تدليس الماشطة 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 6426


حكم تدليس الماشطة

قوله : النوع الرابع : ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرّماً في نفسه .

أقول : قد جرت عادة الأصحاب بالبحث عن جملة من الأعمال المحرّمة في مقدّمة أبحاث التجارة ، وتبعهم المصنّف بذكر أكثرها في مسائل شتّى بترتيب حروف أوائل عنواناتها ، ونحن أيضاً نقتفي أثرهم .

ثم إنّك قد علمت(3) في البحث عن معنى حرمة البيع تكليفاً أنه يكفي في عدم جواز المعاملة على الأعمال المحرّمة ما دلّ على حرمتها من الأدلّة الأولية ، إذ مقتضى أدلّة صحة العقود لزوم الوفاء بها ، ومقتضى أدلة المحرّمات حرمة الإتيان بها ، وهما

ـــــــــــــ
(3) في ص37 .

ــ[310]ــ

لا يجتمعان . وعليه فلا موجب للبحث في كل مسألة من المسائل الآتية عن صحة المعاملة عليها وفسادها ، بل في جهات اُخرى.

وأمّا ما في حاشية السيد من عدم جواز أخذ الاُجرة على العمل المحرّم لقوله (صلّى الله عليه وآله) : « إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه »(1) فإنّ المراد من الثمن مطلق العوض(2)، فهو فاسد ، فإنه مضافاً إلى ضعف سند هذا الحديث ، أنّا نمنع صدق الثمن على مطلق العوض .

قوله : المسألة الاُولى : تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها أو الأمة التي يراد بيعها حرام(3).

أقول : الماشطة والمشّاطة : التي تحسن المشط ، وتتّخذ ذلك حرفة لنفسها . والظاهر أنه لا خلاف في حرمة تدليسها إذا أظهرت في المرأة التي يراد تزويجها ، أو الأمة التي يراد بيعها ما ليس فيهما من المحاسن ، بل ادّعي عليه الإجماع كما في الرياض(4) وغيره . قال في تجارة المقنع : ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها(5). وفي المكاسب المحظورة من النهاية : كسب المواشط حلال إذا لم يغششن ولا يدلسن في عملهن فيصلن شعر النساء بشعر غيرهن من الناس ، ويوشمن الخدود ، ويستعملن ما لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 2 : 110 / 301 ، سنن الدارقطني 3 : 7 / 20 .

(2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 15 ، السطر 16 .

(3) المكاسب 1 : 165 .

(4) رياض المسائل 8 : 172 .

(5) المقنع : 361 .

ــ[311]ــ

يجوز في شريعة الإسلام(1). وفي فتاوي العامّة أنه لا يجوز وصل شعر الإنسان بشعر المرأة(2).

وتحقيق هذه المسألة في ثلاث جهات :

الجهة الاُولى : في تدليس الماشطة . الظاهر أنه لا دليل على حرمة التدليس والغش من حيث هما تدليس وغش ، إلاّ في بيع أو شراء أو تزويج ، للروايات الخاصّة التي سنتعرّض لها في البحث عن حرمة الغش(3)، بل ربما يكونان مطلوبين للعقلاء ، كتزيين الدور والألبسة والأمتعة لإظهار العظمة والشوكة وحفظ الكيان وإراءة أنّها جديدة ، نعم لو قلنا بحرمة الإعانة على الإثم لكان تزيين المرأة التي في معرض التزويج أو الأمتعة التي في معرض البيع حراماً ، لكونه مقدّمة للغش المحرّم  .

وقد أجاد المحقّق الإيرواني حيث قال : إنّ الماشطة لا ينطبق على فعلها غش ولا تدليس ، وإنّما الغش يكون بفعل من يعرض المغشوش والمدلس فيه على البيع نعم الماشطة أعدّت المرأة لأن يغش بها ، وحالها كحال الحائك الذي بفعله تعد العمامة لأن يدلس بلبسها ، وكفعل صانع السبحة لأن يدلس بالتسبيح بها رياء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النهاية : 366 .

(2) في شرح فتح القدير 6 : 63 منع عن وصل شعر الإنسان بشعر المرأة ، لحديث : « لعن الله الواصلة والمستوصلة » ، وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 215 عن الحنفية : ومن البيوع الباطلة بيع شعر الإنسان ، لأنّه لا يجوز الانتفاع به ، لحديث : « لعن الله » الخ ، وقد رخّص في الشعر المأخوذ من الوبر ليزيد في ضفائر النساء .

وفي سنن البيهقي 2 : 426 في عدّة من الأحاديث : « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الواصلة والمستوصلة » .

(3) في ص461 .

ــ[312]ــ

وأمّا نفس التمشيط فلا دليل يدل على المنع عنه بقول مطلق ، بل الأخبار رخّصت فيه(1).

الجهة الثانية : في تمشيط الماشطة . الظاهر أنه لا دليل على المنع عنه بقول مطلق وإن ورد النهي عن خصوص وصل الشعر بالشعر ، بل يتجلّى من الأخبار(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 117 .

(2) في الكافي 5 : 118 / 1 ، 2 ، 3 . والتهذيب 6 : 360 / 1035 ، 1031 ، 1032 ، 1030  . والوافي 17 : 201 / باب كسب الماشطة والخافضة . والوسائل 17 : 131 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح1 ، 2 ، 3 ، 4 عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث اُم حبيب الخافضة قال  : « وكانت لاُم حبيب اُخت يقال لها اُم عطية ، وكانت مقينة ـ  يعني ماشطة ـ فلمّا انصرفت اُم حبيب إلى اُختها فأخبرتها بما قال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأقبلت اُم عطية إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فأخبرته بما قالت لها اُختها ، فقال لها : ادني منّي يااُم عطية ، إذا أنت قينت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة ، فإنّ الخرقة تذهب بماء الوجه » وفي نسخة اُخرى : « تشرب ماء الوجه » وهي صحيحة .

أقول : تقيين الجواري تزيينها . وعن الصحاح ] 6 : 2186 مادّة قين [ : اقتان الرجل إذا حسن ، واقتانت الروضة أخذت زخرفها ، ومنه قيل للماشطة : مقينة ، وقد قيَّنت العروس تقييناً زيّنتها ] في المصدر : اقتان النبت ... [ .

وعن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) « قال : دخلت ماشطة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لها : هل تركت عملك أو أقمت عليه ؟ فقالت : يارسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنا أعمله إلاّ أن تنهاني عنه فأنتهي عنه ، فقال : افعلي ، فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة  ، فإنه يذهب بماء الوجه ، ولا تصلي الشعر بالشعر » . وهي ضعيفة بابن أشيم ومرسلة . وزاد في المتن : وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة . وهو من سهو القلم .

وعن سعد الإسكاف قال : « سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلنه بشعورهنّ ؟ فقال : لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها ، قال فقلت : بلغنا أنّ رسول الله لعن الواصلة والموصولة ؟ فقال : ليس هنالك ، إنّما لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الواصلة التي تزني في شبابها فلمّا كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة والموصولة » وهي ضعيفة بسعد المذكور .

أقول : القرمل كزبرج : ما تشد المرأة في شعرها من شعر أو صوف أو إبريسم ، ويقال له في لغة الفرس « گيسوبند » وفي لغة الترك « صاج باغي » .

وعن القاسم بن محمد عن علي قال : « سألته عن امرأة مسلمة تمشّط العرائس ، ليس لها معيشة غير ذلك ، وقد دخلها ضيق ، قال : لا بأس ، ولكن لا تصل الشعر بالشعر » وهي ضعيفة بالقاسم المذكور .

وفي الوسائل 20 : 188 / أبواب مقدّمات النكاح ب101 ح4 عن مكارم الأخلاق 1 : 194 / 575 عن عمّار الساباطي قال : « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ الناس يروون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعن الواصلة والموصولة ، قال فقال : نعم ، قلت : التي تتمشّط وتجعل في الشعر القرامل ؟ قال فقال لي : ليس بهذا بأس ، قلت : فما الواصلة والموصولة ؟ قال : الفاجرة والقوّادة » وهي مرسلة .

ــ[313]ــ

الكثيرة جوازه مطلقاً ، سواء اشترطت فيه الاُجرة أم لم تشترط ، بل في رواية قاسم ابن محمد صرّح بجواز تعيّش الماشطة بالتمشيط إذا لم تصل الشعر بالشعر .

وقد يقال بتقييدها بمفهوم مرسلة الفقيه وفقه الرضا(1) فإنّهما تدلاّن على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 3 : 98 / 378 ، والوسائل 17 : 133 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح6 عن الصدوق قال : « قال (عليه السلام) : لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة » وهي مرسلة .

وفي المستدرك 13 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب17 ح1 عن فقه الرضا (عليه السلام)  : 252 : «  ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ، ولا تصل شعر المرأة بغير شعرها ، وأمّا شعر المعز فلا بأس » . وهي ضعيفة .

ــ[314]ــ

جواز كسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ، إذ مفهومهما يدل على حرمة كسبها مع انتفاء القيدين أو أحدهما ، فتقيّد به المطلقات ، وعليه فالنتيجة أنه لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط الاُجرة وقبلت ما تعطى ، وإلاّ فيحرم كسبها .

وفيه أولا : أنّهما ضعيفتا السند ، فلا يجوز الاستدلال بهما على الحرمة ، نعم لا بأس بالاستدلال بهما على الكراهة ، بناء على شمول أخبار من بلغ(1) للمكروهات .

وما ذكره المصنّف من أنّ المراد بقوله (عليه السلام) : « إذا قبلت ما تعطى » البناء على ذلك حين العمل وإلاّ فلا يلحق العمل بعد وقوعه ما يوجب كراهته . بيّن الخلل ، فإنه لا موجب لهذا التوجيه بعد إمكان الشرط المتأخّر ووقوعه . فلا غرو في تأثير عدم القبول بعد العمل في كراهة ذلك العمل ، كتأثير الأغسال الليلية في صحة الصوم على القول به .

وثانياً : ما ذكره المصنّف (رحمه الله) ومخلّص كلامه : أنّ الوجه في أولوية قبول ما تعطى وعدم مطالبتها بالزيادة إنّما هو أحد أمرين على سبيل منع الخلو :

الأول : أنّ ما يعطى للماشطة والحجّام والختّان والحلاّق وأمثالهم لا ينقص غالباً عن اُجرة مثل عملهم ، إلاّ أنهم لكثرة حرصهم ودناءة طباعهم يتوقّعون الزيادة ، خصوصاً من اُولي المروّة والثروة ، بل لو مُنِعوا عمّا يطلبونه بادروا إلى السبّ وهتك العرض ، ولذا اُمروا في الشريعة المقدّسة بالقناعة بما يعطون وترك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 80 / أبواب مقدّمة العبادات ب18 .

ــ[315]ــ

المطالبة بالزائد عنه .

الثاني : أنّ المشارطة والمماكسة في مثل تلك الاُمور لا تناسب المحترمين من ذوي المجد والفخامة ، كما أنّ المسامحة فيها ربما توجب المطالبة بأضعاف اُجرة المثل فلذلك أمر الشارع أصحاب هذه الأعمال بترك المشارطة والرضا بما يعطى لهم وهذا كلّه لا ينافي جواز المطالبة بالزائد والامتناع عن قبول ما يعطى إذا اتّفق كونه أقل من اُجرة المثل ، إذ لا يجوز إعطاء أقل من ذلك ، لاحترام عملهم .

قوله : أو لأنّ الأولى في حق العامل قصد التبرّع .

أقول : المرسلة إنّما دلّت على عدم المشارطة ، المستلزم لعدم تحقّق الإجارة المعتبر فيها تعيين الاُجرة ، وهذا لا يستلزم قصد التبرّع ، لجواز أن يكون إيجاد العمل بأمر الآمر ، فيكون أمره هذا موجباً للضمان باُجرة المثل ، كما هو متعارف في السوق كثيراً .

قوله : فلا ينافي ذلك ما ورد .

أقول : إن تم ما ذكره المصنّف من حمل المرسلة على أنّ الأولى بالعامل أن يقصد التبرّع كانت المرسلة خارجة عن حدود الإجارة موضوعاً ، وإن لم يتم ذلك فلابدّ وأن يلتزم بتخصيص ما دل على اعتبار تعيين الاُجرة قبل العمل(1) بواسطة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري : إنّ الرضا (عليه السلام) أقبل على غلمانه يضربهم بالسوط لعدم مقاطعتهم على اُجرة الأجير قبل العمل .

وما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستعملن أجيراً حتى يعلمه ما أجره » وهي ضعيفة بمسعدة . راجع الكافي 5 : 288 / 1 ، 4 . والتهذيب 7 : 212 / 932 ، 931 . والوافي 18 : 945 / ب153 ح1 ، 4 والوسائل 19 : 104 / كتاب الإجارة ب3 ح1 ، 2 .

ــ[316]ــ

المرسلة إذا كانت حجّة ، وإلاّ فيرد علمها إلى أهلها .

الجهة الثالثة : قد ورد في بعض الأخبار(1) لعن الماشطة على خصال أربع : الوصل ، والنمص ، والوشم ، والوشر . أمّا الوصل فإن كان المراد به ما هو المذكور في روايتي سعد الإسكاف والمكارم المتقدّمتين ـ في الحاشية ـ(2) من تفسير الواصلة بالفاجرة والقوّادة فحرمته من ضروريات الإسلام ، وسيأتي التعرّض لذلك في البحث عن حرمة القيادة(3).

وإن كان المراد به ما في تفسير علي بن غراب من أنّ الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، فقد يقال بحرمته أيضاً ، لظهور اللعن فيها .

ولكن يرد عليه أولا : أنه لا حجّية في تفسير ابن غراب ، لعدم كونه من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الوسائل 17 : 133 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح7 عن معاني الأخبار ] 249 / 1 [باسناده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال : « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) النامصة والمنتمصة والواشرة والموتشرة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة » . وهي ضعيفة بعلي بن غراب وغيره من رجال الحديث .

قال الصدوق : قال علي بن غراب : النامصة التي تنتف الشعر ، والمنتمصة التي يفعل ذلك بها والواشمة التي تشم وشماً في يد المرأة وفي شيء من بدنها ، وهو أن تغرز يديها أو ظهر كفّيها أو شيئاً من بدنها بابرة حتى تؤثّر فيه ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة فتخضر ، والمستوشمة التي يفعل ذلك بها . والواشرة التي تشر أسنان المرأة وتفلجها وتحدّدها ، والموتشرة التي يفعل ذلك بها . والواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، والمستوصلة التي يفعل ذلك بها .

وقد ورد اللعن أيضاً من طرق العامّة على الواصلة والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة والواشرة والموتشرة ، والنامصة والمنتمصة . راجع سنن البيهقي 2 : 426 ، و 7 : 312 .

(2) في ص313 .

(3) في ص582 ـ 583 .

ــ[317]ــ

المعصوم ، مع ورود الرد عليه في روايتي سعد الإسكاف والمكارم وتفسير الواصلة والموصولة فيهما بمعنى آخر . ويحتمل قريباً أنه أخذ هذا التفسير من العامة ، فإنّ مضمونه مذكور في سنن البيهقي(1).

وثانياً : لو سلّمنا اعتباره فإنه لابدّ وأن يحمل على الكراهة كما هو مقتضى الجمع بين الروايات ، وتوضيح ذلك : أنّ الروايات الواردة في وصل الشعر بشعر امرأة على ثلاث طوائف :

الاُولى : ما دل على الجواز مطلقاً ، كرواية سعد الإسكاف المتقدّمة : « عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلنه بشعورهن ؟ فقال : لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها » وكرواية مكارم الأخلاق(2).

الثانية : ما دل على التفصيل بين شعر المرأة وشعر غيرها ، وجوّز الوصل في الثاني دون الأول ، كقوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه المتقدّمة(3): « لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة » .

الثالثة : ما تظهر منه الحرمة في مطلق وصل الشعر بالشعر ، كجملة من الروايات المتقدّمة(4) من الفريقين ، وكروايتي عبدالله بن الحسن(5) وثابت بن أبي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن البيهقي 7 : 312 / باب ما لا يجوز للمرأة أن تتزيّن به .

(2) في الوسائل 20 : 189 / أبواب مقدّمات النكاح ب101 ح5 عن أبي بصير قال : « سألته عن قصّة النواصي تريد المرأة الزينة لزوجها ، وعن الحفّ والقرامل والصوف وما أشبه ذلك ؟ قال : لا بأس بذلك كلّه . وهي مرسلة ، راجع مكارم الأخلاق 1 : 194 / 576 .

(3) في ص313 ، الهامش رقم (1) .

(4) في ص311 ـ 314 .

(5) قال : « سألته عن القرامل ؟ قال : وما القرامل ؟ قلت : صوف تجعله النساء في رؤوسهن فقال : إن كان صوفاً فلا بأس به ، وإن كان شعراً فلا خير فيه من الواصلة والموصولة » وهي مجهولة بيحيى بن مهران وعبدالله بن الحسن . راجع التهذيب 6 : 361 / 1036 والوافي 17  : 204 / 7 ، 22 : 857 / 8 ، والوسائل 17 : 132 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح5 .

ــ[318]ــ

سعيد(1). وهاتان الروايتان تدلاّن أيضاً على جواز وصل الصوف بالشعر .

ومقتضى الجمع بينها أن يلتزم بجواز وصل شعر المعز بشعر المرأة بلا كراهة وبجواز وصل شعر المرأة بشعر امرأة اُخرى مع الكراهة ، فإنّ ما دلّ على المنع مطلقاً يقيّد بما دل على جواز الوصل بشعر المعز ، وما دل على حرمة وصل شعر المرأة بشعر امرأة اُخرى يحمل على الكراهة ، لما دل على جواز تزيّن المرأة لزوجها مطلقاً  ، فإنّ رواية سعد الاسكاف وإن كانت بصراحتها تدفع توهّم السائل من حيث الموضوع وهو إرادة وصل الشعر بالشعر من الواصلة والموصولة ، ولكنّها ظاهرة أيضاً في جواز وصل الشعر بالشعر مطلقاً ، إذ لو لم يكن جائزاً لكان على الإمام (عليه السلام) أن يدفع توهّم السائل من حيث الحكم ، فيقول له مثلا : إنّ وصل شعر المرأة بشعر امرأة اُخرى حرام . على أنّ روايتي عبدالله بن الحسن وثابت غير ظاهرتين في الحرمة كما هو واضح لمن يلاحظهما .

بقى هنا أمران :

الأول : أنّ رواية سعد مختصة بزينة المرأة لزوجها ، فلا تدل على جواز الوصل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال : « سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن النساء يجعلن في رؤوسهن القرامل ، قال : يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة نفسها ، وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضرّ » وهي مجهولة بثابت . وعن مكارم الأخلاق 1 : 194 / 574 مثله مرسلا ومضمراً . راجع الكافي 5 : 220 / 3 ، والوافي 22 : 856 / 6 ، والوسائل 20 : 187 / أبواب مقدّمات النكاح ب101 ح1 .

ــ[319]ــ

مطلقاً .

وفيه : أنّها وإن كانت واردة في ذلك ، إلاّ أنّ من المقطوع به أنّ جواز تزيّن المرأة لزوجها لا يسوّغ التزيّن بالمحرّم كما تقدّم ، فيعلم من ذلك أنّ وصل الشعر بالشعر ولو بشعر امرأة كان من الاُمور السائغة في نفسها .

الثاني : أنّ رواية سعد مطلقة ، تدل على جواز وصل الشعر بالشعر مطلقاً ولو كان شعر امرأة اُخرى ، فتقيّد بما اشتمل على النهي عن وصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها .

وفيه : أنّ رواية سعد وإن كانت مطلقة ولكنّ السؤال فيها كان عن خصوص وصل الشعر بالشعر ، فلو كان في بعض أفراده فرد محرّم لوجب على الإمام (عليه السلام) أن يتعرّض لبيان حرمته في مقام الجواب ، فيعلم من ذلك أنه ليس بحرام .

هكذا كلّه مع صحّة الروايات ، ولكنّها جميعاً ضعيفة السند . إذن فمقتضى الأصل هو الجواز مطلقاً .

وربما يقال : إنّ لعن الواصلة في النبوي صريح في الحرمة ، فلا يجوز حمله على الكراهة . وفيه : مضافاً إلى ضعف سنده ، واستعمال اللعن في الاُمور المكروهة في بعض الأحاديث(1) أنّ اللعن ليس بصريح في الحرمة حتى لا يجوز حمله على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال : « ياعلي لعن الله ثلاثة : آكل زاده وحده ، وراكب الفلاة وحده ، والنائم في بيت وحده » . راجع الوسائل 24 : 416 / أبواب آداب المائدة ب101 ح1 ، والبحار 74 : 51 / 3 .

وفي الاحتجاج 2 : 557 / 350 ، والوسائل 4 : 201 / أبواب المواقيت ب21 ح7 عن الكليني رفعه عن الزهري في التوقيع : « ملعون ملعون من أخّر العشاء إلى أن تشتبك النجوم  ، ملعون ملعون من أخّر الغداة إلى أن تنقضي النجوم » . ] في الاحتجاج : إلى أن تنفض النجوم  [ .

وفي الوسائل 16 : 280 / أبواب الأمر والنهي ب42 ح7 عن كنز الفوائد 1 : 150 : «  ملعون ملعون من وهب الله له مالا فلم يتصدّق منه بشيء ، أما سمعت أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : صدقة درهم أفضل من صلاة عشر ليال » .

ــ[320]ــ

الكراهة ، وإنّما هو دعاء بالإبعاد المطلق الشامل للكراهة أيضاً ، نظير الرجحان المطلق الشامل للوجوب والاستحباب كليهما ، غاية الأمر أن يدعى كونه ظاهراً في التحريم ، لكنّه لابدّ من رفع اليد عن ظهوره وحمله على الكراهة إذا تعارض مع ما يدل على الجواز كما عرفت .

ومن هنا ظهر جواز بقية الاُمور المذكورة في النبوي كالنمص والوشم والوشر وإن كانت مكروهة ، بل ربما يشكل الحكم بالكراهة أيضاً ، لضعف الرواية ، إلاّ أن يتمسّك في ذلك بقاعدة التسامح في أدلة السنن ، بناء على شمولها للمكروهات أيضاً بل ورد جواز النمص ـ أعني حف الشعر من الوجه ـ في الخبر(1).

ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب أيضاً عن رواية عبدالله بن سنان(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الوسائل 17 : 133 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح8 عن قرب الإسناد ] 226 / 883 [ باسناده عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) « عن المرأة التي تحف الشعر من وجهها ؟ قال : لا بأس » وهي مجهولة بعبدالله بن الحسن .

وفي الوسائل 20 : 189 / أبواب مقدّمات النكاح ب101 ح6 عن علي بن جعفر مثلها ولكنّه صحيح .

(2) في الكافي 5 : 559 / 13 ، والوافي 22 : 858 / 9 ، والوسائل 20 : 239 / أبواب مقدّمات النكاح ب137 ح1 عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الواشمة والموتشمة والناجش والمنجوش ملعونون على لسان محمد (صلّى الله عليه وآله) » وهي ضعيفة بمحمد بن سنان .

 
 

ــ[321]ــ

المشتملة على اللعن على الواشمة والموتشمة .

وقد يتوهّم أنه ثبت بالأخبار المستفيضة المذكورة في أبواب النكاح وبالسيرة القطعية جواز تزيّن المرأة لزوجها ، بل كونه من الاُمور المستحبّة ومقتضى ما دل على حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر هو عدم جواز التزيّن بها ، سواء كان ذلك للزوج أو لغيره ، فيتعارضان فيما كان التزيّن بالاُمور المذكورة للزوج ، ويتساقطان ، فيرجع إلى الاُصول العملية .

وفيه : أنه لو تم ما دلّ على حرمة الاُمور المزبورة فالنسبة بينه وبين ما دل على جواز التزيّن هي العموم المطلق . فيحكم بجواز التزيّن مطلقاً إلاّ بالأشياء المذكورة ، بيان ذلك : أنّ المذكور في الروايات وإن كان هو جواز تزيّن الزوجة لزوجها فقط ، ولكنّا نقطع بعدم مدخلية الزوجية في الحكم بحيث لولاها لكان التزيّن للنساء حراماً ، بل هو أمر مشروع للنساء كلّها كما عليه السيرة القطعية . إذن فلابدّ من تخصيص الحكم بما دلّ على حرمة الاُمور المذكورة في النبوي .

قوله : خصوصاً مع صرف الإمام للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهره .

أقول : صرف النبوي عن ظاهره بالتصرف في معنى الواصلة والمستوصلة بإرادة القيادة من الواصلة يقتضي حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر المذكورة في النبوي ، لاتّحاد السياق ، دون الكراهة ، نعم لو كان معنى اللعن في الرواية هو مطلق الإبعاد الذي يجتمع مع الكراهة لصار مؤيّداً لحمل ما عدا الوصل على

ــ[322]ــ

الكراهة .

قوله : نعم قد يشكل الأمر في وشم الأطفال من حيث إنه إيذاء لهم بغير مصلحة  .

أقول : لا شبهة أنّ الوشم لا يلازم الإيذاء دائماً ، بل بينهما عموم من وجه فإنه قد يتحقّق الإيذاء حيث يتحقّق الوشم كما هو الكثير ، وقد يتحقّق الوشم حيث لا يتحقّق الإيذاء ، لأجل استعمال بعض المخدّرات المعروفة اليوم ، وقد يجتمعان . وعلى تقدير الملازمة بينهما فالسيرة القطعية قائمة على جواز الإيذاء إذا كان لمصلحة التزيّن ، كما في ثقب الآذان والآناف .

قوله : ثم إنّ التدليس بما ذكرنا إنّما يحصل بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري .

أقول : التدليس في اللغة(1) عبارة عن تلبيس الأمر على الغير ، أو كتمان عيب السلعة عن المشتري وإخفائه عليه بإظهار كمال ليس فيها ، وأمّا ما يوجب رغبة المشتري والخاطب فليس بتدليس ما لم يستلزم كتمان عيب ، أو إظهار ما ليس فيه من الكمال ، وإلاّ لحرم تزيين السلعة ، لكون ذلك سبباً لرغبة المشتري ، ولحرم أيضاً لبس المرأة الثياب الحمر والخضر الموجبة لظهور بياض البدن وصفائه  ، بداهة كونه سبباً لرغبة الخاطبين ، ولا نظنّ أن يلتزم بذلك فقيه أو متفقّه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في القاموس ] 2 : 341 مادّة الدَلَس [ : التدليس كتمان عيب السلعة عن المشتري . وفي المنجد ]  222 مادّة دلس [ : دلَّسَ البائع كتم عيب ما يبيعه عن المشتري .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net