الدراهم المغشوشة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2298


ــ[246]ــ

حكم بيع الدراهم المغشوشة

قوله : ومنها الدراهم الخارجة المعمولة لأجل غش الناس .

أقول : لا شبهة في حرمة غش المؤمن في البيع والشراء وضعاً وتكليفاً وسنذكر ذلك عند التعرّض لحرمة الغش(1) وإنّما الكلام هنا يقع في ناحيتين : الاُولى  : جواز الانتفاع بها في التزيين وفي دفعه إلى العشّار في المكوس والگمارك وإلى الظالم ، وعدم جوازه . الثانية : جواز المعاوضة عليها وعدم جوازها .

أمّا الناحية الاُولى : فقد استدل على الحرمة بروايات :

منها : ما في رواية الجعفي من الأمر بكسر الدرهم المغشوش ، وأنه لا يحل بيعه ولا إنفاقه(2).

وفيه : أنّ الأمر فيها ليس تكليفياً ليجب كسره ويحرم تركه ، بل هو إرشاد إلى عدم صحة المعاوضة عليها وعدم جواز أداء الحقوق الواجبة منها ، ويدل على ذلك من الرواية تعليل الإمام (عليه السلام) الأمر بالكسر بأنه لا يحل بيعه ولا إنفاقه ، إذ من البديهي أنّ الصدّ عن بيعه وإنفاقه في الخارج لا ينحصر في الكسر ، بل يحصل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص461 وما بعدها .

(2) ففي التهذيب 7 : 109 / 466 ، والوافي 18 : 647 / 8 ، والوسائل 18 : 186 / أبواب الصرف ب10 ح5 عن المفضل بن عمر الجعفي قال : « كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فاُلقي بين يديه دراهم ، فألقى إليّ درهماً منها فقال : أيش هذا ؟ فقلت : ستوق ، فقال : وما الستوق ؟ فقلت : طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضّة ، فقال : اكسرها ، فإنه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه » وهي ضعيفة بعلي بن الحسن الصيرفي .

قال في الوافي : الستوق بالضم والفتح معاً ، وتشديد التاء ، وتستوق بضم التاء : الزيف البهرج الملبّس بالفضة ، طبقتين فضة . الصواب طبقة من فضة ، وكأنّه ممّا صحّفه النسّاخ ، وحمل منع انفاقه في التهذيبين على ما إذا لم يبيّن أنه كذلك ، فيظن الآخذ أنه جيد .

ــ[247]ــ

بغيره أيضاً .

ومنها : ما في رواية موسى بن بكر(1) من أنّ الإمام (عليه السلام) قطع الدينار المغشوش بنصفين وأمره بالقائه في البالوعة حتى لا يباع ما فيه غش ، إذ لو جاز الانتفاع به في وجه لما قطعه بنصفين .

وفيه أولا : أنّ الرواية ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء . وثانياً : أنّ فعله (عليه السلام) وإن كان حجّة كسائر الأمارات الشرعية كما حقّق في محلّه ، إلاّ أنّ ذلك فيما تكون وجهة الفعل معلومة ، وعليه فلا يستفاد من الرواية أكثر من الجواز الشرعي ، ويكون مؤدّاها الإرشاد إلى عدم نفوذ المعاملة عليه ، لوجود الغش فيه والشاهد على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام) : « حتى لا يباع شيء فيه غش » بل الظاهر أنه كان غشاً محضاً ، وإلاّ لما أمر الإمام (عليه السلام) بالقائه في البالوعة
لكون هذا الفعل من أعلى مراتب الإسراف والتبذير . ومن هنا ظهر ما في رواية دعائم الإسلام(2) من حكمه (عليه السلام) بقطع الدرهم المغشوش .

وأمّا الناحية الثانية : فتوضيح الكلام فيها : أنّ للدراهم المغشوشة حالتين الاُولى : أن تكون رائجة بين الناس حتى مع العلم بالغش ، كالدراهم الرائجة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الكافي 5 : 160 / 3 ، والتهذيب 7 : 12 / 50 ، والوافي 17 : 466 / 3 ، والوسائل 17  : 280 / أبواب ما يكتسب به ب86 ح5 عن موسى بن بكر قال : « كنّا عند أبي الحسن (عليه السلام) فإذا دنانير مصبوبة بين يديه ، فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعه بنصفين ثم قال لي : ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش » وهي ضعيفة بالإرسال ، وبالحسن ابن علي بن أبي عثمان ]  ولقبه سجادة [ .

(2) في المستدرك 13 : 350 / أبواب الصرف ب6 ح1 ، دعائم الإسلام 2 : 29 / 59 عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال في الستوق وهو المطبق عليه الفضة وداخله نحاس : « يقطع ولا يحل أن ينفق » وهي مرسلة .

ــ[248]ــ

زماننا . والثانية : أن لا تكون رائجة بينهم .

أمّا الحالة الاُولى : فلا شبهة في جواز المعاوضة على الدراهم المذكورة ، لأنّ الغرض الأصيل منها ـ أعني الرواج ـ غير تابع لخلوص المواد ونقائها من الغش بل هو تابع لاعتبار سلطان الوقت لها وجريان القانون الحكومي عليه ، من غير فرق بين اغتشاش المادة وخلوصها ، نعم إذا سقطت عن الاعتبار فلا تجوز المعاوضة عليها من دون إعلام .

وأمّا الحالة الثانية : فإنّ المعاوضة قد تقع على الدرهم الكلّي ثم يدفع البائع الدرهم المغشوش عند الإقباض ، وقد تقع على شخص الدرهم الخارجي المغشوش .

فعلى الأول : لا وجه للبطلان أيضاً ، ولا خيار للمشتري ، بل يجبر البائع على التبديل ، فإن حصل التبديل فيها ، وإلاّ كان للمشتري الخيار .

وعلى الثاني : فقد يكون المتعاملان كلاهما عالمين بالغش ، وقد يكونان جاهلين به ، وقد يكونان مختلفين .

أمّا الصورة الاُولى : فلا ريب في إباحة البيع تكليفاً ونفوذه وضعاً للعمومات  .

ودعوى أنّ الغش مانع عن صحة البيع للأخبار المتظافرة الآتية في البحث عن حرمة الغش دعوى جزافية ، ضرورة خروج هذه الصورة عن موردها خروجاً تخصصيّاً ، إذ الغش إنما يتقوّم بعلم الغار وجهل المغرور ، وقد فرضنا علم المتبايعين بالحال . والتمسّك لذلك بروايتي الجعفي وموسى بن بكر المتقدّمتين بدعوى ظهورهما في حرمة بيع الدراهم والدنانير المغشوشة توهّم فاسد ، فإنّ الروايتين وإن كانتا ظاهرتين في ذلك ولكن يجب حملهما على الكراهة ، لصراحة ما دل من

ــ[249]ــ

الروايات(1) على جواز البيع مع علم المتبايعين بالحال .

وأمّا الصورة الثانية : فالتحقيق فيها أنّ الكلام تارةً يقع في الحرمة التكليفية واُخرى في الحرمة الوضعية ، أمّا الحرمة التكليفية فمنفية جزماً ، لفقد موضوعها ـ  وهو الغش ـ مع جهل المتبايعين .

وأمّا الحرمة الوضعية بمعنى عدم نفوذ البيع فتوضيح الحال فيها يتوقّف على مقدّمة قد أوضحناها في البحث عن بيع هياكل العبادة(2) وتعرّض المصنّف لها في خيار تخلّف الشرط(3)، ولا بأس هنا بالإشارة إليها إجمالا ، وملخّصها : أنّ القيود في المبيع ـ سواء كانت من قبيل الأوصاف أو الشروط ـ إمّا صور نوعية عرفية ، أو جهات كمالية .

فإن كانت من القبيل الأول فلا ريب في بطلان البيع مع التخلّف ، كما إذا اشترى جارية على أنها شابة جميلة فظهرت عبداً شائباً كريه الوجه ، أو اشترى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي التهذيب 7 : 109 / 467 ، والوافي 18 : 645 / 2 ، والوسائل 18 : 185 / أبواب الصرف ب10 ح2 عن محمد بن مسلم قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يعمل الدراهم ، يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها ؟ قال : إذا بيّن ذلك فلا بأس » وهي صحيحة .

والتهذيب ] 7 : 110 / 476 [ عن ابن أبي عمير عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : اشتري الشيء بالدراهم فاُعطي الناقص الحبّة والحبّتين ؟ قال : لا ، حتى تبيّنه » الحديث . قال المحدّث النوري في المستدرك 24 (الخاتمة : 6 / الفائدة السادسة) : 267 عند التعرّض لمشيخة التهذيب : وإلى محمّد بن أبي عمير ثلاث طرق حسنات في المشيخة والفهرست  . وعليه فالرواية المذكورة حسنة .

(2) راجع ص234 وما بعدها .

(3) ] لعلّه يشير إلى ما يذكره في الجزء السابع من هذا الكتاب : 396 [ .

ــ[250]ــ

صندوقاً فظهر أنه طبل .

ووجه البطلان : أنّ ما جرى عليه العقد غير واقع ، وما هو واقع لم يجر عليه العقد ، فإنّ ما تعلّقت به المعاملة وإن اتّحد في الحقيقة مع ما تسلّمه المشتري ، إلاّ أنّهما في نظر العرف متباينان ، ولا يتقسّط الثمن على المادّة والهيئة لتبطل المعاملة فيما قابل الهيئة وتنفذ فيما قابل المادّة ، كما يتجزّأ فيما إذا باع ما يملك وما لا يملك صفقة واحدة كالشاة مع الخنزير ، وذلك لما عرفت من فساد الانحلال والتقسيط فيما إذا كانت الكثرة تحليلية عقلية .

وإن كانت من القبيل الثاني فلا وجه للبطلان ، بل يثبت خيار تخلّف الشرط كما إذا باع عبداً على أنه كاتب فبان أنه غير كاتب ، أو باع كبشاً فظهر أنه نعجة . والوجه في ذلك هو أنّ الفائت ليس إلاّ من الأوصاف الكمالية ، فلا يوجب تخلّفه إلاّ الخيار .

ففي المقام إذا باع درهماً على أنه مسكوك بسكّة السلطان فبان أنه مسكوك بسكّة التاجر بطل البيع ، لكون الاختلاف بينهما من الاختلاف في الصور النوعية . وأمّا لو باع درهماً على أنه طازج فبان أنه عتيق فإنّ البيع صحيح ، وإنّما يثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط .

ومن هنا ظهر ما في كلام المصنّف من الوهن ، حيث أثبت خيار التدليس مع تفاوت السكّة ، ووجه الوهن هو أنّ الملحوظ إن كان هي المادّة المجرّدة فلا بطلان ولا خيار ، وإن كان هي مع الهيئة أو الهيئة المحضة فلا مناص عن البطلان ، نعم لو كان الملحوظ هي المادّة المجرّدة وكان التفاوت بكثرة الخليط وقلّته ثبت خيار العيب إلاّ أنه غير مفروض المصنّف .

وأمّا الصورة الثالثة : فتارة يفرض علم البائع بالغش دون المشتري ، واُخرى بالعكس . أمّا الاُولى فهي من أوضح مصاديق الغش في المعاملة ، ويجري فيها جميع

ــ[251]ــ

ما ذكرناه في الصورة الثانية . وأمّا الثانية فلا مانع من نفوذ البيع فيها وضعاً وإباحته تكليفاً ، للعمومات . وتوهّم أنّ الغش مانع عن النفوذ مندفع بما ذكرناه من تقوّمه بعلم البائع وجهل المشتري ، والمفروض عكسه .

قوله : وهذا بخلاف ما تقدّم من الآلات .

أقول : أراد بذلك إبداء الفرق بين بيع آلات اللهو والقمار وبيع الدراهم المغشوشة ، بدعوى استحالة صحته في الآلات ، لأنّ المادّة والهيئة أجزاء تحليلية عقلية ، فلا تقابل المادّة بجزء من الثمن والهيئة بجزء آخر منه ليحكم بصحة البيع في المادة وبفساده في الهيئة ، بل إذا بطل في جزء بطل في الجميع ، وإذا صح في جزء صح في الجميع . والتقسيط إنّما يكون في الأجزاء الخارجية ، كتقسيط الثمن على الخل والخمر إذا بيعا صفقة واحدة ، وهذا بخلاف الدراهم المغشوشة ، لنفوذ المعاملة فيها مع الخيار إلاّ إذا وقع عنوان المعاوضة على الدراهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك بسكّة السلطان ، فإنّ البيع حينئذ يبطل إذا بان الخلاف .

وفيه : أنّ التزامه بالانحلال والتقسيط في الأجزاء الخارجية إذا ظهر الخلاف وعدم التزامه بهما في آلات اللهو والقمار وسائر ما كان التعدّد فيه بالتحليل العقلي متين ، ومن الوضوح بمكان ، إلاّ أنّ الحال في الدراهم أيضاً كذلك ، فإذا كان الاختلاف من جهة السكّة لا يمكن التصحيح من جهة المادّة والإبطال من جهة الهيئة وأمّا الصورة الاُخرى التي يصح البيع فيها مع الخيار أو مع عدمه فلا جامع بينها وبين آلات القمار ليحتاج إلى إبداء الفارق بينهما ، ومن المحتمل أنّ هذه العبارة قد حرّرها النسّاخ في غير موضعها اشتباهاً ، والله العالم .

قوله : وهذا الكلام مطّرد في كل قيد فاسد .

أقول : الشروط سواء كانت صحيحة أم فاسدة لا تقابل بجزء من الثمن كما

ــ[252]ــ

سيأتي بيان ذلك في بابها(1)، وعليه فتخلّفها لا يوجب إلاّ الخيار حتى على مسلك المصنّف ، ودعوى الخصوصية في المورد جزافية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net