيع من غير تقييد بالإعلام ، كرواية الجعفريات الدالّة على جواز بيع الدهن المتنجّس لجعله صابوناً(1).

الثالثة : ما دلّ على عدم جواز بيعه مطلقاً(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجعفريات ] 47 / 122 [ باسناده عن علي (عليه السلام) « أنه سئل عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت ، قال : الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابوناً » وعن الراوندي مثله . راجع المستدرك 13 : 72 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح2 ، 7 .

أقول : قد أشرنا مراراً عديدة إلى وثاقة كتاب الأشعثيات المسمّى بالجعفريات ، ولكن تبيّن أخيراً لسيدنا الاُستاذ (أدام الله أيّام إفاضاته) أنّ الوجوه التي استند إليها القائلون باعتبار الكتاب لا تخرجه عن الجهالة ، فإنّ من جملة رواته موسى بن إسماعيل ، وهو مجهول الحال في كتب الرجال ، ومهما بالغ المحدّث النوري ] في المستدرك 19 (الخاتمة 1) : 25 [ في اعتباره وتوثيق رواته ، إلاّ أنّ ما أفاده لا يرجع إلى معنى محصّل تركن إليه النفس ، ويطمئن به القلب .

(2) قرب الإسناد ] : 261 / 1033 [ عن علي بن جعفر عن أخيه ، قال : « سألته عن حب دهن ماتت فيه فارة ، قال : لا تدهن به ، ولا تبعه من مسلم » وهي مجهولة بعبدالله بن الحسن . راجع الوسائل 17 : 100 / أبواب ما يكتسب به ب7 ح5 .

الجعفريات : 47 / 121 عن علي (عليه السلام) قال : « وإن كان شيئاً مات في الإدام وفيه الدم في العسل أو في الزيت أو في السمن ... إن كان ذائباً فلا يؤكل ، يسرج به ولا يباع » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل . راجع المستدرك 13 : 71 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح1 .

دعائم الإسلام ] 1 : 122 [ عنهم (عليهم السلام) « إذا وقعت ـ الدابة ـ فيه ـ الإدام ـ فماتت لم يؤكل ، ولم يبع ، ولم يشتر » وهي ضعيفة . راجع الباب المتقدّم من المستدرك ح5 .

ــ[171]ــ

ومقتضى القاعدة تخصيص الطائفة الثالثة الدالّة على عدم الجواز بما دل على جواز البيع مع الإعلام ، وبعد التخصيص تنقلب نسبتها مع الطائفة الثانية الدالّة على جواز البيع مطلقاً فتكون مقيّدة لها لا محالة ، فيحكم بجواز بيعه مع الإعلام دون عدمه ، وعلى هذا فيجب الإعلام بالنجاسة مقدّمة لذلك .

ولا يخفى أنّ وجوب الإعلام على ما يظهر من دليله إنّما هو لأجل أن لا يقع المشتري في محذور النجاسة ، إذ قد يستعمل الدهن المتنجّس فيما هو مشروط بالطهارة لجهله بالحال ، وعليه فلو باع المتنجّس الذي ليس من شأنه أن يستعمل فيما يشترط بالطهارة كاللحاف والفرش فلا يجب الإعلام فيه .

قوله : منها الصحيح عن معاوية بن وهب .

أقول : لا دلالة في الرواية على جواز البيع ولا على عدمه ، بل هي دالّة على جواز إسراج الزيت المتنجّس .

قوله : وزاد في المحكي عن التهذيب .

أقول : بعد ما نقل الشيخ (رحمه الله) رواية ابن وهب المشار إليها الدالّة على جواز إسراج الزيت المتنجّس قال : وقال في بيع ذلك الزيت : تبيعه وتبيّنه لمن

ــ[172]ــ

اشتراه ليستصبح به(1). فأشار به إلى رواية اُخرى لابن وهب ، وهي الرواية المتقدّمة الدالّة على جواز بيع ذلك الزيت مع الإعلام . إذن فلا وجه لجعل هذه العبارة رواية كما صنعه المصنّف ، وإنّما هي من كلام الشيخ (رحمه الله) .

قوله : ومنها الصحيح عن سعيد الأعرج .

أقول : الرواية للحلبي ، وهي أيضاً دالّة على الإسراج ، فلا إشعار فيها بحكم البيع بوجه .

عدم اشتراط الاستصباح في صحة بيع الدهن المتنجّس

قوله : إذا عرفت هذا فالإشكال يقع في مواضع : الأول .

أقول : ما قيل أو يمكن أن يقال في حكم بيع الدهن المتنجّس وجوه بل أقوال ، الأول : جواز بيعه على أن يشترط على المشتري الاستصباح ، كما استظهره المصنّف من عبارة السرائر(2). الثاني : جوازه مع قصد المتبايعين الاستصباح وإن لم يستصبح به بالفعل ، كما استظهره المصنّف من الخلاف(3). الثالث : جواز بيعه بشرط أن لا يقصد المتبايعان في بيعه المنافع المحرّمة وإن كانت نادرة ، سواء قصدا مع ذلك المنافع المحلّلة أم لا . الرابع : صحة بيعه مع قصد المنفعة المحلّلة إلاّ إذا كانت شائعة ، فلا يعتبر في صحة البيع ذلك القصد . الخامس : جواز بيعه على وجه الإطلاق من غير اعتبار شيء من القيود المذكورة . السادس : اشتراط تحقق الاستصباح به خارجاً في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 9 : 85 / ذيل ح359 .

(2) السرائر 3 : 122 .

(3) لاحظ الخلاف 3 : 187 .

ــ[173]ــ

جواز بيعه ، كما استظهره المحقّق الإيرواني(1) من عبارتي الخلاف والسرائر وجعلهما أجنبيتان عمّا ذكره المصنّف (رحمه الله) .

وقد اختار في المتن الوجه الرابع في مطلع كلامه ، وقال : يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح ، واختار الوجه الثالث في آخر كلامه ، وقال : نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرّمة . والذي تقتضيه القواعد مع الإغماض عن الروايات هو الوجه الخامس . ولنبدأ بذكر ما اختاره المصنّف ، وذكر ما يرد عليه من الإشكال وسيظهر من ذلك وجه القول المختار .

فنقول : ملخّص كلامه : أنّ مالية الأشياء عند العرف والشرع إنّما هي باعتبار منافعها المحلّلة الظاهرة المقصودة منها ، لا باعتبار مطلق الفوائد ولو كانت غير ملحوظة في ماليتها أو كانت نادرة الحصول ، ولا باعتبار المنافع الملحوظة إذا كانت محرّمة ، وعليه فإذا فرض أنّ الشيء لم تكن له فائدة محلّلة ملحوظة في ماليته فلا يجوز بيعه ، لا مطلقاً لانصراف الإطلاق إلى كون الثمن بازاء المنافع المقصودة منه والمفروض حرمتها ، فيكون أكلا للمال بالباطل . ولا مع قصد الفائدة المحلّلة النادرة فإنّ قصدها لا يوجب المالية مع حرمة منفعته الظاهرة ، نعم لو دل نص خارجي على جواز بيعه ـ كما فيما نحن فيه ـ لوجب حمله على ما إذا قصد المتبايعان المنفعة النادرة ، فإنّها وإن لم توجب المالية بحسب نفسها ، ولكن توجبها بحكم الشارع ، فلا يكون أكلا للمال بالباطل . كما أنّ حكمه قد يوجب سلب المالية في بعض الأحيان كما في الخمر والخنزير ، فيكون أكل المال في مقابلهما أكلا له بالباطل ، وهكذا لو لم تقصد المنفعة النادرة في الصورة المتقدّمة ، فإنّ المال في هذه الصورة يقع في مقابل المنفعة الظاهرة المحرّمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 49 .

ــ[174]ــ

وفيه : أنّ جميع الأدهان ولو كانت من العطور مشتركة في أنّ الاطلاء والاستصباح بها أو جعلها صابوناً من منافعها المحلّلة الظاهرة ، وأنّها دخيلة في مالية الدهن ، غاية الأمر أنّ تفوّق بعض منافعها كالأكل فيما قصد منه أكله ، والشم فيما قصد منه شمّه أوجب لها زيادة في المالية ، وأوجب إلحاق المنافع الاُخر المغفول عنها بالمنافع النادرة وإن كانت في نفسها من المنافع الظاهرة ، لأنّ اختلاف المرتبة في المنفعة بمجرده لا يجعل المرتبة النازلة من المنافع نادرة في حدّ ذاتها وإن خفيت في نظر أهل العرف ، وعليه فالمرتفع من منافع الدهن إذا تنجّس إنما هو خصوص إباحة أكله ، وأمّا ما سواها من المنافع فهو باق على حاله.

وعلى الجملة : انتفاء بعض المنافع الظاهرة المعروفة عن الأشياء ، كذهاب رائحة الأدهان العطرية ، وعروض حرمة الأكل لما قصد منه أكله من الأدهان ، لا يوجب انتفاء ماليتها بالكلّية ، بل هي موجودة فيها باعتبار منافعها الاُخر الظاهرة وإن كانت غير معروفة .

ومن هنا يتوجّه الحكم بالضمان إذا غصبها غاصب أو أتلفها متلف ، للسيرة القطعية العقلائية ، ولدليل اليد ، إذن فلا وجه لجعل الاستصباح من المنافع النادرة للدهن ، بل هو كغيره من المنافع الظاهرة ، فإن اعتبر قصدها في صحة البيع اعتبر مطلقاً ، وإن لم يعتبر ذلك لم يعتبر مطلقاً .

وأمّا المنافع النادرة للشيء فإنّها لا توجب ماليته ، فكيف يقال باعتبار قصدها في صحة بيعه ، ولا نظن أنّ أحداً يلتزم بمالية الكوز المصنوع من الطين المتنجّس بلحاظ الانتفاع بخزفه في البناء ، على أنه لا دليل على اعتبار أصل القصد وجوداً وعدماً في صحة البيع .

قوله : نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرّمة .

أقول : أشار به إلى الوجه الثالث . ويرد عليه : أنّ مالية الأشياء قائمة بها بما لها

ــ[175]ــ

من المنافع حسب رغبات العقلاء ، إذ الرغبة فيها لا تكون إلاّ لأجل منافعها فالمنافع المترتّبة عليها من قبيل الجهات التعليلية ، بمعنى أنّ رغبة العقلاء فيها ليس إلاّ لأجل منافعها الموجودة فيها ، وحينئذ فبذل المال إنّما هو بأزاء نفس العين فقط وعلّة ذلك البذل هي المنافع ، وعليه فلو قصد البائع المنفعة المحرّمة لم يلزم منه بطلان البيع ، فقد عرفت أنّ مالية الأشياء قائمة بذواتها ، وأنّ المنافع المترتّبة عليها من قبيل العلل والدواعي ، فحرمة بعض المنافع لا توجب حرمة المعاملة على الأشياء إذا كانت حلالا بلحاظ المنافع الاُخر ، ومثال ذلك صحة بيع العنب ممّن يجعله خمراً وسيأتي البحث فيه .

وبعبارة واضحة : الثمن إنّما يقع بازاء العين دون المنافع ، غاية الأمر أنّ ترتّب المنفعة عليها غاية للشراء وداع إليه ، فحرمة المنفعة المشروطة عليه لا توجب بطلان البيع ما لم يكن الثمن بازائها . وممّا يدلّنا على ذلك أنه إذا استوفى المشتري منافع المال الاُخرى غير هذه التي اشترطت عليه في البيع ، أو التي انصرف إليها الإطلاق لم يبطل البيع ، ولا يكون هذا التصرف منه بغير استحقاق .

وممّا ذكرناه تجلّى أنّ أكل الثمن في مقابله ليس أكلا للمال بالباطل كما في المتن فإنه مضافاً إلى ما تقدّم من كون الآية(1) أجنبية عن شرائط العوضين ، وإنّما هي ناظرة إلى حصر المعاملات الصحيحة بالتجارة عن تراض وناهية عن الأسباب الباطلة لها ، أنّ اشتراط المنفعة المحرّمة لا يوجب كون الثمن بازائها ، لكي يكون أكل المال في مقابلها أكلا له بالباطل ، إذ الشروط لا تقابل بالثمن ، وسيأتي ذلك في مبحث الشروط(2) إن شاء الله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 29 .

(2) راجع الجزء السابع من هذا الكتاب : 383 .

ــ[176]ــ

قوله : وإلاّ فسد العقد بفساد الشرط .

أقول : يرد عليه أنّ العقد لا يفسد باشتراط الشرط الفاسد فيه ، وقد اختاره المصنّف في باب الشروط(1)، والوجه فيه : أنّ الالتزام الشرطي أمر آخر وراء الالتزام العقدي ، فلا يستلزم فساده فساد العقد ، وعليه فلا وجه للالتزام ببطلان العقد في المقام باشتراط المنفعة المحرّمة فيه ، لأنّه من صغريات الكبرى المذكورة .

قوله : بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد وإن لم يشترط في متن العقد .

أقول : يرد عليه ما ذكرناه سابقاً من أنّ بذل المال إنّما هو بإزاء نفس العين والمنافع المترتّبة عليها من قبيل الجهات التعليلية . ثم لنسلّم أنّا قد التزمنا ببطلان العقد باشتراط المنفعة المحرّمة . فلا مجال للالتزام بالبطلان بمجرد القصد بعد ما لم يكن مذكوراً في العقد ، إذ لا عبرة بالقصد الساذج إذا لم يكن شرطاً في ضمن العقد . وقد انجلى ممّا حقّقناه بطلان سائر الوجوه والأقوال بأجمعها . هذا كلّه بحسب ما تقتضيه القواعد .

وأمّا بحسب الروايات فقد يقال بلزوم قصد الاستصباح في بيع ذلك الدهن لقول الصادق (عليه السلام) في رواية ابن وهب : « بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به »(2). ولقوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل بن عبدالخالق : « أمّا الزيت فلا تبعه إلاّ لمن تبيّن له فيبتاع للسراج »(3) فإنّهما ظاهرتان في تقييد جواز البيع بقصد الاستصباح . بل بالغ بعضهم وقال : إنّ الرواية الثانية صريحة في ذلك بدعوى حصر جواز البيع فيها بصورة الشراء للإسراج فقط .

وفيه أولا : أنّ الرواية الثانية ضعيفة السند كما تقدّم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 90 .

(2) ، (3) المتقدّمتين في ص169 ، 170 .

ــ[177]ــ

وثانياً : أنّ الظهور البدوي في الروايتين وإن كان ذلك ، ولكن الذي يظهر بعد التأمّل في مدلولهما هو أنّ الاستصباح والإسراج من فوائد التبيين ومتفرّعاته ، وقد أُخذ غاية لذلك لكي لا يقع المشتري في محذور النجاسة باستعماله الدهن المتنجّس فيما هو مشروط بالطهارة كالأكل ونحوه ، إذن فلا دلالة في الروايتين على أنّ اعتبار قصد الاستصباح من شرائط البيع .

وثالثاً : أنّ التوهّم المذكور مبني على جعل الأمر بالبيان في الروايتين للإرشاد إلى الاستصباح بالدهن ، وليس كذلك ، لأنّ الأوامر والنواهي إنما تحمل على الإرشاد إذا اكتنفت بالقرائن الصارفة عن ظهور الأمر في الوجوب ، وعن ظهور النهي في التحريم ، سواء أكانت القرائن حالية أم مقالية ، وسواء أكانت عامة أم خاصّة ، كالأوامر والنواهي المتعلّقة بأجزاء الصلاة وشرائطها ، وكالأوامر والنواهي الواردة في أبواب المعاملات ، كقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)، وكالنهي عن بيع ما ليس عندك(2)، والنهي عن بيع الغرر(3)، وسيأتي البحث عنها في مواضعها(4)، وأمّا فيما نحن فيه فلا قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الأمر بالبيان في الوجوب النفسي وحمله على الإرشاد .

قوله : كما يومئ إلى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية وبيعها .

أقول : وجه الإيماء دلالتها على بطلان بيع الجارية المغنية إذا كان لأجل الغناء فتكون مؤيّدة لما ذكره من كون قصد المنفعة المحرّمة موجباً لبطلان البيع وإن لم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 1 .

(2) الوسائل 18 : 47 / أبواب أحكام العقود ب7 ح2 ، 5 .

(3) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب40 ح3 .

(4) راجع الجزء الخامس من هذا الكتاب : 255 وما بعدها .

ــ[178]ــ

يشترط في ضمن العقد ، وسيأتي الكلام في تلك الروايات(1).

قوله : في رواية الأعرج المتقدّمة .

أقول : ليست الرواية للأعرج ، وليس متنها هو الذي ذكره المصنّف (رحمه الله) وقد عرفت ذلك في أوّل المسألة(2).

وجوب الإعلام بنجاسة الدهن عند البيع

قوله : الثاني : أنّ ظاهر بعض الأخبار وجوب الإعلام .

أقول : قد وقع الخلاف بين الفقهاء في وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن وعدم وجوبه ، وعلى الأول فهل يجب مطلقاً أو فيما إذا كان المشتري بصدد الاستعمال للدهن فيما هو مشروط بالطهارة ؟ وعلى التقديرين فهل الوجوب المذكور نفسي ، أم شرطي بمعنى اعتبار اشتراطه في صحة البيع ؟ وجوه ، المصرّح به في كلامهم هو الوجوب مطلقاً ، وقد تقدّم في عنوان المسألة نقل صاحب الحاشية على سنن البيهقي عن بعض العامّة دعوى الإجماع على ذلك ، واستشهد على ذلك أيضاً بما نقله من الرواية(3).

ثم لا يخفى أنّ موضوع البحث في الإشكال السابق يرجع إلى اشتراط البيع بالاستصباح أو بقصده ، وأمّا هنا فموضوع البحث متمحّض في بيان وجوب الإعلام وعدم وجوبه ، مطلقاً أو في الجملة ، نفسياً أو شرطياً . إذن فالنسبة بينهما هي العموم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص263 .

(2) راجع ص172 ، 170 .

(3) المذكورة في هامش سنن البيهقي 6 : 13 عن ] ابن [ أبي عمران قال : سألت القاسم وسالماً عن الزيت تموت فيه الفارة أفنبيعه ؟ قال : نعم .

ــ[179]ــ

من وجه ، لأنه قد يكون البيع للاستصباح مع جهل المشتري بالنجاسة ، وقد يبيعه لغرض آخر غير الاستصباح مع الإعلام بها ، وقد يجتمعان بأن يبيعه للاستصباح مع الإعلام بها ، وعليه فدعوى اتّحاد الشرطين مجازفة .

قوله : الذي ينبغي أن يقال : إنّه لا إشكال في وجوب الإعلام .

أقول : ظاهر كلامه أنّا إذا اعتبرنا الشرط السابق في بيع الدهن المتنجّس فلا مناص لنا عن القول بوجوب الإعلام بنجاسته ، لتوقّف قصد الاستصباح أو اشتراطه على العلم بها ، وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر . وفيه : أنّ كلا من الأمرين مستقل بنفسه لا يرتبط بالآخر ، نعم قد يجتمعان ، لما عرفته من النسبة المذكورة .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه ربما يقال بأنّ الإعلام بنجاسة الدهن واجب شرطي للبيع ، لقوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير(1): « وأعلمهم إذا بعته » . وفيه : أنّ ظهور الرواية في ذلك وإن كان لا ينكر ، ولكن يجب رفع اليد عنه ، لقوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل(2): « أمّا الزيت فلا تبعه إلاّ لمن تبيّن له » ولقوله (عليه السلام) في رواية ابن وهب(3): « بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به » إذ الأمر بالبيان فيهما ظاهر في الوجوب النفسي ، ولا يجوز المصير إلى إرادة الوجوب الشرطي منه إلاّ بالقرينة ، وهي هنا منتفية ، وهكذا الحال في مطلق الأوامر .

على أنّا وإن قلنا بظهور الأمر بالبيان في الوجوب الشرطي ابتداء ، فإنّ رواية ابن وهب ظاهرة في الوجوب النفسي لوجهين :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدّمة في ص169 .

(2) المتقدّمة في ص170 .

(3) المتقدّمة في ص169 .

ــ[180]ــ

الأول : أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها : « بعه وبيّنه لمن اشتراه » أنّ الإعلام بالنجاسة إنّما هو بعد وقوع البيع وتحقّقه كما يقتضيه التعبير بالماضي بقوله (عليه السلام) : « لمن اشتراه » . ومن الواضح جدّاً أنّ البيان بعد البيع لا يكون من شرائطه إلاّ بنحو الشرط المتأخّر ، وهو في نفسه وإن كان جائزاً كما حقّق في علم الاُصول(1)، ولكن لم يقل به أحد في المقام ، وعليه فلا محيص عن إرادة الوجوب النفسي من الأمر بالبيان في الرواية ، إذ ليس فيها احتمال ثالث .

الثاني : أنّ الاستصباح قد جعل فيها غاية للبيان وفائدة له ، وليس هذا إلاّ لبيان منفعة ذلك الدهن ومورد صرفه لئلاّ يستعمل فيما هو مشروط بالطهارة ، وإلاّ فلا ملازمة بينهما بوجه من الوجوه الشرعية والعقلية والعادية ، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب إلاّ الوجوب النفسي ، ويختص وجوب الإعلام بصورة التسليم ، فلا يجب مع عدمه ، أو مع العلم بأنّ المشتري لا ينتفع به في غير الاستصباح ونحوه ممّا هو غير مشروط بالطهارة .

فتحصّل : أنّ بيع الدهن المتنجّس مشروط بالإعلام ، فيكون من صغريات ما ورد في الحديث(2): « إنّ شرط الله قبل شرطكم » فلا يجوز البيع بدون الإعلام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي 44) : 135 .

(2) المروي في التهذيب 8 : 51 / 164 عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتّخذ عليها سرية فهي طالق ، فقضى في ذلك : أنّ شرط الله قبل شرطكم ، فإن شاء وفى لها بالشرط ، وإن شاء أمسكها واتّخذ عليها ونكح عليها » . وهي موثّقة بعلي بن الحسن بن فضّال . الوسائل 22 : 35 / أبواب مقدّمات الطلاق ب13 ح2 .

 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net