الانتفاع بالأعيان النجسة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3392


الأصل جواز الانتفاع بالأعيان النجسة

قوله : بقي الكلام في حكم نجس العين .

أقول : الظاهر أنّ الأصل جواز الانتفاع بالأعيان النجسة أيضاً إلاّ ما خرج بالدليل كما اختاره بعض الأعاظم ، وإن ذهب المشهور إلى حرمة الانتفاع بها ، بل ادّعي عليه الإجماع . قال في أوّل المكاسب من المراسم : التصرّف في الميتة ولحم


ــ[216]ــ

الخنزير وشحمه والدم والعذرة والأبوال ببيع وغيره حرام(1). وفي المكاسب المحظورة من النهاية : جميع النجاسات محرّم التصرّف فيها(2). وفي فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من المبسوط : نجس العين لا يجوز بيعه ، ولا إجارته ، ولا الانتفاع به ، ولا اقتناؤه بحال إجماعاً ، إلاّ الكلب فإنّ فيه خلافاً(3). وعلى هذا النهج مذاهب فقهاء العامّة(4).

وكيف كان ، فقد استدل على عدم الجواز بوجوه :

منها : الآيات المتقدّمة من قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوهُ) وقوله تعالى : (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) وقد عرفت الجواب عن ذلك آنفاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المراسم : 170 .

(2) النهاية : 364 .

(3) المبسوط 2 : 165 ـ 166 .

(4) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن الحنابلة : لا يصح الانتفاع بالدهن النجس في أي شيء من الأشياء  ، وفي ص209 عن الحنفية : لا يحل الانتفاع بدهن الميتة ، لأنه جزء منها ، وقد حرّمها الشرع فلا تكون مالا . وفي شرح فتح القدير 6 : 64 حكم بحرمة الانتفاع بالميتة ، ثم جعل بطلان البيع دائراً مدار حرمة الانتفاع ، وهي عدم المالية . وفي الفقه على المذاهب الأربعة في الموضع المتقدّم نقل اتّفاق المذاهب على حرمة بيع النجس ، وقد عرفت من شرح فتح القدير الملازمة بين بطلان البيع وحرمة الانتفاع . وفي شرح فتح القدير 6 : 62 نقل عن محمد أنّه لو وقع شعر الخنزير في ماء قليل لا يفسده ، لأنّ حلّ الانتفاع به دليل طهارته . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 167 عن الحنفية لا ينعقد بيع كل ما لا يباح الانتفاع به شرعاً . وفي شرح فتح القدير 8 : 486 نقل عن بعضهم حرمة الانتفاع بالنجس ونقضه بجواز الانتفاع بالسرقين ، فإنه مع القول بنجاسته يجوز بيعه والانتفاع به بخلاف العذرة .

ــ[217]ــ

ومنها : قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ)(1) فإنّ عموم التحريم فيها يقتضي حرمة الانتفاع بما ذكر فيها ، وبعدم القول بالفصل بين أفراد النجس يتم المطلوب .

وفيه : أنّ تحريم أي شيء إنّما هو بحسب ما يناسبه من التصرفات ، فما يناسب الميتة والدم ولحم الخنزير إنّما هو تحريم الأكل لا جميع التصرفات ، كما أنّ المناسب لتحريم الاُم والبنت في قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ)(2) إنّما هو تحريم النكاح فقط ، دون النظر والتكلّم .

ومنها : ما أشار إليه المصنّف بقوله : ويدل عليه أيضاً كل ما دل من الأخبار والإجماع على عدم جواز بيع نجس العين ، بناء على أنّ المنع من بيعه لا يكون إلاّ مع حرمة الانتفاع به .

ولكنّا لم نجد فيما تقدّم ولا فيما يأتي ما دل من الأخبار على عدم جواز بيع النجس بعنوانه ، فضلا عن كون المنع عن البيع من جهة عدم جواز الانتفاع به ، نعم تقدّم(3) في مبحث بيع الميتة ما دل على حرمة الانتفاع بالميتة ، إلاّ أنّك عرفت هناك معارضتها بما دل على جواز الانتفاع بها ، وأنّ الترجيح للروايات المجوّزة . على أنّا إذا أخذنا بالروايات المانعة فهي أخص من المدّعى ، لأنّها مختصّة بالميتة ، وموضوع كلامنا أعم منها ومن سائر النجاسات .

نعم رواية تحف العقول صريحة في المدّعى ، فإنّ دلالة قوله (عليه السلام) فيها :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 3 .

(2) النساء 4 : 23 .

(3) في ص96 ـ 99 .

ــ[218]ــ

« أو شيء من وجوه النجس ، فهذا كلّه حرام محرّم ، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه ، فجميع تقلّبه في ذلك حرام » صريحة لا تكاد تنكر ، ولا وجه لحملها على الإمساك والتقلّب لأجل الأكل والشرب كما في المتن ، إلاّ أنّ الرواية لا يجوز الاعتماد عليها ، لضعف سندها وعدم انجباره بعمل المشهور بها .

ومنها : قوله (عليه السلام) في دعائم الإسلام : « وما كان محرّماً أصله منهياً عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه »(1) بدعوى أنّ حرمة البيع في الرواية قد علّقت على حرمة الشيء من أصله ، فلابدّ وأن يكون الانتفاع به محرّماً مطلقاً ، إذ لو جاز الانتفاع به لجاز بيعه ، للملازمة بينهما .

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند فيها ، أنّ المراد بالحرمة في الرواية حرمة التصرفات المناسبة لذلك الشيء المحرّم ، لا حرمة جميع التصرفات ، وعليه فلا يستفاد منها حرمة جميع الانتفاعات . على أنّا لو سلّمنا دلالتها على حرمة جميع التصرفات فغاية ما يستفاد منها أنّ كل ما لا يجوز الانتفاع به بوجه فلا يجوز بيعه لا أنّ كل ما لا يجوز بيعه فلا يجوز الانتفاع به كما هو المدّعى.

وممّا ذكرناه تجلّى ما في النبوي المشهور المجعول : « إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه »(2). وبالجملة : إنّا لم نجد آية ولا رواية تدل على حرمة الانتفاع بنجس العين مطلقاً إلاّ في موارد خاصة كالخمر .

ومنها : الإجماع المدّعى على حرمة الانتفاع بها ، وتقريره بوجهين :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد تقدّم في ص33 .

(2) عوالي اللئالي 2 : 110 / 301 ، سنن الدارقطني 3 : 7 / 20 .

ــ[219]ــ

الأول : دعوى الإجماع على حرمة بيعها ، وبما أنّ حرمة البيع تستلزم حرمة الانتفاع ، للملازمة بينهما ـ وقد عرفت ذلك في الحاشية عن بعض العامّة ـ فيكون الثاني أيضاً مورداً للإجماع .

وفيه : منع الملازمة بين الحرمتين ، لجواز كون النهي عن بيعه تعبّداً محضاً وعليه فإذا قام الإجماع على حرمة البيع فلا يمكن أن يستدل به على حرمة الانتفاع إلاّ بالحدس الظنّي ، ومن الواضح أنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ، بل اللازم أن يقتصر في الإجماع على مورده المتيقّن ، من دون أن يتعدّى إلى غيره .

الثاني : دعوى الإجماع على حرمة الانتفاع بها ابتداء ، كما هو الظاهر من فخر الدين(1) والفاضل المقداد(2).

وفيه : أنّ دعواه في مثل هذه المسألة مع ذهاب الأكثر إلى جواز الانتفاع بها من الاُمور الصعبة ، ولو سلّمت هذه الدعوى فلا يمكن إثبات كونه إجماعاً تعبّدياً لإمكان استناد المجمعين في ذلك إلى الوجوه المذكورة .

قوله : الجابر لرواية تحف العقول . أقول : قد تقدّم في أوّل الكتاب عدم انجبار ضعف الرواية بشيء من الشهرة والإجماع وغيرهما .

قوله : مع احتمال أن يراد من جميع التقلّب جميع أنواع التعاطي لا الاستعمالات . أقول : إذا فرضنا اعتبار الرواية فلا مناص من القول بحرمة التصرف في الأعيان النجسة على وجه الإطلاق ولو بالإمساك ، ولا وجه لتقييدها بخصوص التعاطي ، كما لا وجه لتقييد النهي عن الإمساك بالإمساك على وجه محرّم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا توجد لدينا نسخة منه .

(2) التنقيح الرائع 2 : 5 .

ــ[220]ــ

قوله : نعم يمكن أن يقال : إنّ مثل هذه الاستعمالات .

أقول : توضيحه : أنّ النهي عن الانتفاع بشيء ينصرف إلى النهي عن الانتفاع به في منافعه الظاهرة ، لأنّ المنفعة النادرة لا تعد من المنافع عرفاً ، فهي خارجة عن حدود النهي وإن كان الإطلاق في نفسه شاملا لها .

لا يقال : إنّ النهي عن الانتفاع بشيء يدل على تحريم جميع منافعه ، لأنّ النهي عن الطبيعة يقتضي الانزجار عن جميع أفرادها ، ولذلك كان دالا على العموم  .

فإنّه يقال : إنّ الدلالة على العموم إنّما تسلّم بمقدار ما ينصرف إليه اللفظ فقط ونظير ذلك العمومات الناهية عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فإنّه ينصرف إلى غير الإنسان ، فلا ينعقد للعموم ظهور إلاّ به .

ولا يخفى أنّ القول بحرمة الانتفاع بالنجس مطلقاً لا يقتضي حرمة اقتنائه وإن كان الاقتناء لغير الغرض العقلائي ، ومن هنا ورد في جملة من الأحاديث جواز اقتناء الخمر(1)، بل أخذها للتخليل ، مع أنّها من الخبائث الشديدة . وورد أيضاً جواز اقتناء بعض الكلاب وقد تقدّم ذلك في البحث عن بيعها(2).

قوله : والعذرة للتسميد . أقول : التسميد في اللغة(3) ما يصلح به الزرع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الكافي 6 : 428 / باب الخمر تجعل خلا ، والتهذيب 9 : 117 / 504 وما بعده والوافي 20 : 675 / ب165 ، والوسائل 25 : 370 / أبواب الأشربة المحرّمة ب31 .

(2) في ص159 .

(3) عن المصباح ] 288 مادّة السماد [ : السماد وزان السلام : ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين ، سمدت الأرض تسميداً أصلحها بالسماد . وفي القاموس ] 1 : 303 مادّة سَمَد [ : وسمد الأرض تسميداً جعل فيها السماد ، أي السرجين برماد . وفي مجمع البحرين ] 3 : 70 مادّة سمد [ : والسماد كسلام : ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين ، وتسميد الأرض هو أن يجعل فيها السماد .

 
 

ــ[221]ــ

قوله : كما يدلّ عليه وقوع السؤال في بعض الروايات(1) عن الجص .

أقول : قال المحدّث الكاشاني في كتاب الوافي : لعلّ المراد بالماء الماء الممزوج بالجص ... أو ماء المطر الذي يصيب أرض المسجد المجصّص بذلك الجص ، وكأنّه كان بلا سقف ، فإنّ السنّة فيه ذلك . والمراد بالنار ما يحصل من الوقود التي يستحيل بها أجزاء العذرة والعظام المختلطة بالجص رماداً ، فإنّها تطهر بالاستحالة ، والغرض أنه قد ورد على ذلك الجص أمران مطهّران هما النار والماء ، فلم يبق ريب في طهارته ، فلا يرد السؤال بأنّ النار إذا طهّرته أولا فكيف يحكم بتطهير الماء له ثانياً إذ لا يلزم من ورود المطهّر الثاني تأثيره في التطهير(2).

وقال في الوسائل : تطهير النار للنجاسة باحالتها رماداً أو دخاناً ، وتطهير الماء : أعني ما يجبل به الجص يراد به حصول النظافة وزوال النفرة(3).

أقول : يمكن أن يراد من الماء ماء المطر الذي يصيب الموضع المجصّص بذلك الجص المتنجّس لكون المسجد مكشوفاً وبلا سقف كما احتمله الكاشاني ، وأن يراد من النار الشمس ، فإنّ الشمس إذا جفّفت شيئاً طهّرته . ويمكن أن يراد من التطهير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحسن بن محبوب قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ، ثم يجصّص به المسجد ، أيسجد عليه ؟ فكتب إليّ بخطّه : إنّ الماء والنار قد طهراه » وهي صحيحة . راجع الكافي 3 : 330 / 3 ، والتهذيب 2 : 235 / 928 ، والوافي 6  : 234 / 29 ، والوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب81 ح1 .

(2) الوافي 6 : 235 / ذيل ح29 .

(3) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ذيل ب81 .

ــ[222]ــ

التنظيف مجازاً كما احتمله في المستند(1) مطلقاً ، وصاحب الوسائل في خصوص الماء  .

ومع الإغماض عمّا ذكرناه فالرواية مجملة ، يرد علمها إلى أهلها ، فإنّ الثابت في الشريعة أنّ النار إنّما تطهر من النجاسات ما أحالته رماداً ، وهذا الشرط غير حاصل في الجص ، وأنّ الماء القليل إنّما يطهّر الموضع المغسول إذا ورد عليه ثم انفصلت غسالته عنه ، وكلا الأمرين منتف هنا ، إلاّ أن يقال بعدم انفعال الماء القليل بامتزاجه بالجص ، وعدم اشتراط انفصال الغسالة في التطهير به ، كما أشار إليه المحدّث الكاشاني في كلامه المتقدّم ، قال : لعلّ المراد بالماء الماء الممزوج بالجص . وكلا الأمرين مخدوش ، وتفصيل الكلام في محلّه(2).

وكيف كان ، فالمستفاد من الرواية أمران ، أحدهما : اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه ، وثانيهما : جواز السجود على الجص ولو كان مطبوخاً .

قوله : ثم إنّ منفعة النجس المحلّلة للأصل أو للنص قد يجعلها مالا عرفاً ، إلاّ أنّه منع الشرع عن بيعه كجلد الميتة .

أقول : قد ظهر ممّا ذكرناه أنه لا ملازمة بين حرمة بيع الأعيان النجسة وبين حرمة الانتفاع بها وسقوطها عن المالية ، بل لابدّ من ملاحظة دليل الحرمة هل يوجد فيه ما يدل على إلغاء المالية من قبل الشارع كما في الخمر والخنزير ، فإن كان فيه ما يدل على ذلك اُخذ به وحكم بعدم ترتّب آثار المالية عليها من الإرث والضمان وغيرهما ، وإلاّ فلا يصح أن يحكم بحرمة الانتفاع بها لمجرد حرمة بيعها كيف وقد علمت جواز الانتفاع بالميتة والعذرة وشعر الخنزير وكلب الماشية وكلب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستند 1 : 327 .

(2) لاحظ شرح العروة 3 : 244 ، 4 : 63 .

ــ[223]ــ

الحائط وكلب الزرع وغيرها من أنواع النجاسات مع ذهاب الأكثر إلى حرمة بيعها  .

وعلى ذلك يجب أن تترتّب عليها جميع آثار المالية ، فإذا أتلفها أحد ضمنها لمالكها ، وإذا مات مالكها انتقلت إلى وارثه ، ولا يجوز للغير أن يزاحم الورثة في تصرفاتهم ، وكذلك تجوز إعارتها وإجارتها وهبتها ولو هبة معوّضة ، لأنّ حقيقة الهبة متقوّمة بالمجانية ، واشتراط العوض فيها أمر زائد على حقيقتها ، وفائدته جواز فسخ الواهب إيّاها إذا لم يف له المتّهب بالشرط .

لا يقال : إنّ الشيء إذا حرم بيعه حرمت سائر المعاملات عليه بطريق الأولوية القطعية . فإنّه يقال : إنّ الأحكام الشرعية توقيفية محضة ، فلا يجوز التعدّي عن مورد ثبت فيه التعبّد إلى غيره إلاّ بدليل ، والموجود في أدلّة النهي عن بيع الأعيان النجسة في غير ما ألغى الشارع ماليته إنّما هو حرمة ثمنها ، فلا تشمل العوض في سائر المعاملات ، لعدم إطلاق الثمن عليه ، إلاّ في الصلح بناء على كونه بيعاً ومن قبيل المبادلة بين المالين .

قال المحقّق الإيرواني : إنّ المالية لا تدور مدار المنفعة ، فإنّ الجواهر النفيسة ومنها النقود أموال ، ولا فائدة فيها ... وفي الماء على الشط أهم المنافع ولا يعد مالا والتراب ينتفع به أهم الانتفاع من اصطناع آجر أو خزف أو إناء وليس بمال(1).

وفيه : أنه لا شبهة في دوران المالية الشرعية مدار المنفعة المحلّلة ، ودوران المالية العرفية مدار مطلق المنافع وإن كانت محرّمة ، ولكن الانتفاع بالأشياء ليس على نسق واحد ، بل يختلف باختلاف ذي النفع ، فنفع الجواهر والنقود بيعها وشراؤها وجعلها أثماناً للأمتعة والعروض ، وأمّا عدم كون الماء على الشط والتراب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 75 .

ــ[224]ــ

في البر من الأموال مع الانتفاع بها أهم الانتفاع فلكون الناس في الانتفاع بهما شرعاً سواء ، ولذا لو اختصّا بشخص واحد كبعض أقسام التراب فإنّ الناس يبذلون بازائهما المال المهم . وعلى الإجمال : مالية الأشياء إنّما هي باعتبار منافعها ، فعديم المنفعة ليس من الأموال .

حقيقة حق الاختصاص ومنشأ ثبوته

قوله : والظاهر ثبوت حق الاختصاص في هذه الاُمور .

أقول : قد قامت السيرة القطعية الشرعية والعقلائية على ثبوت حق الاختصاص والأولوية للملاّك في أموالهم التي سقطت عن المالية للعوارض والطوارئ ، كالماء على الشط ، والحيوان المملوك إذا مات ، والأراضي المملوكة إذا جعلها الجائر بين الناس شرعاً سواء ، كالطرق والشوارع المغصوبة ، بديهة عدم جواز مزاحمة الأجانب عن تصرف الملاك في أمثال تلك الموارد ما لم يثبت الإعراض ، وهذا ممّا لا ريب فيه ، وإنّما الكلام في منشأ ذلك الحق ، وقد استدل عليه بوجوه :

الأول : أنّ حق الاختصاص سلطنة ثابتة في الأموال ، وهي غير الملكية ، فإذا زالت الملكية بقي الحق على حاله ، لأنّ كل واحد منهما ناشئ عن سبب خاص به .

وفيه : أنّ ذلك وإن كان ممكناً في مقام الثبوت ، إلاّ أنّه ممنوع في مقام الإثبات لعدم الدليل عليه .

الثاني : أنّ حق الاختصاص مرتبة ضعيفة من الملكية ، فإذا زالت الملكية بحدّها الأقوى بقيت منها المرتبة الضعيفة التي نسمّيها بحق الاختصاص ، لعدم الملازمة بينهما في الارتفاع ، ويتّضح ذلك بملاحظة الألوان والكيفيات الخارجية .

وفيه : أنّ الملكية الحقيقية من أيّة مقولة كانت جِدَة أو إضافة ليست قابلة

ــ[225]ــ

للشدّة والضعف حتى تعتبر بحدّها الضعيف تارةً ، وبحدّها القوي تارةً اُخرى ، بل هي أمر بسيط ، فإذا زالت زالت بأصلها .

ولو سلّمنا كون الملكية الحقيقية ذات مراتب لم يجر ذلك في الاعتبارية ، فإنّ اعتبار كل مرتبة منها مغاير لاعتبار المرتبة الاُخرى ، وإذا زال اعتبار المرتبة القوية لم يبق بعده اعتبار آخر للمرتبة الضعيفة ، وعليه فلا يبقى هناك شيء آخر لكي يسمّى بالحق .

وهذا لا ينافي ما هو المعروف من أنّ الحق في نفسه مرتبة ضعيفة من الملك فإنّ معنى هذا الكلام أنّ الملك والحق كليهما من مقولة السلطنة ، وأنّ الملك سلطنة قوية والحق سلطنة ضعيفة ، وهو أمر آخر غير اختلاف حقيقة الملك بالشدّة والضعف والكمال والنقص نظير الألوان كما توهّم . ونظير ما نحن فيه تسمية الرجحان الضعيف في باب الأوامر بالاستحباب والرجحان الشديد بالوجوب وهو أمر وراء كون الاستحباب مرتبة ضعيفة من الوجوب .

الثالث : قد ثبت في الشريعة المقدّسة أنه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلاّ بطيب نفسه ، وقد دلّت على ذلك السيرة القطعية وجملة من الأخبار(1) فإذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الاحتجاج 2 : 559 / 351 عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال : كان فيما ورد عليّ من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدّس الله روحه) في جواب مسائل إلى صاحب الزمان ، إلى أن قال (عليه السلام) : « وأمّا ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتساباً للأجر وتقرّباً إليكم ، فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه ، فكيف يحل ذلك في مالنا ، من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منّا ما حرم عليه ، ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً ، وسيصلى سعيراً » .

وعن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث : « إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها ، فإنّه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه » وهي موثّقة بزرعة وسماعة الواقفيين . راجع الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 .

وعن تحف العقول : 34 عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال في خطبة حجّة الوداع : « أيّها الناس إنّما المؤمنون اُخوة ، ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلاّ عن طيب نفس منه » وهي مرسلة .

وفي المستدرك 3 : 331 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 عن عوالي اللئالي ] 3 : 473 / 1، 1 : 146 / 82 [ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : « المسلم أخو المسلم ، لا يحل ماله إلاّ عن طيب نفسه » وهي مرسلة . وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال : « لا يحلبنّ أحدكم ماشية أخيه إلاّ بإذنه » وهي مرسلة .

ــ[226]ــ

زالت الملكية وشككنا في زوال ذلك الحكم كان مقتضى الاستصحاب الحكم ببقائه .

وفيه : مضافاً إلى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام ، لمعارضته دائماً بأصالة عدم الجعل كما نقّحناه في علم الاُصول(1) أنّ موضوع الحكم بحرمة التصرف هو مال الغير ، فإذا سقط الشيء عن المالية سقطت عنه حرمة التصرف حتى إذا كان باقياً على صفة المملوكية ، إذ لا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير  ، فكيف إذا زالت عنه الملكية أيضاً .

الرابع : دعوى الإجماع على ذلك . وفيه : أنّ دعوى الإجماع التعبّدي في المسألة بعيدة جدّاً ، فإنّ من الممكن استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة .

الخامس : دلالة المرسلة المعروفة بين الفقهاء « من حاز ملك » وقوله (صلّى الله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 42 .

ــ[227]ــ

عليه وآله) : « من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به »(1) على وجود ذلك الحق في الأشياء التي سقطت عنها المالية.

وفيه : أنّ حديث الحيازة وإن اشتهر في ألسنة الفقهاء وكتبهم الاستدلالية ولكنّا لم نجده في اُصول الحديث من الخاصة والعامة ، والظاهر أنه قاعدة فقهية متصيّدة من الروايات الواردة في الأبواب المختلفة ، كإحياء الموات والتحجير وغيرهما ، كسائر القواعد الفقهية المضروبة لبيان الأحكام الجزئية .

ولو سلّمنا كون ذلك رواية أو كان بناء الفقهاء على الاستدلال بالقاعدة ، فلا دلالة فيها على ثبوت حق الاختصاص بعد زوال الملكية ، فإنّ الظاهر منها ليس إلاّ ثبوت مالكية المحيز للمحاز ، وأمّا الزائد عن ذلك فلا دلالة لها عليه .

على أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء ، فإنّ الشهرة إنّما تكون جابرة لضعف سند الرواية إذا علم استناد المشهور إلى الرواية الضعيفة ، ولا ريب أنّ استناد أكثرهم هنا أو كلّهم إلى غيرها ، وإنّما ذكروها للتأييد والتأكيد . ويضاف إلى ذلك : أنّ جبر الرواية الضعيفة بالشهرة ضعيف المبنى ، وقد أشرنا إليه في أوّل الكتاب(2).

وأمّا حديث السبق ففيه أولا : أنه ضعيف السند ، وغير منجبر بشيء صغرى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في سنن البيهقي 6 : 142 أسمر بن مضرس قال : « أتيت النبي (صلّى الله عليه وآله) فبايعته فقال : من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له . قال : فخرج الناس يتعادون يتخاطون  »  .

وفي أول إحياء الموات من المبسوط 3 : 268 لشيخ الطائفة ، وفي المستدرك 17 : 111 / كتاب إحياء الموات ب1 ح4 : روي عنه (صلّى الله عليه وآله) قال : « من سبق إلى ما لا يسبقه إليه المسلم فهو أحقّ به » .

(2) في ص8 .

ــ[228]ــ

وكبرى ، وثانياً : أنّ ما نحن فيه خارج عن حدود هذا الحديث ، فإنّ مورده الموارد المشتركة بين المسلمين ، بأن يكون لكل واحد منهم حق الانتفاع بها ، كالأوقاف العامة من المساجد والمشاهد والمدارس والرباط وغيرها ، فإذا سبق إليها أحد من الموقوف عليهم وأشغلها بالجهة التي انعقد عليها الوقف حرمت على غيره مزاحمته وممانعته في ذلك . ولو عمّمناه إلى موارد الحيازة فإنّما يدل على ثبوت الحق الجديد للمحيز في المحاز ، ولا يدل على بقاء العلقة بين المالك وملكه بعد زوال الملكية .

ومن جميع ما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقّق الإيرواني من الوهن ، حيث قال ]  تعليقاً على قول المصنّف [ : والظاهر ثبوت حق الاختصاص : أمّا في الحيازة فلعموم دليل من سبق إلى ما لم يسبقه أحد (مسلم) فهو أولى به (أحق به) وأمّا فيما إذا كان أصله ملكاً للشخص فلاستصحاب بقاء العلقة(1). فقد علمت أنّ المورد ليس ممّا يجري فيه الاستصحاب . وأنّ الحديث لا يدل على المدّعى .

قوله : ثم إنه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع .

أقول : محصّل كلامه أنه يشترط في الاختصاص قصد الحائز الانتفاع بالمحاز فلو خلت حيازته عن ذلك القصد لم يثبت له حق الاختصاص في المحاز وجاز لغيره مع العلم بذلك أن يزاحمه في التصرفات . ولا فرق في ذلك بين الأوقاف العامة والمباحات الأصلية ، وعليه فيشكل الأمر فيما يتعارف في أكثر البلاد من جمع العذرة وبيعها لتسميد البساتين والزروع ، فإنّ الظاهر بل المقطوع به أنه ليس للشخص قصد الانتفاع بفضلاته ، ولم يحرزها للانتفاع بها ، فيكون أخذ المال بازائها أخذاً محرّماً .

ولكن التحقيق أن يقال : إنّ المحاز قد يكون من الأمكنة المشتركة كالأوقاف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 76 .

ــ[229]ــ

العامة ، وقد يكون من المباحات الأصلية .

أمّا الأول : فلا ريب في أنّ اختصاص الحائز به مشروط بقصد الانتفاع على حسب ما أوقفه أهله ، وإلاّ فلا يثبت له الاختصاص ، لكونه على خلاف مقصود الواقف ، ومن هنا لم يجز بيعه ولا هبته ولا إجارته ولا استملاكه .

على أنّا لو قلنا بعدم الاشتراط بذلك لجاز إشغال المساجد ومعابد المسلمين بنحو من الحيازة ولو بإلقاء السجّادة ووضع التربة ثم بيعها من المصلّين ، ومن البديهي أنّ هذا على خلاف وجهة الوقف ، نعم لو اكتفينا في ثبوت الاختصاص بمجرد قصد الحيازة ، ولم نشترط فيه قصد الانتفاع ، وقلنا بأنّ حق الاختصاص مما تجوز المعاوضة عليه ، لارتفع الإشكال .

وأمّا الثاني ـ كالاحتطاب والاصطياد ـ فالظاهر أنّ الاختصاص به غير مشروط بشيء ، بل يكفي فيه مجرد الحيازة الخارجية ، لعدم الدليل على التقييد ، ومن هنا ذهب جمع من الأصحاب ومن العامة إلى عدم الاشتراط . ويظهر ذلك لمن يلاحظ الموارد المناسبة لما نحن فيه .

قال الشيخ في الخلاف : الأرضون الموات للإمام خاصّة ، لا يملكها أحد بالإحياء إلاّ أن يأذن له الإمام . وقال الشافعي : من أحياها ملكها ، أذن له الإمام أو لم يأذن . وقال أبو حنيفة : لا يملك إلاّ بإذن . وهو قول مالك . دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(1).

ولو كان لتقييد الاختصاص بقصد الانتفاع وجه لكان ذلك مورداً للخلاف كالتقييد بإذن الإمام .

ويؤيّده عموم رواية : « من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به »

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الخلاف 3 : 525 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net